رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب


رؤية الرئيس التركي رجب طيب أردوغان التي عبّر عنها في خطابه الأخير أمام قمة رؤساء برلمانات دول حلف شمال الأطلسي في إسطنبول، لم تكن دعوة لتوسيع الناتو جغرافياً، بل تمثلت في المطالبة ببناء شبكة أمن ودفاع غير مشروطة ومترابطة تمتد من تكساس الأمريكية إلى العاصمة التركية أنقرة دون أي تحفظات أو قيود. وجاءت "تكساس" في الخطاب كرمز على تعزيز التماسك لمواجهة القوى الكبرى وروسيا والصين.
ترتكز هذه الرؤية على إعادة صياغة مفهوم الأمن المشترك، فهو يرى أن الأمن الأوروبي الأطلسي يمر بمنعطف تاريخي فرضته الأزمات، والحروب، والإرهاب، وموجات الهجرة غير النظامية على الحدود الشرقية والجنوبية الشرقية للحلف. هذا الواقع يتطلب تجاوز التعريفات التقليدية القديمة للسياسة الدولية وبناء مظلة أمنية شاملة لا تستثني أحداً من الحلفاء.
لكن هدف أنقرة الحقيقي، هو إنهاء القيود على الصناعات الدفاعية، حيث دعوة صريحة لرفع كافة القيود والعقوبات المفروضة من بعض الحلفاء على تجارة قطاع الدفاع مع تركيا، وتطبيق مبدأ تقاسم الأعباء بطريقة متوازنة وعادلة، خاصة أن تركيا تزيد من إنفاقها الدفاعي وتعد من بين أكبر خمسة مساهمين في مهام وعمليات الناتو.
تؤكد الرؤية التركية أن حماية أمن الحلفاء لا تنفصل عن معالجة الأزمات في الشرق الأوسط وأوكرانيا والخليج العربي، وأنه لا يمكن تحقيق سلام دائم في المنطقة دون وقف التمدد الإسرائيلي في فلسطين ولبنان وسوريا، وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة.
هذا الطرح جاء كمقدمة لرسم أولويات تركيا وضمان حماية حساسيات أمنها القومي قبل قمة قادة الحلف المقررة في أنقرة بعد أيام. إلا أن قبول حلفاء الناتو وتحديداً فرنسا لهذه الرؤية يواجه عقبات استراتيجية وسياسية عميقة، نظراً لاختلاف الرؤى والمصالح بين باريس وأنقرة حول مفهوم الأمن الدفاعي ودور الحلف.
تتبنى فرنسا، خاصة في ظل إدارة الرئيس إيمانويل ماكرون، رؤية قائمة على الاستقلال الاستراتيجي الأوروبي والدفاع الأوروبي المشترك ككيان مستقل أو مكمل قوي للناتو، دون الاعتماد الكامل على المظلة الأمريكية. بالمقابل، فإن مطالب أردوغان بدمج تركيا في هذه المبادرات الأوروبية، تراه باريس محاولة من أنقرة للحصول على مكاسب أمنية وتقنية ودفاعية داخل الاتحاد الأوروبي دون الالتزام بمعاييره السياسية.
هناك تاريخ من التوتر الجيوسياسي بين فرنسا وتركيا في مناطق حيوية مثل شرق البحر الأبيض المتوسط، وليبيا، وجنوب القوقاز. فرنسا تقف تقليدياً إلى جانب اليونان وقبرص في الخلافات البحرية مع تركيا، وتعتبر التحركات التركية في تلك المناطق أحياناً خارجة عن التنسيق الجماعي للناتو، مما يجعل باريس حذرة جداً من إعطاء أنقرة شيكاً على بياض في صياغة شبكة دفاعية غير مشروطة.
فرنسا ودول أوروبية أخرى فرضت في فترات سابقة قيوداً على تصدير بعض التقنيات العسكرية لتركيا بسبب عملياتها العسكرية في شمال سوريا أو لشرائها منظومة إس-400 الروسية. رفع هذه القيود بالكامل وبشكل غير مشروط لا يحظى بقبول سهل في باريس التي ترغب في استخدام ملف التسليح كأداة ضغط سياسي.
بالتأكيد، باريس ترحب بزيادة الإنفاق الدفاعي التركي ومساهمتها العسكرية، لكنها تشترط دائماً التوافق السياسي الكامل والتخلي عن الصفقات العسكرية مع الخصوم. كما أن بناء شبكة ممتدة من تكساس إلى أنقرة يتطلب ثقة مطلقة ومتبادلة، وهي لا تزال شبه مفقودة بسبب التباين في ملفات مثل الأزمة السورية، والعلاقات مع روسيا، والوضع في غزة.
والمطلب التركي برفع القيود تماماً ودمجها في منظومة الدفاع الأوروبية سيصطدم دون أدنى شك برفض فرنسي وتحفظ من بعض الحلفاء ما لم يحدث توافق سياسي شامل يحل الخلافات الإقليمية العالقة هذا على الأقل ظاهريا. لكن في الخفاء فإن أنقرة وباريس يمثلان أهم جبهات التنافس المكتوم داخل حلف الناتو، حيث يتحول التنافس التجاري التسليحي إلى صراع نفوذ جيوسياسي مباشر في منطقة الشرق الأوسط.
تسعى تركيا بكل ثقلها لتسويق مشروع طائرتها الوطنية "قاآن" وتصنيفها كطائرة من الجيل الخامس (مع تطلع لتطوير قدراتها مستقبلاً)، وهي تدرك أن استكمال هذا المشروع الضخم وتأمين خطوط إنتاجه يحتاج إلى تدفقات مالية ضخمة واستثمارات خارجية، لذا تراهن على التمويل والشراكة الخليجية لنقل الطائرة من مرحلة الاختبارات إلى الإنتاج التجاري.
بالمقابل، تركز فرنسا على تعزيز مكانة "رافال" بنسخها المحدثة ( F4 F5-)، مستفيدة من كونها طائرة مجربة ومثبتة الكفاءة في العمليات وتتسلح بمنظومة صواريخ متكاملة وفتاكة (مثل صواريخ ميتيور وكروز سكالب)، مما يجعلها الخيار الجاهز والأكثر إغراءً للدول التي لا تريد الانتظار لسنوات طويلة.
وتعد منطقة الخليج العربي ساحة التنافس الرئيسية. فرنسا نجحت تاريخياً، ومؤخراً عبر صفقات ضخمة، في تثبيت الرافال كعمود فقري لسلاح الجو في دول عربية محورية. هذا النجاح الفرنسي تعتبره باريس خطاً أحمر للدفاع عن عوائد صناعتها العسكرية واستقلالها الاستراتيجي. في المقابل، تحاول تركيا اختراق هذا السوق مستغلة التقارب السياسي الأخير، حيث لم يعد الأمر مقتصراً على الطائرات المسيرة (بيرقدار وأكينجي) التي حققت مبيعات قياسية، بل تعداه إلى محاولة إقناع العواصم الخليجية بالدخول كشركاء وممولين في مشروع "قاآن"، وهو ما تراه فرنسا تهديداً مباشراً لحصتها السوقية المستقبلية وطموحاتها في الهيمنة على عقود التسليح الكبرى.
فرنسا تستغل القيود المفروضة على أنقرة للترويج لمنظومتها "الرافال" باعتبارها منتجاً فرنسياً خالصاً ومتحرراً من قيود التصدير الأمريكية في كثير من أجزائه، مما يمنح المشترين مرونة سياسية لا توفرها الطائرة التركية التي ما زالت تحت رحمة التراخيص الغربية والموافقات السياسية للحلفاء.
كما تطمح فرنسا لقيادة مشروع الطائرة المقاتلة المستقبلية الأوروبية (FCAS) لضمان سيادة أوروبا الجوية في العقود القادمة. دخول تركيا على خط المنافسة بطائرة محلية الصنع ومطالبتها بدمج قدراتها العسكرية في المظلة الأوروبية يمثل تحدياً للمشروع الفرنسي، حيث تخشى باريس أن يؤدي نجاح تركيا مدعومة بأموال خليجية إلى إضعاف الاعتماد الأوروبي والإقليمي على الصناعات الدفاعية الفرنسية.
هذا التنافس على السيادة الجوية والتسويق في الشرق الأوسط يفسر بوضوح لماذا تقف فرنسا في طليعة الدول المتحفظة على رؤية أردوغان؛ فالمسألة تتجاوز التنسيق الأمني داخل الناتو إلى صراع نفوذ اقتصادي وتكنولوجي مباشر يمس مكانة الصناعة العسكرية الفرنسية وعوائدها الاستراتيجية.

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة