رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

قهوة الصباح


كنت أقرأ مذكرات الزعيم أحمد عرابى التى نشرتها دار الهلال، فتوقفت طويلًا أمام شخصية الشيخ حمزة فتح الله الإدكاوي، الذى أفرد له عرابى صفحات كاملة تحت عنوان «افتراء الشيخ حمزة فتح الله». لم يكن عرابى يهاجمه بوصفه خصمًا سياسيًا فحسب، بل باعتباره نموذجًا للمثقف الذى سخّر قلمه لمهاجمة الثورة، والدفاع عن الأمر الواقع، وتبرير الخضوع للقوة الغالبة.

وأنا أقلب تلك الصفحات، دارت بى عجلة الزمن أكثر من قرن، وسألت نفسي: كم حمزة فتح الله يعيش بيننا اليوم؟ وكم صحيفة، وكم موقعًا إلكترونيًا، وكم شاشة فضائية، ما زالت تؤدى الدور نفسه، وإن اختلفت الأسماء والوجوه؟

يصف عرابى الرجل بقسوة شديدة، ويتهمه بأنه ترك رسالة العلم إلى بلاط السلطة، وأنه استخدم قلمه لتضليل الناس. ثم ينقل نصوصًا من مقالاته التى نشرتها جريدتا البرهان والاعتدال عقب الاحتلال البريطاني، وفيها يخاطب المصريين قائلًا: «ربنا لا تهلكنا بما فعل السفهاء منا».

ثم يمضى محذرًا من مقاومة الاحتلال، معتبرًا أن الأجانب مستأمنون تجب مراعاة حقوقهم، وأن المشكلة ليست فى الإنجليز، وإنما فى الذين قادوا البلاد إلى المواجهة دون إعداد كافٍ، ويكتب: «لا سبيل لنجاح الأمة الإسلامية سوى إقامة الدين المبنى على مكارم الأخلاق.. ومن مقتضياته إعداد ما استطاع من القوة» ويعلق عرابى على تلك المقولة بقوله «غير أنه لسوء الحظ كأن تلك الآية الكريمة إنما نزلت على خصوص الأجانب».

ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل واصل الشيخ حمزة نشر المقالات التى حمَّل فيها الثورة العرابية مسئولية ما جري، وهو ما دفع عرابى إلى الرد عليه بعنف، واصفًا ما كتبه بأنه «أكاذيب وافتراءات يعجز عن الإتيان بمثلها مسيلمة الكذاب».

لا يهمنى اليوم أن أحاكم الشيخ حمزة، فقد ذهب إلى ربه، والتاريخ قال كلمته فيه وعليه. لكن ما يهمنى هو أن الظاهرة لم تمت. فما أكثر الذين يرفعون الشعارات البراقة، ثم ينتهون دائمًا إلى النتيجة نفسها: تبرير الخيانة من خلال تشويه الرموز الوطنية وضرب أعمدتها من خلال استخدام آيات وأحاديث فى غير موضعها وسياقها وتحميل الضحية مسئولية ما وقع عليها، والتكيف مع العدو باعتباره قدرًا لا يجوز الاعتراض عليه.

قد تتغير الأسماء، وتتبدل المنابر، لكن الفكرة واحدة. فلكل عصرٍ حمزة فتح الله، ولكل احتلال أو هيمنة أو ضغط خارجى من يبرر، ومن يهوِّن، ومن يطالب الناس بأن يرفعوا الراية البيضاء باسم الأمر الواقع.

ويبقى السؤال: هل انتهى ورثة الشيخ حمزة فتح الله؟ أم أنهم فقط غيّروا عناوين صحفهم، وأسماء برامجهم، ومنصاتهم على مواقع التواصل؟

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة