رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب


ماذا لو أخبرتك أن واحدة من أغرب الخرافات الطبية في التاريخ لم يصدقها عامة الناس فقط، بل آمن بها الملوك والأطباء وأثرياء أوروبا لقرون طويلة؟

ربما تكون أول ردة فعل لديك هي الابتسام، ثم الحكم بأن الناس في ذلك الزمن كانوا أكثر سذاجة. لكن تمهل قليلًا، لأنك بعد دقائق قد تكتشف أن الفرق بيننا وبينهم ليس كبيرًا كما نحب أن نعتقد.

قبل نحو سبعة قرون، كان هناك دواء ذائع الصيت في أوروبا يُعرف باسم “موميا”. وكان الناس يعتقدون أنه يساعد في علاج أمراض مختلفة، من النزيف والكدمات إلى بعض القروح، وفقًا للمفاهيم الطبية السائدة في ذلك الوقت.

لكن ما يبدو اليوم قصة غريبة بدأ في الحقيقة بسوء فهم بسيط… سوء فهم لكلمة واحدة فقط.

فكلمة “موميا” لم تكن تشير في الأصل إلى المومياوات المصرية، بل إلى مادة طبيعية تشبه القار تُعرف بالبيتومين، وكان يُعتقد أنها تمتلك خصائص علاجية. ومع مرور الوقت اختلط معنى الكلمة، وتحول الاعتقاد من المادة إلى الجسد المحنط نفسه، حتى أصبح الناس يظنون أن المومياوات المصرية تحتفظ بالقوة العلاجية المنسوبة إلى تلك المادة.

وهنا وقعت القفزة الكبرى في سوء الفهم.

لم يعد الناس يبحثون عن المادة التي ظنوا أنها تمتلك خواصًا علاجية… بل أصبحوا يبحثون عن الجسد نفسه.

وهكذا، تحولت الجثث المحنطة إلى دواء.

نعم… كان البشر يطحنون بقايا بشر حقيقيين، ثم يخلطونها في مستحضرات طبية، معتقدين أنهم يتناولون علاجًا قادرًا على شفاء المرضى.

ولم يكن الناس يدركون أنهم لم يكونوا يبتلعون دواءً… بل كانوا يبتلعون خرافة.

وقد وثق المؤرخون انتشار هذه الممارسة في أوروبا منذ القرن الثاني عشر، واستمرت على نطاق واسع حتى القرن السابع عشر، قبل أن تتراجع تدريجيًا، مع بقاء بعض آثارها المحدودة حتى أواخر القرن الثامن عشر.

وإذا كنت تظن أن المصريين القدماء كانوا يحنطون موتاهم بالبيتومين، فأنت تكرر واحدًا من أشهر الأخطاء التاريخية. فالدراسات الحديثة تشير إلى أن المواد الأساسية في معظم عمليات التحنيط كانت راتنجات نباتية وزيوتًا ومواد عضوية أخرى، وليس البيتومين كما شاع الاعتقاد. صحيح أن المومياوات بعد آلاف السنين قد تبدو سوداء اللون، وهو ما جعلها تشبه القار، لكن هذا التشابه البصري كان أحد الأسباب التي غذّت الخرافة.

المثير أن القصة لم تتوقف عند هذا الحد. فمع ازدياد الطلب على المومياوات، حدث ما يحدث في كل عصر عندما يتحول الوهم إلى تجارة. ظهر الغش.
وعندما أصبحت المومياوات المصرية أقل توفرًا، لم يتوقف السوق… بل صنع بضاعته بنفسه.
لجأ بعض التجار إلى تجفيف جثث حديثة ومعالجتها بمواد مختلفة، ثم بيعها على أنها مومياوات مصرية أصلية. ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل جرى تصدير جثث مجففة من شمال أفريقيا، ومومياوات من جزر الكناري، لتلبية الطلب الأوروبي المتزايد.
حتى قبل خمسة قرون، كانت الأسواق تعرف المنتجات المقلدة، والإعلانات المضللة، والبضائع التي تُباع بأسماء أكبر من حقيقتها.
لكن السؤال الأهم ليس: كيف صدقوا كل ذلك؟
السؤال هو: هل توقفنا نحن عن الوقوع في الفخ نفسه؟
كم مرة رأيت إعلانًا يعدك بخسارة عشرة كيلوجرامات في أسبوع؟ أو مشروبًا يزعم أنه ينظف الجسم من السموم؟ أو كبسولة تحرق الدهون أثناء النوم؟ أو مكملًا غذائيًا يقول إنه يحسن المفاصل، والبشرة، والشعر، والطاقة، والمناعة، وكل شيء آخر في الوقت نفسه؟

في كل مرة يظهر فيها منتج يدّعي أنه الحل لكل المشكلات، ينبغي أن تضيء أمامك أول إشارة تحذير.

العلم لا يعمل بهذه الطريقة.

خل التفاح، على سبيل المثال، قد يكون جزءًا من نظام غذائي صحي، لكن لا توجد أدلة قوية على أنه وحده يؤدي إلى خسارة كبيرة في الوزن. والكولاجين قد تُظهر بعض الدراسات أنه يحسن ترطيب الجلد ومرونته لدى بعض الأشخاص، لكنه لا يعيد العمر عشرين عامًا إلى الوراء كما توحي الإعلانات. أما مشروبات “الديتوكس”، فلا توجد أدلة قوية على أنها تخلص الجسم من السموم لدى الأشخاص الأصحاء، لأن الكبد والكليتين يقومان بهذه المهمة بكفاءة كل يوم.

وهذا لا يعني أن كل المكملات الغذائية خدعة، أو أن جميع الفيتامينات بلا فائدة. على العكس، هناك مكملات لها استخدامات مثبتة علميًا، وهناك أشخاص يحتاجون إليها بالفعل، لكن بعد تشخيص صحيح، أو إثبات وجود نقص، أو بناءً على توصية طبية.

أما فكرة أن منتجًا واحدًا يعالج كل شيء، فهي فكرة لم يقل بها العلم يومًا.

وهناك خرافة أخرى لا تقل انتشارًا، وهي أن كل ما هو طبيعي آمن.

لكن الزرنيخ طبيعي.

والتبغ طبيعي.

وكثير من الفطريات القاتلة طبيعية أيضًا.

لذلك، فإن كلمة “طبيعي” ليست دليلًا على الفاعلية، ولا شهادة بالأمان. ما يحدد قيمة أي علاج هو الدليل العلمي، لا مصدره.

والأخطر من شراء منتج عديم الفائدة، أن يؤجل شخص زيارة الطبيب لأنه ينتظر وصفة سحرية، أو يوقف علاجًا أثبتت الدراسات فاعليته لأنه شاهد مقطعًا مؤثرًا على وسائل التواصل الاجتماعي، أو يشتري دواءً مجهول المصدر لأنه أرخص ثمنًا. هنا لا تصبح القضية مجرد خسارة أموال، بل قد تتحول إلى خسارة في الصحة نفسها.

لهذا، في كل مرة تسمع فيها شخصًا يقول: “صدقني… لقد جربته”، لا تجعل التجربة الشخصية هي الدليل الوحيد. اسأل ببساطة: أين الدراسات؟ هل أُجريت تجارب سريرية؟ هل تكررت النتائج؟ وهل دعمتها مراجعات علمية مستقلة؟ فالتجربة الفردية قد تكون صادقة، لكنها لا تكفي لبناء حقيقة علمية.

الناس الذين استخدموا مسحوق المومياء لم يكونوا يبحثون عن الخرافة، بل كانوا يحاولون العثور على علاج بأفضل معرفة كانت متاحة لهم في ذلك الزمن. أما نحن، فنعيش في عصر نستطيع فيه الوصول إلى الدراسات والأبحاث خلال ثوانٍ. وإذا كررنا الأخطاء نفسها، فلن يكون السبب نقص المعلومات، بل لأننا أحيانًا نفضل القصة الجميلة على الحقيقة.

التاريخ لا يعيد نفسه بالحرف، لكنه يعيد طريقة تفكير البشر.

قد يتغير اسم المنتج، وتتبدل العبوة، ويصبح الإعلان أكثر احترافية، لكن الفكرة تبقى كما هي. بالأمس كان اسمه “مسحوق المومياء”، واليوم قد يُسمى “ديتوكس”، أو “فات برنر”، أو أي اسم آخر يوحي بالحل السحري.

وفي النهاية، يبقى السؤال الذي لم يتغير منذ مئات السنين: هل أشتري علاجًا أثبت العلم فاعليته… أم أشتري أملًا مغلفًا بإعلان جميل؟

إذا خرجت من هذا المقال بعادة واحدة فقط، فلتكن أن تسأل قبل تصديق أي ادعاء صحي: أين الدليل؟ لأن هذا السؤال البسيط قد يكون هو الفارق بين قرار يحمي صحتك… وآخر يجعلك تكرر خطأً ظننت يومًا أنه لا يمكن أن يتكرر.

لأن التاريخ لا يعيد بيع مسحوق المومياء…

بل يعيد بيع الفكرة نفسها… في عبوة جديدة.

ولهذا، في كل مرة تسمع فيها عن علاج يدّعي أنه الحل لكل شيء، لا تسأل أولًا: كم ثمنه؟
بل اسأل: أين الدليل؟

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة