رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

نظرة

لم تعد الحروب في عالم اليوم مجرد صراع على الأرض أو النفوذ أو المصالح السياسية، بل أصبحت أيضًا جزءًا من معادلة اقتصادية معقدة تتشابك فيها المصالح الدولية مع صناعة السلاح وأسواق المال. فبينما تتصدر مشاهد الدمار والضحايا عناوين الأخبار، يظل هناك جانب أقل ظهورًا، لكنه لا يقل تأثيرًا، يتمثل في المستفيدين من استمرار النزاعات، حيث تتحول ساحات القتال إلى أسواق مفتوحة، ويصبح السلاح سلعة لا يزدهر رواجها إلا كلما اتسعت رقعة الحرب. وبين الخسائر الإنسانية الهائلة والأرباح الاقتصادية الضخمة، يبرز سؤال لا يفقد أهميته: من يربح حين تشتعل الحروب؟

في كل مرة تشتعل فيها حرب، تتجه أنظار العالم إلى ساحات القتال، وإلى خرائط النفوذ، وإلى حسابات السياسة. غير أن هناك ساحة أخرى أقل ظهورًا، لكنها لا تقل تأثيرًا، وهي سوق السلاح العالمية، حيث تتحول المآسي الإنسانية إلى أرقام في دفاتر الصفقات، ويتحول الدمار إلى أرباح، وتصبح الحروب مواسم رواج لصناعة لا تعرف الكساد.

وإذا كانت الشعوب هي التي تدفع الثمن من دماء أبنائها ومستقبل أجيالها، فإن هناك من يحصد الثمار بعيدًا عن أصوات المدافع. فكل رصاصة تُطلق تعني طلبًا جديدًا على الذخيرة، وكل دبابة تُدمَّر تفتح الباب أمام عقد تسليح جديد، وكل هدنة تنهار تعني استمرار دورة الإنفاق العسكري بمليارات الدولارات.

الحرب الدائرة في منطقتنا، وما يحيط بها من أزمات وصراعات، أثبتت أن ألسنة النار لا تقف عند حدود دولة بعينها، فشظاياها تطال الجميع؛ سياسيًا واقتصاديًا وأمنيًا، بل ونفسيًا أيضًا. ولهذا يظل السؤال مشروعًا: إلى متى تستمر هذه الدائرة المغلقة؟

اللافت أن كثيرًا من أطراف الصراع أنفسهم باتوا يدركون أن استمرار الحرب لن يحقق حسمًا حقيقيًا، وأن النهاية، مهما تأخرت، ستكون على طاولة المفاوضات. لكن كل طرف يسعى إلى إخراج المشهد الأخير بما يخدم روايته السياسية، ليعلن أمام شعبه أنه خرج منتصرًا، حتى وإن كانت الأرض قد امتلأت بالخراب، والخزائن قد استنزفت، والضحايا بالآلاف.

ولعل أغرب ما في الحروب الحديثة أن الجميع يتحدث عن النصر، بينما لا يشعر أحد بطعمه. فالمدن المدمرة لا تعرف معنى الانتصار، والأسر التي فقدت أبناءها لا يواسيها خطاب سياسي، والاقتصادات المنهكة لا تعوضها بيانات النصر. وفي النهاية، قد يرفع الجميع شعارات الفوز، لكن الحقيقة أن الجميع خرج مثقلًا بالخسائر.

أما المنتصر الحقيقي، ففي أحيان كثيرة، لا يكون موجودًا على خطوط المواجهة، بل في مصانع السلاح، وقاعات التفاوض على صفقات التسلح، وأسواق المال التي ترتفع أسهمها كلما اتسعت رقعة الصراع. وهؤلاء لا يسألون عن هوية القتيل، ولا عن جنسية الضحية، لأن ما يعنيهم هو استمرار الطلب على السلاح.

ولا يمكن الجزم بأن كل الحروب تُصنع من أجل تجارة السلاح، فالصراعات لها أسبابها السياسية والتاريخية والأمنية المعقدة. لكن من الصعب أيضًا تجاهل أن هناك مصالح اقتصادية ضخمة تستفيد من استمرار النزاعات، وأن صناعة السلاح تُعد من أكثر الصناعات ارتباطًا بالتوترات الدولية، وأن إطالة أمد الصراعات تمنحها أسواقًا لا تنضب.

إن العالم الذي ينفق تريليونات الدولارات على أدوات القتل، يستطيع لو أراد أن يوجه جانبًا من هذه الموارد إلى التنمية والتعليم والصحة ومواجهة الفقر والتغير المناخي. لكن يبدو أن صوت البندقية ما زال أعلى من صوت العقل في كثير من مناطق العالم.

ويبقى السؤال الذي يستحق أن نتوقف أمامه: إذا كانت الحروب تنتهي في النهاية إلى مفاوضات، فلماذا لا تبدأ بالمفاوضات قبل أن تُراق كل هذه الدماء؟ ولماذا يظل الإنسان هو الخاسر الأكبر، بينما يواصل تاجر البندقية عدَّ أرباحه في هدوء؟

قد تتغير أسماء الحروب، وتتبدل خرائط الصراعات، لكن يبقى السلام هو الانتصار الحقيقي، وتظل أكبر هزيمة للبشرية أن يتحول الموت إلى تجارة، وأن يصبح استمرار الحرب مصلحةً للبعض، بينما يظل وقفها حلمًا للملايين.

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة