رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

أعلامٌ لا يُنسَون ..


ثمة كتب نقرأها ثم نغلقها، فلا يبقى منها بعد الأيام إلا عنوانٌ باهت، أو فكرة عابرة، أو ذكرى تتلاشى مع الزمن. وثمة كتب أخرى لا تنتهي عند الصفحة الأخيرة؛ لأنها لا تكتفي بأن تضيف إلى معارفنا معلومة، بل تضيف إلى أرواحنا حياة، وتعيد تشكيل طرائق تفكيرنا، وتفتح لنا نوافذ لم نكن نعلم أنها موجودة. تلك الكتب لا نصاحبها بوصفها أوراقًا مطبوعة، وإنما نصاحبها بوصفها رفقةً فكريةً وإنسانية، فنعود إليها كلما أردنا أن نستضيء بفكرة، أو نطمئن إلى منهج، أو نستعيد دهشة المعرفة الأولى.
ولعل سر هذا التعلّق أن الكتاب العظيم لا يمنح قارئه أجوبة جاهزة، بل يوقظ فيه أسئلة جديدة، ويجعله يرى العالم بعينين مختلفتين. ومن هنا تتحول العلاقة بين القارئ والكتاب إلى علاقة تتجاوز القراءة نفسها؛ إذ يغدو الكتاب جزءًا من الذاكرة، ومن التجربة الشخصية، ومن التكوين الفكري، حتى يقترن في الذهن بلحظات بعينها، وأماكن بعينها، وروائح لا تُنسى، وتفاصيل صغيرة تظل حاضرة كلما وقع البصر على غلافه أو ذُكر اسم صاحبه.
ولعل هذا هو السبب الذي يجعل بعض الكتب يرافق الإنسان سنوات طويلة، لا يملّ العودة إليها، ويشعر في كل قراءة أنه يكتشف فيها ما لم يكن قد رآه من قبل؛ لأنها لا تتغير، بينما يتغير هو، فيقرأها في كل مرحلة بعقل جديد، وخبرة أعمق، ووجدان أكثر نضجًا.
ولذلك لا أكاد أعرف كتابًا في حياتي ترك في نفسي من الأثر، واستولى على عقلي ووجداني، كما فعل كتاب «البيان في روائع القرآن» للدكتور تمام حسان...
وما زلت أذكر أول مرة وقعت عيناي عليه؛ كان ذلك منذ سنوات بعيدة، حين اقتنيته ضمن إصدارات مهرجان القراءة للجميع. لم أكن أعرف يومها أنني على موعد مع كتاب سيصبح أحد أقرب الكتب إلى قلبي، وأن صاحبه سيغدو واحدًا من أكثر العلماء تأثيرًا في تكويني الفكري واللغوي.
منذ الصفحات الأولى شعرت أنني أمام عالم مختلف؛ عالم لا يشبه ما ألفته في كتب اللغة أو البلاغة أو التفسير. وما إن بدأت القراءة حتى لم أعد أطيق صبرًا على تأجيلها. خرجت بالكتاب من معرضه، وأخذت أقرأ وأنا أسير في الطريق، وكانت كل صفحة تسلمني إلى أختها، حتى بدا لي أنني أغادر ضجيج الشارع إلى عالم آخر، لا يملؤه إلا البيان، وروعة اللغة، وجمال القرآن.
ولم أستطع الانتظار حتى أصل إلى المنزل؛ فجلست في أول مقهى صادفته، واخترت ركنًا هادئًا بعيدًا عن صخب الناس، وطلبت فنجانًا من القهوة، ثم عدت إلى الكتاب مأخوذًا بما أقرأ. وبينما كنت غارقًا في القراءة، انقلب الفنجان من يدي على صفحات الكتاب، دون أن أشعر. ارتبكت، وحاولت في عجلة أن أمسح آثار القهوة، لكنني لم أفلح.
غير أن ما حدث بعد ذلك كان أشبه بالمفارقة الجميلة؛ فقد اكتسبت الصفحات لونًا بنيًّا فاتحًا، وفاحت منها رائحة القهوة الزكية، حتى بدا الكتاب وكأنه ازداد جمالًا ودفئًا، وكأن تلك المصادفة ختمت علاقتي به بخاتم لا يُنسى.
ومنذ ذلك اليوم، تعلقت بالكتاب، ثم تعلقت بصاحبه. وكنت كلما أعدت قراءته وجدتني أتمتم من غير شعور: «الله... الله!» إعجابًا بعمق الفكرة، وروعة البيان، وصدق المنهج، وسعة العلم. ولم يكن ذلك الإعجاب وليد البلاغة وحدها، بل كان ثمرة إحساس صادق بأنني أمام عالم جليل وهبه الله عقلًا لغويًا فذًا ونافذًا، وبصيرةً لغويةً فريدة، استطاع أن ينفذ بها إلى أسرار العربية، وأن يكشف عن وجوه من البيان القرآني قلَّ أن يلتفت إليها غيره.. عالم كبير جمع بين عمق التراث ودقة البحث اللغوي الحديث.
ولعل هذه الذكرى الشخصية كانت أول الخيط الذي قادني إلى قراءة مشروع الدكتور تمام حسان كله، والوقوف على رحلته العلمية، وإدراك أن «البيان في روائع القرآن» لم يكن كتابًا عابرًا في مسيرته، بل كان ثمرة مشروع لغوي متكامل، بدأ منذ سنوات طويلة، وتدرج عبر مؤلفاته الكبرى حتى بلغ ذروته في هذا السفر الفريد، الذي سيظل شاهدًا على عبقرية صاحبه، وعلى أن خدمة القرآن الكريم لا تكون بالتفسير وحده، وإنما تكون كذلك بالكشف عن أسرار بيانه، واستجلاء دقائق نظامه اللغوي المعجز.
