رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

لا تفهمونا غلط

تعد الخطوة الجادة التي اتخذها المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام بمراجعة عقود الإنتاج المشترك وإيقاف البرامج المخالفة للضوابط المنظمة نقطة تحول مفصلية طال انتظارها في المشهد الإعلامي المصري، حيث تعيد الأمل لكل حريص على شرف المهنة ورسالتها السامية، وتضع حدًا حاسمًا لظاهرة طالما بحت أصواتنا بالتحذير من خطورتها والمطالبة باستئصالها من جسد الشاشات. لقد كتبتُ مرارًا وتكرارًا مطالبًا بهذا التدخل الحاسم لإنقاذ الإعلام من مافيا بيع الهواء، تلك الممارسة التجارية الفاسدة التي حولت المنبر التنويري والتثقيفي إلى مجرد مساحات إعلانية لمن يدفع أكثر، دون أدنى مراعاة لمعايير الكفاءة أو التأهيل العلمي والمهني، ودون النظر إلى خطورة المحتوى المقدم على أفكار وسلوكيات الرأي العام.
إن الآثار السلبية لظاهرة بيع الهواء تجاوزت مجرد الرداءة البرامجية وسوء الإخراج والتنفيذ، لتصل إلى تدمير البنية المهنية الإعلامية وتجريف العقل الجمعي للمجتمع وتسطيح الفكر العام، حيث فتحت الأبواب على مصراعيها أمام طائفة كاملة اقتحمت العمل الإعلامي دون امتلاك أدواته أو دراسة أصوله وقواعده الأخلاقية. هذه الفئة أطلقت على نفسها لقب إعلاميين وزاحمت أصحاب الكفاءات الخريجين والمختصين، مما أدى إلى غياب الحرفية وتهميش الأمانة الإعلامية والضمير المهني لحساب السطحية والابتذال. ولم يتوقف الخطر عند حدود ضعيفي الموهبة والخبرة، بل امتد ليتيح لمنتحلي الصفات والنصابين والباحثين عن الوجاهة الاجتماعية شراء أوقات البث لتمرير مصالحهم وإضفاء المشروعية على ممارساتهم غير المشروعة، وخير دليل على ذلك ظهور النصاب الذي انتحل صفة قاضٍ بمجلس الدولة والمقبوض عليه حاليًا، فضلاً عن استضافة ضيوف غير مؤهلين لمجرد قدرتهم على دفع الأموال، مما أدى إلى تغييب الحقائق وتضليل الرأي العام وإضعاف ثقة الجمهور في الرسالة الإعلامية ككل.
مع صدور هذا القرار التنظيمي المهم، تبرز ضرورة يقظة المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام والوقوف بالمرصاد لكافة صور مافيا بيع الهواء، إذ إن المنفذين والمنتفعين من هذه الظاهرة، وكذلك أصحاب القنوات التي احترافت بيع الهواء، لن يستسلموا بسهولة ولن يتخلوا عن المكاسب المادية السريعة التي كانوا يحققونها، وسيلجؤون بلا شك إلى أساليب جديدة من التحايل والتلاعب والالتفاف على القرارات التنظيمية عبر صياغة عقود صورية، أو الاختباء تحت مسميات شراكات رعاية وهمية، واستخدام شهادات مزورة للعودة إلى مكاسبهم السابقة. ولضمان النجاح الكامل لهذه المبادرة الشجاعة وتحقيق العودة الحقيقية للانضباط والاتزان للشاشة المصرية، يجب أن تمتد الرقابة لتشمل كل جوانب المنظومة، بدءًا من التدقيق الشديد في مصادر تمويل البرامج وتتبع التعاقدات المالية بين شركات الإنتاج والقنوات، وصولاً إلى إلزام القنوات الخاصة بضوابط المحتوى والمعايير البرامجية الصارمة التي تعيد للاختيار القائم على الكفاءة والاستحقاق مكانته السابقة. وقبل كل هذا، التدقيق في مقدمي البرامج ومؤهلاتهم لهذه المهنة وتاريخهم العلمي والعملي ومؤهلاتهم الدراسية، وأن يخضعوا لاختبارات مهنية حقيقية قبل خروجهم على الشاشة.
في هذا السياق، تقع المسؤولية الكبرى والعبء الأكبر على عاتق نقابة الإعلاميين التي تمثل خط الدفاع الأول والركيزة الأساسية لتفعيل هذا القرار وإنجاحه على الأرض، حيث كانت النقابة في كثير من الأحيان هي الثغرة التي ينفذ منها هؤلاء الدخلاء عبر الحصول على تصاريح ممارسة المهنة دون استيفاء الشروط المهنية الصارمة. لذا فإنه يتوجب على النقابة مراجعة كشوفات الأعضاء والمصرح لهم بالظهور بشكل عاجل، وإغلاق كافة المنافذ التنظيمية ومنع منح التراخيص وتصاريح الظهور لمن يفتقدون للمؤهلات العلمية والخبرات الإعلامية، أو أولئك الذين يتخذون من شراء الهواء بوابة للدخول إلى هذا المجال الشريف وتحقيق مكاسب شخصية ومكانة لا يستحقونها لمنافسة أصحاب المهنة الأصليين.
إن حماية الإعلام من هذه التجاوزات ليست مجرد قرار إداري أو إجراء تنظيمي روتيني، بل هي قضية أمن فكري وواجب وطني يحمي عقول المواطنين ويدافع عن صورة الدولة ورسالتها الحضارية. إن تكاتف نقابة الإعلاميين مع المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام وتدقيق إجراءات القيد والتصريح والمتابعة الرقابية المستمرة كفيل بإعادة التوازن والاتزان للمنظومة الإعلامية، ويضمن أن يظل المنبر التلفزيوني مخصصًا للعلماء والمختصين والإعلاميين الحقيقيين الذين ينتمون إلى هذه المهنة العظيمة بعقولهم وضمائرهم وخبراتهم لا بأموالهم.
إن المعركة ضد مافيا بيع الهواء هي معركة استعادة الروح للإعلام المصري، وليست مجرد جولة عابرة، إذ لا يمكن لرسالة تنويرية أن تُبنى على أرضية تجارية فاسدة، ولا ينبغي للشاشة التي شكلت وجدان الأمة لعقود أن تظل ممرًا سهلاً لعديمي الموهبة والأمانة. تظل هذه الخطوة الجريئة للمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام نقطة تحول فارقة ننتظر جميعًا أن تكتمل بتطبيق صارم ومستمر لا يستثني أحداً ولا يتردد أمام أي تحايل، لتتطهر الشاشات نهائيًا من كل نموذج أساء للرسالة الإعلامية، وليستعيد الإعلام المصري ريادته التاريخية ومكانته المرموقة التي يستحقها، فيبقى كما كان دائمًا حصنًا متينًا للمجتمع، ومرآة صادقة لوعيه، وصوتًا حقيقيًا ينبض بالحق والمهنية والضمير.
مصطفى البلك
[email protected]

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة