لا تفهمونا غلط
وصلتني دعوة من الصديق أحمد المسلماني، رئيس الهيئة الوطنية للإعلام، لحضور المؤتمر الصحفي الخاص برقمنة تراث ماسبيرو اليوم الثلاثاء، وتابعت أمس الاجتماع الهام الذي ترأسه السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي واستعرض الموقف التنفيذي لمشروع أرشفة ورقمنة تراث الإذاعة والتلفزيون المصري، كأحد المشروعات الاستراتيجية التي تستهدف حماية أهم الأصول الثقافية والإعلامية للدولة المصرية، وإعادة إتاحتها بصورة حديثة تواكب التطورات التكنولوجية وتخدم الأغراض الثقافية والتعليمية والإعلامية.
إن هذا التوجيه الرئاسي الحكيم يعكس إدراكا عميقا ووعيا استراتيجيا بقيمة مبنى ماسبيرو العريق، هذا الصرح العظيم الذي لم يكن مجرد شاشات وأثير إذاعي، بل قام عبر عقود طويلة بدور القلعة الحصينة للقوة الناعمة المصرية، وصاغ الوجدان العربي من الخليج إلى المحيط، وشكل الذائقة الفنية والوعي الفكري والسياسي لأجيال متعاقبة.
وتتجلى أهمية مشروع الحفظ الرقمي في كونه يمثل طوق نجاة لذاكرة الأمة الهائلة، خاصة وأن هناك أيادي حاولت العبث بهذا التراث وتردد أنه سُرق وتم تبديد جزء كبير منه؛ وهي أقاويل نأمل صادقين أن تكون مجرد شائعات مغرضة لا أساس لها، سيما وأن هذا الأرشيف المصري يقف كأهم وأضخم أرشيف إعلامي في المنطقة العربية بأسرها، بحجم محتوى يتجاوز ثمانيمئة ألف ساعة إذاعية وتلفزيونية موزعة على ما يقرب من مليون شريط صوتي ومرئي، تحمل بين أشرطتها وثائق تاريخية، وتسجيلات نادرة، وأعمالا درامية وفنية، وبرامج حوارية صاغت تاريخ مصر والمجتمع العربي على مدار القرن الماضي.
إن الانتقال بهذه الكنوز من الأشرطة التقليدية والمعرضة بالتلف الطبيعي بمرور الزمن، إلى أوعية رقمية عالية الجودة، ليس مجرد إجراء تقني بسيط، بل هو قرار تاريخي بحماية ذاكرة مصر الوطنية وإعادة إحيائها، فالرقمنة تضمن خلود هذه المواد ضد عوامل الزمن والمخاطر البيئية، وتتيح إمكانية الترميم الرقمي للصوت والصورة، مما يعيد الحياة لأعمال قديمة بذات الجودة التي خرجت بها وقت إنتاجها، بل وأفضل في كثير من الأحيان.
ولا تقتصر أهمية الرقمنة على حماية المواد من الاندثار فحسب، بل تمتد لتصنع نقلة نوعية في إمكانية الاستفادة الحقيقية من هذا الزخم التراثي، فبناء قواعد بيانات منظمة ومفهرسة بأحدث نظم الذكاء الاصطناعي يسمح بالوصول الفوري والسهل لأي تسجيل أو وثيقة في ثوان معدودة، وهو ما يفتح آفاقا غير محدودة أمام الباحثين والمؤرخين والإعلاميين وصناع السينما والدراما، لاستكشاف التاريخ وإعادة قراءته وتوظيفه في إنتاجات حديثة تستند إلى وثائق حقيقية.
كما أن استراتيجية الرقمنة تمنح الدولة المصرية قدرة هائلة على التسويق الاستثماري والثقافي لمحتواها، فالتراث المحفوظ رقميا يمكن ضخه عبر منصات المشاهدة الحديثة والتطبيقات الرقمية مثل منصة ماسبيرو، مما يعيد ربط الأجيال الجديدة والشباب المعاصر بتراثهم الوطني بلغة عصرية يفهمونها ويتفاعلون معها، بدلا من تركهم فريسة لمصادر معلومات غير موثوقة أو محتوى يفتقر إلى الأصالة والهوية.
وتتجلى القيمة الاستثنائية لهذا المشروع كذلك في حفظ التراث الديني والروحي للبلاد، وفي مقدمته التسجيلات النادرة لعمالقة القراء والمبتهلين الذين أثروْا الوجدان الإسلامي، إلى جانب الأرشيف الضخم لإذاعة القرآن الكريم منذ تأسيسها عام ألف وتسعمئة وأربعة وستين، وهو تراث فريد يمثل ركيزة من ركائز الفكر الوسطي والهوية المصرية الأصيلة التي تسعى الدولة لحمايتها ونشرها في مواجهة الأفكار المتطرفة.
إن الرؤية الرئاسية الشاملة التي تجلت في الاجتماع الأخير تتجاوز حفظ الماضي لتصنع المستقبل، إذ يربط التوجيه الرئاسي بين رقمنة التراث وبين تحديث البنية التحتية والاستديوهات وتطوير الكوادر البشرية في ماسبيرو، ليصبح الإعلام الوطني قادرا على المنافسة والسيادة في العصر الرقمي تحت شعار الرقمية أولا، معتمدا على أرشيفه الضخم كركيزة انطلاق لنتاج إعلامي وإبداعي حديث يحمل الجينات الفريدة للقوة الناعمة المصرية.
إن حماية تراث ماسبيرو وإتاحته للعالم بحليته الرقمية الجديدة هي رسالة تأكيد على أن مصر التي صنعت الريادة الإعلامية في الماضي، تتكئ اليوم على أرصودتها الحضارية لتصنع ريادة تكنولوجية وإعلامية جديدة، تضمن بها وصول صوتها ورسالتها الحضارية والإنسانية إلى كل بقعة في العالم، بدقة ومهنية وفعالية.
وفي الخاتمة، لا يسعنا إلا أن نثمن غاليا الفكر الثاقب والرؤية الاستشرافية للرئيس عبد الفتاح السيسي، الذي يثبت يوما بعد يوم أن بناء الجمهورية الجديدة لا يكتفي بإقامة المشروعات القومية والبنية التحتية العملاقة فحسب، بل يضع صون الهوية المصرية وحماية التراث الوطني في قلب أولويات الدولة، ليظل حرص سيادته على استرداد هذا الكنز ورقمنته شهادة تاريخية على قيادة تدرك أن صيانة عقل الأمة وذاكرتها هي جزء لا يتجزأ من صون أمنها القومي وسيادتها الثقافية.
مصطفى البلك
[email protected]