..
وهذا الكتاب " البيان في روائع القرآن" هو التطبيق الأكبر لمشروعه اللغوي على النص القرآني، وفيه قدم قراءة لغوية وأسلوبية متكاملة للقرآن الكريم، كاشفًا عن أسرار البيان القرآني من خلال تكامل المستويات اللغوية والسياقية والنصية.
لم يكن تاريخ العربية في العصر الحديث تاريخًا لتراكم المؤلفات فحسب، بل كان تاريخًا لمشروعات فكرية كبرى أعادت النظر في كثير من المسلمات التي استقرت قرونًا طويلة. وفي كل مرحلة من مراحل هذا التاريخ يبرز علماء استطاعوا أن يضيفوا إلى علوم العربية إضافة حقيقية، لا بمجرد الشرح والتفسير، وإنما بإعادة بناء الرؤية نفسها. ومن بين هؤلاء يحتل الدكتور تمام حسان مكانة استثنائية؛ إذ لم يكن عالمًا في النحو أو اللغة بالمعنى التقليدي، وإنما كان صاحب مشروع لغوي متكامل سعى إلى إعادة بناء التفكير اللغوي العربي على أسس علمية حديثة، دون أن يقطع صلته بالتراث، أو يتخلى عن خصوصية العربية وهويتها.
لقد جاء مشروعه في مرحلة شهدت فيها الدراسات اللغوية العربية انفتاحًا واسعًا على اللسانيات الغربية، بين من انبهر بها فأدار ظهره للتراث، ومن تشبث بالتراث رافضًا كل جديد. أما تمام حسان فقد اختار طريقًا ثالثًا، أكثر صعوبة وأكثر أصالة؛ طريق الإفادة من منجزات علم اللغة الحديث، مع إعادة قراءة التراث العربي قراءة جديدة، تكشف ما فيه من طاقات علمية قادرة على مواكبة العصر. ولذلك لم يكن مشروعه دعوة إلى هدم القديم، ولا إلى استنساخ المناهج الغربية، بل إلى بناء رؤية عربية معاصرة تنطلق من اللغة ذاتها، وتجعل المعنى محور الدرس اللغوي، والسياق أساسًا للفهم، والنص وحدةً متكاملة لا مجرد جمل متفرقة.
ولم يقتصر أثره على قاعات الدرس الجامعي، ولا على المؤلفات المتخصصة، بل امتد إلى أجيال من الباحثين في مصر والعالم العربي، فأصبحت كتبه مراجع أساسية في أقسام اللغة العربية، وتحولت أفكاره إلى موضوعات لعشرات رسائل الماجستير والدكتوراه، كما ظل مشروعه محل نقاش علمي مستمر، يزداد ثراءً كلما تعاقبت الدراسات والبحوث.
السيرة الذاتية والنشأة العلمية
ولد الدكتور تمام حسان سنة 1918م بالكرنك بمحافظة قنا، في بيئة صعيدية محافظة، كان للعلم والدين فيها مكانة راسخة. وفي هذه البيئة تشكلت ملامح شخصيته الأولى، فحفظ القرآن الكريم في طفولته، وهو حفظٌ لم يكن مجرد مرحلة تعليمية، بل أصبح الأساس الذي قامت عليه رؤيته اللغوية فيما بعد؛ فقد ظل القرآن الكريم حاضرًا في وجدانه، ومصدرًا دائمًا للتأمل اللغوي والبياني، حتى انتهى مشروعه العلمي إلى أعظم كتبه القرآنية: «البيان في روائع القرآن».
وتلقى تعليمه الأول في الأزهر الشريف، حيث تشرب علوم العربية والبلاغة والفقه وأصول اللغة، فاكتسب تكوينًا تراثيًا عميقًا، قبل أن ينتقل إلى كلية دار العلوم بجامعة القاهرة، التي كانت آنذاك تمثل نقطة التقاء بين التراث العربي والدراسة الجامعية الحديثة. وهناك تعمق في علوم النحو والصرف والبلاغة والأدب والفقه اللغوي، وتتلمذ على كبار علماء العربية، فازدادت شخصيته العلمية نضجًا واتساعًا.
غير أن طموحه العلمي لم يقف عند حدود الدراسة المحلية، فسافر إلى جامعة لندن، حيث واصل دراساته العليا، ونال درجتي الماجستير والدكتوراه في علم اللغة. وهناك اطلع مباشرة على أحدث مناهج اللسانيات الغربية، ومدارسها المختلفة، ووقف على تطور الفكر اللغوي الحديث من مصادره الأصلية. ولم يكن هذا الاطلاع سببًا في انبهاره بالمناهج الغربية أو ذوبانه فيها، بل أصبح وسيلة لإعادة النظر في التراث العربي نفسه، والبحث عن صيغة تجمع بين أصالة العربية ومنهجية البحث اللساني الحديث.
عاد إلى مصر ليبدأ مرحلة جديدة من حياته العلمية، فالتحق بكلية دار العلوم أستاذًا للنحو والصرف، ثم تدرج في مناصبها الأكاديمية حتى أصبح رئيسًا لقسم النحو والصرف والعروض، ثم وكيلًا لكلية دار العلوم، وأسهم في إعداد أجيال متتابعة من الباحثين، وأشرف على عشرات الرسائل الجامعية، وشارك في مناقشة كثير منها داخل مصر وخارجها، وظل حضوره العلمي فاعلًا في المؤتمرات والندوات حتى السنوات الأخيرة من حياته.
واختير عضوًا في مجمع اللغة العربية بالقاهرة، وهو أرفع المجامع اللغوية العربية، تقديرًا لمكانته العلمية وإسهاماته في خدمة اللغة العربية، كما نال جائزة الملك فيصل العالمية في اللغة العربية وآدابها، وهي من أرفع الجوائز العلمية في العالم الإسلامي، اعترافًا بمشروعه اللغوي الرائد وإسهاماته في تجديد الدراسات العربية.
وظل الدكتور تمام حسان يمارس نشاطه العلمي والتأليفي والإشراف الأكاديمي حتى وفاته سنة 2011م، بعد أن ترك مدرسة لغوية متكاملة، ما تزال أفكارها ومناهجها حاضرة في الجامعات العربية، وموضوعًا للدراسة والتطوير والنقد.
التطور الزمني لفكر الدكتور تمام حسان
إذا تأملنا المسيرة العلمية للدكتور تمام حسان وجدنا أنها لم تكن مجموعة مؤلفات متفرقة، وإنما كانت مشروعًا فكريًا متدرجًا، تتكامل حلقاته بصورة واضحة، حتى إن كل كتاب من كتبه الكبرى كان يمهد للكتاب الذي يليه.
فقد بدأ مشروعه بتأسيس الإطار النظري الجديد للدراسات اللغوية، وبلغ هذا التأسيس ذروته في كتابه الشهير «اللغة العربية معناها ومبناها»، الذي صدر في سبعينيات القرن العشرين، ووضع فيه الأسس العامة لرؤيته الجديدة، وأعاد بناء كثير من المفاهيم النحوية والدلالية، وربط بين المبنى والمعنى، وبين الوظيفة والسياق، وأعلن فيه نظريته الشهيرة «تضافر القرائن» التي أصبحت حجر الأساس في مشروعه كله.
ولما رأى أن أي نظرية لا تثبت قيمتها إلا بالتطبيق، انتقل إلى مرحلة ثانية، فأصدر كتاب «الخلاصة النحوية»، الذي حاول فيه إعادة تنظيم أبواب النحو العربي في ضوء نظريته، وتقديمها بصورة تعليمية جديدة، قائمة على العلاقات بين عناصر اللغة، لا على الحفظ المجرد للقواعد.
ثم اتجه إلى أوسع ميادين التطبيق وأشرفها، وهو النص القرآني، فأصدر سنة 1993م كتابه «البيان في روائع القرآن»، الذي مثَّل التطبيق العملي الأشمل لمشروعه اللغوي، ثم عاد فوسعه في طبعة لاحقة حتى أصبح في جزأين كبيرين، جمع فيهما خلاصة تجربته العلمية في دراسة البيان القرآني من منظور لغوي ولساني متكامل.
وفي مرحلة لاحقة ترجم كتاب «النص والخطاب والإجراء» للعالم اللساني روبرت دي بوجراند، وقدم له بمقدمة مطولة، أسهمت في التعريف بعلم النص في العالم العربي، وأظهرت مدى تطور اهتمامه من نحو الجملة إلى نحو النص، ومن العلاقات النحوية الجزئية إلى البنية الكلية للنص.
وهكذا يمكن القول إن مشروع تمام حسان تطور في أربعة أطوار متتابعة: التنظير اللغوي، ثم التطبيق النحوي، ثم التطبيق القرآني، ثم الانفتاح على علم النص واللسانيات النصية، وهي مراحل متصلة، يكمل بعضها بعضًا، وتكشف عن مشروع فكري بالغ الاتساق، ظل يتطور على مدى عقود دون أن يفقد وحدته الداخلية.
..
مشروعه في تجديد الدرس اللغوي العربي**
لم يكن الدكتور تمام حسان من العلماء الذين يقفون عند حدود شرح التراث أو إعادة عرضه في ثوب جديد، وإنما كان صاحب مشروع علمي هدفه إعادة النظر في الأسس التي يقوم عليها الدرس اللغوي العربي نفسه. وكان يدرك أن النحو العربي، على عظمته وما بلغه من إحكام، قد انشغل في كثير من مراحله بالصناعة الإعرابية وتقعيد الأحكام، حتى غلب الاهتمام بالشكل على الاهتمام بالوظيفة، وبالإعراب على المعنى، وبالجملة المفردة على النص الكامل.
ومن هنا بدأ مشروعه الإصلاحي؛ فلم يدعُ إلى هدم التراث، ولم يتبنَّ موقف القطيعة مع النحو العربي، بل انطلق من احترامه العميق لهذا التراث، مؤمنًا بأن فيه من الكنوز ما يؤهله للتجدد، إذا أُعيدت قراءته في ضوء المناهج اللغوية الحديثة. ولذلك كان يردد، في منهجه العلمي، أن التجديد الحق لا يقوم على رفض القديم، وإنما على فهمه واستيعابه، ثم تطويره بما يحقق حاجات العصر.
وكان يرى أن اللغة ليست مجموعة قواعد جامدة، وإنما نظام حي تتفاعل فيه الأصوات، والصيغ، والتراكيب، والدلالات، والسياقات، وأن كل عنصر من هذه العناصر يؤدي وظيفة لا يمكن عزلها عن بقية العناصر. ومن هنا انتقل بمركز الاهتمام من إعراب الكلمات إلى العلاقات التي تربط بينها، ومن دراسة الجملة منفردة إلى دراسة النص في وحدته الكلية، ومن الاقتصار على القواعد إلى البحث عن القوانين التي تحكم إنتاج المعنى.
وقد مثّل هذا التحول نقلة نوعية في الفكر اللغوي العربي؛ إذ أعاد الاعتبار للسياق، وعدَّه عنصرًا حاكمًا في فهم الدلالة، وربط بين مستويات اللغة المختلفة، مؤكدًا أن الأصوات والصيغ والتراكيب ليست عناصر متجاورة، وإنما مكونات متفاعلة تسهم جميعها في بناء المعنى.
ولذلك لم يكن مشروعه مجرد تطوير لبعض أبواب النحو، بل كان محاولة لإعادة بناء التفكير اللغوي العربي كله، انطلاقًا من مركزية المعنى، ووحدة النص، وتكامل مستويات اللغة.
نظرية «تضافر القرائن»... قلب المشروع اللغوي**
إذا كان لكل عالم فكرة تمثل جوهر مشروعه، فإن نظرية «تضافر القرائن» تمثل قلب المشروع الفكري للدكتور تمام حسان، بل تعد من أبرز الإسهامات العربية في الدراسات اللغوية الحديثة.
انطلقت هذه النظرية من ملاحظة دقيقة؛ فالمعنى لا تحدده الكلمة وحدها، كما لا يحدده الإعراب وحده، وإنما يتولد من اجتماع قرائن متعددة تعمل معًا في وقت واحد، بحيث يسهم كل منها في توجيه الدلالة النهائية، فإذا غابت إحدى القرائن عوضتها قرينة أخرى، ما دام اللبس مأمونًا.
وقسّم الدكتور تمام حسان هذه القرائن إلى مستويات متعددة، منها القرائن الصوتية، والصرفية، والنحوية، والدلالية، والسياقية، والمقامية، والنصية، مؤكدًا أن هذه القرائن لا تعمل منفصلة، وإنما تتساند وتتضافر في إنتاج المعنى.
وبذلك تجاوز النظرة التقليدية التي جعلت العلامة الإعرابية وحدها مفتاح فهم الجملة، وأثبت أن العلاقات بين عناصر الخطاب أوسع من أن تُختزل في الإعراب، وأن اللغة شبكة مترابطة من العلامات والدلالات والسياقات.
وقد وجد الباحثون في هذه النظرية محاولة عربية أصيلة لإعادة تفسير النظام اللغوي، وربط التراث النحوي بنتائج علم اللغة الحديث، ولذلك أصبحت محورًا لعشرات الرسائل الجامعية والدراسات العلمية في الجامعات العربية.
لماذا يُعد تمام حسان مجددًا؟ **
ليس من اليسير أن يُوصَف عالم بأنه مجدد، فالتجديد الحقيقي لا يقاس بكثرة المصطلحات الجديدة، ولا باستيراد المناهج الأجنبية، وإنما بقدرته على فتح آفاق جديدة للفكر. ومن هذه الزاوية استحق الدكتور تمام حسان أن يكون في مقدمة المجددين في الدراسات اللغوية العربية.
وتتجلى معالم هذا التجديد في عدد من القضايا الكبرى، من أهمها:
- نقل مركز الاهتمام من إعراب الجملة إلى تحليل النص بوصفه وحدة دلالية متكاملة.
- جعل المعنى محور الدرس اللغوي، بعد أن ظل الإعراب طويلًا في مركز الاهتمام.
- إعادة الاعتبار للسياق بوصفه عنصرًا أساسيًا في إنتاج الدلالة.
- الربط بين الأصوات والصيغ والتراكيب والدلالة في إطار نظام لغوي واحد.
- الجمع بين أصالة التراث العربي ومنجزات اللسانيات الحديثة دون قطيعة مع أي منهما.
- تقديم نظرية عربية أصيلة هي «تضافر القرائن»، بدلاً من الاقتصار على استيراد النظريات الغربية.
- إثبات صلاحية مشروعه النظري من خلال تطبيقه على النحو، ثم على النص القرآني، ثم الإفادة من علم النص في تطوير رؤيته.
ولهذا لم يكن تجديده شكليًا أو جزئيًا، بل كان تجديدًا في طريقة التفكير ذاتها، وفي منهج النظر إلى اللغة ووظيفتها.
كتاب «اللغة العربية معناها ومبناها»... الإطار النظري للمشروع
ويُعد كتاب «اللغة العربية معناها ومبناها» أشهر مؤلفات الدكتور تمام حسان، وأهمها أثرًا في الدراسات اللغوية العربية الحديثة، حتى غدا مرجعًا رئيسًا في كليات اللغة العربية، ومنطلقًا لكثير من الدراسات والبحوث.
وقد صدر هذا الكتاب في سبعينيات القرن العشرين، فمثّل منعطفًا بارزًا في تاريخ البحث اللغوي العربي؛ إذ أعاد فيه المؤلف النظر في عدد كبير من المفاهيم النحوية والدلالية، وربط بين المبنى والمعنى، وبين الوظيفة اللغوية والسياق، وأسس لرؤية جديدة في فهم العلاقات النحوية.
ولم يكن الكتاب مجرد عرض لنظرية جديدة، بل كان مشروعًا متكاملًا لإعادة بناء الفكر اللغوي العربي، ولذلك احتل مفهوم «تضافر القرائن» موقع القلب منه، وأصبح الأساس الذي قامت عليه بقية آرائه.
وقد دعا المؤلف في هذا الكتاب إلى تجاوز النظرة التي تجعل الإعراب وحده أساس فهم اللغة، مؤكدًا أن المعنى نتاج منظومة كاملة من العلاقات والقرائن، وأن العلامة الإعرابية ليست إلا عنصرًا واحدًا داخل هذه المنظومة.
ولذلك أثار الكتاب منذ صدوره نقاشًا واسعًا بين اللغويين، فرحب به كثير من الباحثين وعدوه فتحًا جديدًا في الدراسات اللغوية، بينما وجه إليه آخرون عددًا من الملاحظات، ولا سيما فيما يتعلق ببعض المصطلحات، ومدى إمكان تطبيق بعض جوانب نظريته على جميع أبواب النحو.
غير أن هذا الجدل لم ينتقص من قيمة الكتاب، بل أكد حضوره العلمي؛ إذ إن المشروعات الفكرية الكبرى هي التي تثير الحوار، وتدفع الباحثين إلى إعادة النظر في المسلمات، وهو ما تحقق بالفعل مع هذا الكتاب.
وقد أدرك الدكتور تمام حسان أن نجاح النظرية لا يكتمل إلا بالتطبيق، ولذلك لم يتوقف عند هذا المؤلف، بل شرع في نقل أفكاره إلى ميدان التطبيق العملي، فكان كتاب «الخلاصة النحوية» أول خطوة في هذا الاتجاه، ثم بلغ مشروعه قمته التطبيقية في كتاب «البيان في روائع القرآن»، حيث وجد في القرآن الكريم النموذج الأكمل لاختبار نظريته والكشف عن قدرتها على تفسير النص العربي في أعلى درجات بيانه وإعجازه.
..
وقد بلغ المشروع العلمي للدكتور تمام حسان ذروته؛ إذ انتقل من التنظير اللغوي إلى التطبيق على أشرف نص في العربية، وهو القرآن الكريم، فقدم قراءة جديدة للبيان القرآني، جعلت اللغة والسياق والنص مفاتيح الفهم، وجسدت نظريته في «تضافر القرائن» في أوسع تطبيقاتها.
من اللغة إلى القرآن... حين بلغ المشروع قمته
لم يكن انتقال الدكتور تمام حسان إلى الدراسات القرآنية انتقالًا من حقل معرفي إلى آخر، وإنما كان تطورًا طبيعيًا لمشروعه اللغوي. فمنذ بداياته كان القرآن الكريم حاضرًا في وجدانه العلمي؛ فقد حفظه في طفولته، وتربى في بيئة أزهرية جعلت منه المرجع الأعلى للفصاحة العربية، ثم ظل طوال رحلته العلمية يرى أن النص القرآني هو النموذج الأكمل لدراسة العربية، وأن كل نظرية لغوية لا بد أن تثبت قدرتها على تفسير هذا النص وتحليل بنائه.
ومن هنا لم يكن كتاب «البيان في روائع القرآن» مؤلفًا منفصلًا عن بقية أعماله، بل كان الحلقة الأخيرة في مشروع بدأ بكتاب «اللغة العربية معناها ومبناها»، ثم انتقل إلى «الخلاصة النحوية»، حتى انتهى إلى التطبيق الكامل على القرآن الكريم.
وقد كان الدكتور تمام حسان يؤمن بأن النظريات لا تُقاس بسلامة بنائها الذهني وحدها، وإنما بقدرتها على تفسير النصوص، ولذلك وجد في القرآن الكريم الميدان الأرحب لاختبار مشروعه، لأنه النص الذي بلغت فيه العربية ذروة بيانها، وتجلت فيه جميع مستوياتها الصوتية والصرفية والنحوية والدلالية والأسلوبية في أكمل صورها.
كتاب «البيان في روائع القرآن»... التطبيق الأكبر للمشروع اللغوي
صدر كتاب «البيان في روائع القرآن: دراسة لغوية وأسلوبية للنص القرآني» لأول مرة سنة 1993م، ثم أعاد المؤلف النظر فيه، فوسعه وأضاف إليه، حتى صدر في طبعة لاحقة في جزأين كبيرين، تجاوزا تسعمائة صفحة، ليصبح أضخم كتبه وأكثرها نضجًا.
ولا يقدم الكتاب تفسيرًا للقرآن الكريم بالمعنى المألوف، كما لا يقتصر على دراسة البلاغة التقليدية، وإنما ينطلق من رؤية لسانية شاملة، ترى أن القرآن الكريم نص لغوي متكامل، تتساند فيه الأصوات، والصيغ، والتراكيب، والدلالات، والسياقات، حتى يتولد المعنى في صورته النهائية.
ولهذا يختلف منهج تمام حسان عن كثير من الدراسات السابقة؛ فهو لا يبحث عن الإعجاز في استعارة بليغة، أو تشبيه فريد، أو قاعدة نحوية منفردة، بل يرى أن سر الإعجاز يكمن في تكامل النظام اللغوي كله، حيث تتضافر جميع عناصر التعبير القرآني في بناء واحد بالغ الدقة والإحكام.
ظروف تأليف الكتاب
جاء هذا الكتاب بعد رحلة علمية طويلة امتدت عقودًا من البحث في قضايا اللغة والنحو والدلالة، وبعد أن استقرت معالم مشروعه الفكري في كتاب «اللغة العربية معناها ومبناها»، ثم خضعت للتطبيق الأول في «الخلاصة النحوية».
وقد أشار الدكتور تمام حسان في أكثر من موضع إلى أن بعض الباحثين رأوا أن النظريات لا تثبت قيمتها إلا بالتطبيق، فكان ذلك حافزًا إضافيًا لأن ينتقل من التنظير إلى التطبيق، حتى جاء «البيان في روائع القرآن» ليجسد مشروعه اللغوي في أعلى مستوياته.
ثم جاءت ترجمته لكتاب «النص والخطاب والإجراء» للعالم اللساني روبرت دي بوجراند لتكشف عن اتساع أفقه نحو علم النص، وهو ما انعكس بوضوح في الطبعة الثانية من «البيان»، التي بدت أكثر اقترابًا من الدراسات النصية، وأكثر عناية بالبنية الكلية للسور والآيات.
منهج الكتاب**
يقوم منهج الدكتور تمام حسان في هذا الكتاب على عدد من المبادئ الأساسية، من أهمها:
النظر إلى القرآن الكريم بوصفه نصًا واحدًا متكامل البنية.
اعتبار اللغة المدخل الأول لفهم القرآن الكريم.
تحليل جميع مستويات اللغة، وعدم الاكتفاء بمستوى واحد.
اعتماد السياق أساسًا في توجيه الدلالة.
الإفادة من التراث البلاغي والنحوي العربي.
الاستفادة من اللسانيات الحديثة دون إخضاع النص القرآني لها.
تفسير الظواهر اللغوية في ضوء العلاقات التي تربط بين عناصر النص.
تطبيق نظرية «تضافر القرائن» في جميع مستويات التحليل.
ومن خلال هذه المبادئ استطاع أن يقدم نموذجًا جديدًا في دراسة القرآن الكريم، يجمع بين الأصالة والمعاصرة، ويعيد الاعتبار إلى اللغة بوصفها الطريق الطبيعي لفهم البيان القرآني.
محتوى الكتاب**
ينقسم الكتاب إلى قسمين كبيرين يمثلان مرحلتين متكاملتين من التحليل.
أما الجزء الأول، فقد خصصه لدراسة التراكيب القرآنية، وتناول فيه موضوعات الإعراب، والبنية، والرتبة، والتضام، والربط، والسياق، والقيم الصوتية، والرخصة، ودلالات المشتقات، وفروق الألفاظ، والأنماط التركيبية، والعلاقات بين التراكيب، والصحة والجمال، وصفات البيان القرآني.
وأما الجزء الثاني، فانتقل فيه إلى الدراسة الأسلوبية، فبحث دلالة الكنائيات، ومفهوم المسافة، والعدول، والمؤشرات الأسلوبية، وأساليب التوجيه، والجانب الخلقي في القرآن، وأسلوب الدعوة، وقصة يوسف عليه السلام، وقصة بني إسرائيل، ثم ختم الكتاب بدراسة الهيكل البنيوي لعدد من السور، مؤكدًا وحدة السورة وتماسك بنائها.
ومن خلال عشرات التطبيقات العملية يبرهن المؤلف على أن البيان القرآني ليس مجموعة من المحسنات البلاغية، وإنما نظام لغوي بالغ الدقة، تتكامل فيه جميع مستويات اللغة.
علاقته بكتاب «اللغة العربية معناها ومبناها»
إذا كان كتاب «اللغة العربية معناها ومبناها» يمثل الإطار النظري للمشروع اللغوي للدكتور تمام حسان، فإن «البيان في روائع القرآن» يمثل قمته التطبيقية.
ففي الكتاب الأول وضع المؤلف المبادئ العامة، وصاغ نظريته في «تضافر القرائن»، وأعاد بناء العلاقات بين المبنى والمعنى.
أما في الكتاب الثاني فقد نقل هذه المبادئ إلى التطبيق المباشر على النص القرآني، فكأن القارئ يرى النظرية وهي تعمل داخل القرآن الكريم، وتكشف عن أسرار بيانه ونظمه.
ولهذا لا يمكن فهم «البيان» فهمًا كاملًا بمعزل عن «اللغة العربية معناها ومبناها»، كما لا تكتمل قيمة الكتاب الأول إلا بما يقدمه الثاني من تطبيق عملي.
موقفه من الإعجاز البياني**
يتسم موقف الدكتور تمام حسان من قضية الإعجاز بالعمق والاتزان.
فهو يؤمن إيمانًا راسخًا بأن القرآن الكريم معجز، غير أنه يجعل الإعجاز البياني محور دراسته الأساس، ويرى أن سر هذا الإعجاز لا يكمن في ظاهرة لغوية جزئية، وإنما في النظام اللغوي الكلي الذي تنتظم فيه جميع عناصر التعبير.
ولذلك لا يقف طويلًا عند استعارة بعينها، أو تشبيه منفرد، أو قاعدة نحوية خاصة، وإنما يتجه إلى العلاقات التي تربط بين الكلمات، وترتيب الجمل، ووظائف الحذف والذكر، والتقديم والتأخير، والتعريف والتنكير، ودلالات الصيغ، والسياقات المختلفة، لأن هذه العناصر مجتمعة هي التي تصنع البيان القرآني المعجز.
موقفه من الإعجاز العلمي **
أما موقفه من الإعجاز العلمي فقد اتسم بالحذر العلمي والاتزان.
فهو لا ينكر أن القرآن الكريم يشتمل على آيات كونية تثير التفكير، ولا ينفي إمكان توافق بعض دلالاتها مع حقائق العلم، لكنه يرفض أن يكون ذلك هو الأساس الذي تُبنى عليه قضية الإعجاز.
وكان يحذر من إخضاع النص القرآني للنظريات العلمية المتغيرة، أو تحميل الآيات ما لا تحتمله لغتها وسياقها، لأن العلم يتطور، بينما يظل النص القرآني ثابتًا في بيانه، واسعًا في دلالاته.
ولهذا ظل يؤكد أن اللغة هي المدخل الأول لفهم القرآن، وأن أي قراءة علمية لا بد أن تنطلق من الدلالة اللغوية الصحيحة، لا أن تُفرض على النص من خارجه.
قيمة الكتاب في الدراسات القرآنية **
يمثل كتاب «البيان في روائع القرآن» علامة بارزة في الدراسات القرآنية المعاصرة؛ لأنه من أوائل الكتب التي استطاعت أن تصل بين علوم العربية القديمة واللسانيات الحديثة دون أن تفقد خصوصية النص القرآني.
كما أنه أعاد توجيه أنظار الباحثين إلى أهمية دراسة القرآن بوصفه نصًا متكاملًا، لا مجموعة من الظواهر البلاغية أو النحوية المنفصلة، وأسهم في ترسيخ منهج لغوي جديد في تحليل الخطاب القرآني.
ولهذا أصبح الكتاب مرجعًا مهمًا في الدراسات اللغوية والبلاغية والقرآنية، وموضوعًا لعشرات الرسائل الجامعية والبحوث المحكمة، وبقي شاهدًا على أن مشروع الدكتور تمام حسان لم يكن مجرد تجديد في النحو أو الدلالة، وإنما كان مشروعًا حضاريًا لإعادة قراءة العربية والقرآن في ضوء منهج لغوي متكامل، يجمع بين أصالة التراث ودقة البحث اللساني الحديث.
..
أبرز مؤلفات الدكتور تمام حسان **
ترك الدكتور تمام حسان تراثًا علميًا واسعًا، يُعد من أهم ما أُنجز في الدراسات اللغوية العربية الحديثة، وقد تنوعت مؤلفاته بين التأصيل النظري، والتطبيق اللغوي، والدراسات القرآنية، ومناهج البحث، وعلم الأصوات، وتعليم العربية، وتحقيق التراث، ومن أشهر هذه المؤلفات:
1- اللغة العربية معناها ومبناها
ويُعد أشهر كتبه وأعمقها أثرًا، وهو الإطار النظري لمشروعه اللغوي كله؛ أعاد فيه بناء كثير من المفاهيم النحوية والدلالية، وربط بين المبنى والمعنى، وأرسى نظرية «تضافر القرائن» التي أصبحت محور مشروعه العلمي.
2- البيان في روائع القرآن
وهو التطبيق الأكبر لمشروعه اللغوي على النص القرآني، وفيه قدم قراءة لغوية وأسلوبية متكاملة للقرآن الكريم، كاشفًا عن أسرار البيان القرآني من خلال تكامل المستويات اللغوية والسياقية والنصية.
3- الخلاصة النحوية
وهو التطبيق الأول لنظريته في تعليم النحو، أعاد فيه تنظيم أبواب النحو العربي وفق رؤيته الجديدة، مع الاستعانة بالأشكال التوضيحية والجداول لتيسير فهم العلاقات النحوية.
4- الأصول
من أهم كتبه الفكرية، وفيه يناقش الأصول التي يقوم عليها التفكير اللغوي، ويعيد النظر في كثير من المفاهيم التي تحكم دراسة العربية.
5- مناهج البحث في اللغة
يعرض فيه مناهج البحث اللغوي القديمة والحديثة، ويبين كيفية الإفادة من المناهج اللسانية المعاصرة في دراسة العربية.
6- اللغة بين المعيارية والوصفية
يناقش فيه العلاقة بين وصف اللغة كما يستعملها أهلها، وبين الأحكام المعيارية التي يضعها النحاة، مقدمًا رؤية متوازنة بين الاتجاهين.
كما ترك عشرات الدراسات والبحوث في النحو، والصرف، والدلالة، والأصوات، واللهجات العربية، وتحليل النص، وتعليم العربية، إلى جانب ترجمته المهمة لكتاب «النص والخطاب والإجراء» لروبرت دي بوجراند، التي أسهمت في التعريف بعلم النص في الدراسات العربية.
الصفات العلمية والفكرية والشخصية **
تميز الدكتور تمام حسان بشخصية علمية نادرة، جمعت بين عمق الباحث، ودقة العالم، وأفق المفكر، فكان نموذجًا للعالم الذي لا يكتفي بجمع المعرفة، وإنما يسعى إلى إعادة بنائها.
ومن أبرز صفاته:
- موسوعي الثقافة، واسع الاطلاع على التراث العربي واللسانيات الحديثة.
- صاحب مشروع علمي متكامل، يقوم على رؤية واضحة ومتسقة.
- مجدد أصيل، يجمع بين احترام التراث والانفتاح الواعي على المناهج الحديثة.
- شديد الدقة في التحليل، قائم على الاستقراء والتوثيق.
- مستقل الفكر، لا يتردد في مراجعة الآراء الموروثة متى اقتضى الدليل ذلك.
- مؤمن بتكامل علوم اللغة، ورافض لتجزئتها.
- واسع الأفق، يجمع بين النظرية والتطبيق.
- غزير الإنتاج، ترك مؤلفات أصبحت مراجع أساسية في الجامعات العربية.
- معلم ومربٍ للأجيال، أشرف على عشرات الرسائل العلمية وأسهم في تكوين مدرسة لغوية امتد أثرها داخل مصر وخارجها.
- رحب بالنقد الموضوعي، وعدَّه سبيلًا إلى تطوير المعرفة، ولم يتعامل مع مشروعه بوصفه حقيقة نهائية، بل مشروعًا مفتوحًا للحوار العلمي.
- شديد العناية بالنص القرآني، وعدَّه النموذج الأعلى لدراسة العربية، وأرقى ميدان لاختبار النظريات اللغوية.
أثره في الجامعات والباحثين **
لم يتوقف أثر الدكتور تمام حسان عند حدود مؤلفاته، بل امتد إلى الحياة الجامعية العربية بأسرها.
فقد أصبحت كتبه مقررات ومراجع رئيسة في أقسام اللغة العربية، واعتمدت أفكاره في تدريس النحو والدلالة وتحليل النص، كما تناولت عشرات رسائل الماجستير والدكتوراه مشروعه بالدراسة، ولا سيما نظرية «تضافر القرائن»، ومنهجه في الدلالة، ورؤيته للنحو، وتطبيقاته في «البيان في روائع القرآن».
كما أسهم إشرافه العلمي ومناقشاته للرسائل الجامعية في تكوين جيل من الباحثين الذين واصلوا تطوير أفكاره، أو مناقشتها، أو الإفادة منها في مجالات الدراسات اللغوية والقرآنية والنصية.
ولهذا لم يعد تمام حسان مجرد صاحب مؤلفات، بل أصبح صاحب مدرسة علمية قائمة بذاتها، ما تزال حاضرة في الجامعات العربية حتى اليوم.
لقد كان هذا العالم الجليل الدكتور صاحب مشروع كبير فتح آفاقًا جديدة للبحث، ولذلك ظل الحوار حول أفكاره مستمرًا، وهو ما يدل على حضورها العلمي وتأثيرها المتواصل.
وموضوعيًا يمكن القول إنه من أكثر المشروعات اللغوية العربية اكتمالًا في القرن العشرين.
فقد نجح في إعادة الاعتبار للمعنى بوصفه محور الدرس اللغوي، وربط بين مستويات اللغة المختلفة، وقدم نظرية عربية أصيلة في تفسير العلاقات اللغوية، وأثبت صلاحية هذه النظرية بالتطبيق على النحو، ثم على القرآن الكريم.
كما استطاع أن يحقق معادلة قلما تتحقق؛ إذ جمع بين الوفاء للتراث، والانفتاح على الفكر اللغوي الحديث، دون أن يذيب أحدهما في الآخر.
وقد أسهم مشروعه في نقل الدراسات اللغوية العربية من الاقتصار على نحو الجملة إلى الاهتمام بالنص والخطاب والسياق، وهي نقلة كان لها أثر بالغ في كثير من الدراسات اللاحقة.
ولهذا فإن مكانة تمام حسان لا ترجع إلى كثرة مؤلفاته فحسب، وإنما إلى أنه أسس رؤية جديدة في التفكير اللغوي العربي، ما تزال قادرة على الإلهام والإضافة.
المشروع في كلمة**
لو أردنا أن نلخص مشروع الدكتور تمام حسان في عبارة واحدة، لقلنا إنه نقل البحث اللغوي العربي من التركيز على إعراب الجملة إلى فهم النص، ومن الاقتصار على المبنى إلى الكشف عن المعنى، ومن دراسة العناصر منفصلة إلى النظر إليها بوصفها نظامًا متكاملًا تتضافر فيه الأصوات والصيغ والتراكيب والسياقات لإنتاج الدلالة. ومن هنا جاءت نظريته في «تضافر القرائن»، ثم تطبيقها في «البيان في روائع القرآن»، لتجسد مشروعًا علميًا متصل الحلقات، جمع بين أصالة التراث العربي ومنهجية اللسانيات الحديثة.
---
(جدول زمني لحياته ومشروعه العلمي**)
1918م: مولده بمدينة الكرنك بمحافظة قنا.
طفولته: حفظ القرآن الكريم، وتلقى تعليمه الأول في الأزهر الشريف.
مرحلة الشباب: الدراسة بكلية دار العلوم بجامعة القاهرة.
الدراسات العليا: الحصول على الماجستير والدكتوراه في علم اللغة من جامعة لندن.
العودة إلى مصر: التدريس بكلية دار العلوم، ثم رئاسة قسم النحو والصرف والعروض، ثم وكالة الكلية.
سبعينيات القرن العشرين: صدور كتاب «اللغة العربية معناها ومبناها»، الذي وضع الأساس النظري لمشروعه اللغوي.
لاحقًا: صدور «الخلاصة النحوية»، بوصفها التطبيق الأول لنظريته في النحو.
1993م: صدور الطبعة الأولى من «البيان في روائع القرآن».
أواخر التسعينيات: ترجمة كتاب «النص والخطاب والإجراء»، وتقديمه بمقدمة علمية أسهمت في التعريف بعلم النص.
2000م: صدور الطبعة الموسعة من «البيان في روائع القرآن» في جزأين.
خلال مسيرته العلمية: اختياره عضوًا بمجمع اللغة العربية بالقاهرة، ونيله جائزة الملك فيصل العالمية في اللغة العربية وآدابها.
2011م: وفاته بعد أن ترك واحدًا من أهم المشروعات اللغوية العربية في العصر الحديث.
--
اخيرا يصعب الحديث عن تاريخ الدراسات اللغوية العربية في القرن العشرين دون أن يحتل الدكتور تمام حسان موقعًا بارزًا بين روادها. فقد كان أكثر من نحوي، وأكثر من لغوي، بل كان صاحب مشروع حضاري لإعادة بناء التفكير اللغوي العربي، انطلاقًا من مركزية المعنى، وتكامل مستويات اللغة، ووحدة النص.
ولم يكن مشروعه دعوة إلى القطيعة مع التراث، ولا استسلامًا للمناهج الغربية، وإنما كان محاولة واعية للجمع بين أصالة العربية وروح البحث العلمي الحديث، وهي المحاولة التي تجلت أوضح ما تكون في كتابيه «اللغة العربية معناها ومبناها» و«البيان في روائع القرآن»، اللذين يمثل أولهما الأساس النظري للمشروع، بينما يجسد ثانيهما قمته التطبيقية.
ولهذا يبقي العالم الدكتور تمام حسان أحد أعلام العربية في العصر الحديث، وأحد أكثر علمائها تأثيرًا في الدراسات اللغوية والقرآنية، ولا تزال أفكاره ومؤلفاته حاضرة في الجامعات والبحوث، تستلهمها الأجيال الجديدة، وتناقشها، وتبني عليها، في دليل واضح على أن المشروعات العلمية الكبرى لا تنتهي برحيل أصحابها، وإنما تبدأ حياتها الحقيقية حين تتحول إلى مناهج للبحث وآفاق للتجديد.
ولعل أعظم ما تركه الدكتور تمام حسان ليس كتبه وحدها، بل منهجًا في التفكير، علّم الباحثين أن العربية نظام حي، وأن فهمها يبدأ من المعنى، ويكتمل بالسياق، ويبلغ ذروته حين يُقرأ القرآن الكريم بوصفه النص الأكمل في البيان العربي.

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة