رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

نظرة

كلاكيت تاني مرة.. أعود إلى قضية منتحلي صفة الصحفي، بعدما كتبت في مقال سابق عن نفس الموضوع .. إن خطورة هذه الظاهرة، ليس فقط على مهنة الصحافة، وإنما على المجتمع كله؛ لأن منتحل الصفة لا يسيء إلى صورة الصحفي فقط، وإنما يمكن أن يفسد العقول والرأي العام، ويهدم طموحات أجيال، وينشر فيروس ضعف الوعي بين الناس.

وأعود إلى الموضوع مرة أخرى لأن الظاهرة لم تعد مجرد حالات فردية يمكن تجاهلها، وإنما أصبحت تحتاج إلى مواجهة واضحة وحاسمة، خصوصًا عندما يقدم شخص نفسه للناس باعتباره صحفيًا، بينما لا علاقة له بالمهنة من قريب أو بعيد.

لا نعرف له موضوعًا صحفيًا، ولا خبرًا، ولا تحقيقًا، ولا تجربة مهنية حقيقية، ولم يعمل في مؤسسة صحفية عريقة، أو حتى مؤسسة يمكن أن تمنحه الخبرة التي يتحدث عنها، ثم يظهر فجأة ليقدم نفسه باعتباره صاحب خبرة أو صاحب رأي أو ممثلًا للصحافة.

وهنا يجب أن نقولها بوضوح: هناك فرق بين صحفي شاب بدأ طريقه ويتعلم المهنة، وبين شخص ينتحل صفة صحفي وهو ليس صحفيًا من الأساس.

الأول نرحب به ونساعده، والثاني يجب أن نواجهه.

فالصحافة ليست مجرد هاتف في اليد، أو صفحة على وسائل التواصل الاجتماعي، أو صورة مع مسؤول أو فنان، وليست الوقوف أمام جنازة أو مناسبة عامة بحثًا عن تصريح أو صورة.

الصحافة مهنة لها أصولها، وخبرة تتراكم، واسم تبنيه سنوات من العمل، وثقة لا يحصل عليها الصحفي بمجرد أن يطلق على نفسه هذا اللقب.

والأخطر أن بعض منتحلي الصفة أصبحوا يقدمون للمجتمع صورة مشوهة عن الصحفي وطريقة عمله. نراهم يطاردون المسؤولين والنجوم من أجل صورة أو تصريح، وأحيانًا يقفون أمام الجنازات في مشهد يسيء إلى المهنة، وكأن الصحفي أصبح شخصًا يبحث عن أي فرصة للظهور أو الاقتراب من شخصية مشهورة.

.

كان الصحفي بقلمه واسمه ومؤسسته هو الذي يصنع القيمة. وكان المسؤول أو النجم يعرف أن ما يكتبه الصحفي يمكن أن يصل إلى الناس ويؤثر في الرأي العام، ولذلك كان يسعى إلى الصحفي كما كان الصحفي يسعى إليه للحصول على المعلومة.

أما أن يصبح الصحفي هو من يطارد المسؤول أو النجم من أجل صورة أو تصريح لا قيمة له، فهذه ليست مجرد مشكلة في سلوك فرد، وإنما إساءة إلى صورة مهنة كاملة.

ولا تقل لي إن وسائل التواصل الاجتماعي هي السبب..الورق الذي لا يحمل مادة صحفية يصبح مجرد ورق أبيض، ووسائل التواصل التي لا تحمل محتوى حقيقيًا تصبح مجرد صورة تبحث عن عنوان يفسرها، أو عنوان يبحث عن قصة.

المشكلة إذن ليست في الأداة، وإنما فيمن يستخدمها، وماذا يقدم من خلالها

رب كلمة أحيت أمة، ورب كلمة هدمت أمة، ورب كلمة كتبها جاهل فأضلت أمة، ورب كلمة نقلها من يدعي الفهم والفقه والحكمة والخبرة فأفسدت عقولًا.

ولهذا فإن مسؤولية الصحفي ليست بسيطة. هو لا يكتب لنفسه، وإنما يكتب للناس. وما ينشره اليوم قد يظل أثره سنوات، وقد يؤثر في رأي إنسان أو موقف مجتمع.

المشكلة ليست أنهم يحملون لقبًا ليس من حقهم فقط، وإنما أنهم يتحدثون باسم مهنة لها تأثير مباشر في وعي الناس. وعندما يقدم شخص لا علاقة له بالصحافة نفسه باعتباره صحفيًا، ثم يخطئ أو يسيء أو ينشر معلومات غير صحيحة، فإن الضرر لا يتوقف عنده، وإنما يصل إلى صورة الصحافة كلها.

ومن هنا لا بد من الإشادة بالدور الإيجابي الذي تقوم به النقابة العامة للصحفيين في مواجهة هذه الظاهرة والدفاع عن المهنة. فالنقابة هنا لا تدافع عن الصحفيين فقط، وإنما تدافع عن حق المجتمع في أن يعرف من هو الصحفي، ومن الذي يملك حق التحدث باسم هذه المهنة.

نحن لا نريد أن نغلق الباب أمام الشباب، ولا نقول إن الصحفي يجب أن ينتظر سنوات طويلة حتى يثبت نفسه. كل صحفي كبير بدأ يومًا في أول الطريق.

لكن هناك فرقًا كبيرًا بين صحفي شاب يتعلم المهنة، ومنتحل صفة يدعي أنه صحفي.

الأول نساعده ونمنحه الفرصة، والثاني يجب أن نواجهه.

فالصحافة ليست شهرة، وليست صورًا، وليست عدد المتابعين.

الصحافة خبرة تتراكم، ومهنة تتعلمها، واسم تبنيه سنوات طويلة، وثقة لا تأتي إلا بعد أن يثبت الصحفي أنه يستحقها.

ولهذا فإن مواجهة منتحلي الصفة ليست دفاعًا عن الماضي، ولا محاولة لإقصاء أحد، وإنما دفاع عن مستقبل المهنة، وعن حق المجتمع في صحافة حقيقية يعرف من يقف خلفها، ومن يتحمل مسؤولية الكلمة التي يقرأها.

لأننا إذا تركنا الأمر للفوضى، فسوف تختلط الأسماء والصفات، ويصبح كل من يحمل هاتفًا صحفيًا، وكل من ينشئ صفحة إعلاميًا، وكل من يطلب تصريحًا صحفيًا.

وفي النهاية لن يعرف الناس من هو الصحفي الحقيقي.

وهنا تكون الخسارة أكبر من خسارة المهنة نفسها؛ لأن المجتمع الذي لا يعرف من يكتب له، لا يستطيع أن يعرف أي كلمة يصدق.

منتحلو الصفة لا يسيئون إلى الصحفيين فقط.. إنهم يسيئون إلى الكلمة، والكلمة إذا فسدت أفسدت وعي الناس.

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة