لا تفهمونا غلط
حينما تتطلع إلى خارطة المستقبل الصناعي لمصر، لا يمكنك أن تمنع ذاكرتك الوطنية من الاستدعاء العفوي لتجربة الراحل العظيم الدكتور عزيز صدقي، أبو الصناعة المصرية، واليوم ونحن نتابع الخطى والرؤية التي يتحرك بها المهندس خالد هاشم، وزير الصناعة، ندرك أننا لسنا أمام مجرد إدارة تنفيذية لحقيبة وزارية، بل أمام إحياء حقيقي لتلك المدرسة الوطنية الفريدة، إننا أمام مهندس حقيقي للاقتصاد، يدرك بعمق أن نهضة الأوطان لا تُقاس بمجرد أرقام صماء لعدد المصانع التي تُفتتح، بل بحجم القيمة المضافة التي تُحقن في شرايين الناتج المحلي، وبقدرة المنتج المصري على اقتحام الأسواق العالمية ليقف نداً لند، رافعاً شعار صنع في مصر بكل فخر وجدارة.
هذا الربط الوجداني والعملي بمدرسة عزيز صدقي ليس مجرد رفاهية فكرية، بل هو تشخيص دقيق للحل الوحيد المتاح أمامنا لمواجهة التحديات الراهنة، فمع بداية أزمة التعويم وتراجع الجنيه أمام الدولار، وما صاحب ذلك من ضغوط اقتصادية على كاهل المواطن والدولة على حد سواء، كتبت مراراً وتكراراً مؤكداً أن هذه الأزمة لم تكن يوماً مستعصية على الحل، بل يمكن تفكيكها جذرياً من خلال عنصرين أساسيين لا ثالث لهما وهما الصناعة والزراعة، فهما الملاذ الآمن والركيزتان اللتان سيمكن بهما ضبط سعر الصرف بصورة مستدامة، عبر تقليل المساحة والفجوة المزمنة بين معدلات التصدير وحجم الواردات، بحيث يتحول الهيكل الاقتصادي ليكون التصدير فيه أضعاف أضعاف الواردات.
ولم يكن هذا الطرح وليد تنظير مكتبى، بل هو نتاج قناعة راسخة تشكلت عبر المشاهدة والمعايشة، حيث رأيت خلال زياراتي المتعددة لعدد من الدول ذات الاقتصاد القوى أنها تقوم أساساً على التوسع الصناعي والزراعة اللتين تعتمد عليهما حركة التجارة والاستثمار في هذه الدول، فمثلاً دولة مثل الصين رأيت فيها رأي العين مدى الاهتمام الفائق والمقدس بالصناعة والزراعة، وكيف تحولا إلى أسلوب حياة وهدف قومي، ولهذا احتلت الصين مرتبة ومكانة عالمية كثاني أقوى اقتصاد عالمي، حيث لم يكن هذا الصعود وليد الصدفة بل جاء نتاج استراتيجية إنتاجية صارمة تعتمد على تحويل القوى البشرية إلى طاقات منتجة وتوطين التكنولوجيا، ولقد درست تلك التجربة الصينية الملهمة عن قرب وتعمقت في مفرداتها وتفاصيلها الفريدة، وتمنيت طويلاً أن أرى هذا النموذج الإعجازي يتحقق على أرض الكنانة، واليوم وبكل ثقة أرى أن هذا الحلم الإنتاجي بدأ يترجم بالفعل إلى واقع ملموس، وهي التجربة التي رسخت في قناعاتي أن الاعتماد على الاستهلاك والاستيراد هو رهان خاسر، وأن السيادة الحقيقية لأي دولة تبدأ من قدرتها على إنتاج غذائها وتصنيع احتياجاتها، وتصدير فائضها إلى الأسواق الدولية لحماية عملتها الوطنية وصون قرارها السياسي والاقتصادي.
ومن هنا تحديداً، ومن رحم هذه الحاجة الملحة والرؤية التصديرية الغائبة، جاء اختيار وزير الصناعة المصري الجديد في توقيت استثنائي ومثالي تماماً، فرغم صعوبة المشهد الاقتصادي إلا أن مجيئه يعكس إدراكاً عميقاً من القيادة السياسية بأن بناء مصر المستقبل، والعبور نحو الجمهورية الجديدة، لا يمكن أن يتحقق بالحلول التسكينية بل بالثورة الإنتاجية الشاملة، ومنذ فترة وأنا أتابع بدقة وشغف تصريحات ولقاءات وزيارات المهندس خالد هاشم، ولمست بوضوح المساحة الواسعة المتاحة له للتحرك الميداني الحُر، ودراسة أزمات الصناعة المصرية من منبعها دون تجميل أو مواربة، فالصلاحيات الواسعة التي منحتها الدولة لسيادته لدراسة الأزمة وتفكيك تشابكاتها تؤكد أن هناك إرادة سياسية حقيقية لتمكينه من وضع رؤية صناعية ممتدة وعميقة حتى عام ٢٠٣٠.
وقد تجلى هذا الفكر الاستراتيجي بوضوح شديد في كلمته الشاملة وطرحه الرصين خلال المؤتمر الصحفي لمجلس الوزراء، حيث عرض تفاصيل هذه الرؤية الممتدة أمام الرأي العام والمستثمرين، ويقيني كمتابع ومحلل أن ما طرحه في ذلك المؤتمر يعطي إشارة قوية وباعثة على التفاؤل بأننا سنشهد عملاً حقيقياً وملموساً على أرض الواقع، ولسنا أمام تصريحات جوفاء أو وعود بروتولولية اعتادها الشارع في عقود مضت، ولقد سعدت جداً وبشكل شخصي برؤيته الواضحة الحازمة الموجهة لدعم الصناعات الصغيرة والمتوسطة، وخطته الحقيقية لحل مشكلات المصانع المتعثرة وإعادتها لدورة الإنتاج، بجانب موقفه الصارم والضرب بيد من حديد على أصحاب المصالح الذين اشتروا الأراضي في المناطق الصناعية المختلفة بغرض تسقيعها وإعادة بيعها كسلعة تجارية دون إضافة أي قيمة حقيقية للاقتصاد الوطني، مما يثبت بالدليل القاطع أنه مسؤول يملك رؤية استراتيجية متكاملة ويعمل بكل عزم على تنفيذها فوق أرض الواقع.
إن هذا الاختيار جاء ليعبر عن معايير ومواصفات وزير صناعة ناجح يملك الرؤية والقدرة معاً على العمل الميداني الجاد، وينظر إلى حقيبته الوزارية كمنصب استراتيجي يقود قاطرة الاقتصاد الوطني ويصنع المستقبل التنموي الحقيقي للدولة، وفي عالم يتسم اليوم بالتحولات التكنولوجية المتسارعة والنزاعات الجيوسياسية الحادة التي تؤثر مباشرة على سلاسل الإمداد العالمية، تتضاعف قيمة هذا الوزير القائد والرائد الذي يمتلك مشروعاً وطنياً حقيقياً، لا يعمل بنظام إطفاء الحرائق اليومية أو حل المشكلات السطحية العابرة، بل يملك خطة واضحة المعالم، محددة المستهدفات، تمتد لعقود قادمة لترسم هوية مصر الصناعية الجديدة، مع قدرة فائقة على استشراف المستقبل واستيعاب اتجاهات الثورة الصناعية الرابعة من ذكاء اصطناعي وتكنولوجيا متقدمة واقتصاد أخضر مستدام، ودمج كل هذه المفاهيم الحديثة في صلب وجوهر الاستراتيجية الوطنية.
وأنا أرى أن هذه الرؤية بعيدة المدى تتكامل بالضرورة مع خلفيته المهنية وعقليته الاقتصادية الفريدة، التي تمزج بذكاء شديد بين الفهم العلمي للإدارة وبين الخبرة الميدانية الطويلة في قطاع الأعمال، مما يجعله قريباً للغاية من نبض الشارع الصناعي ومشاكل المصنعين الحقيقية على أرض الواقع، ومستنداً في الوقت نفسه إلى عقلية استثمارية تسويقية بارعة تتقن لغة الأرقام والمؤشرات الدقيقة، وتملك القدرة والجاذبية اللازمة لجلب وتوطين الاستثمارات الأجنبية المباشرة، ويواكب هذا الفكر عالي المستوى شجاعة تشريعية وإدارية نادرة تثور بقوة على البيروقراطية المقيتة لتفكيك القوانين واللوائح العقيمة، وتبسيط إجراءات منح التراخيص وتخصيص الأراضي الصناعية، جنباً إلى جنب مع مرونة فائقة وحسم لا يلين في اتخاذ القرارات المصيرية بأوقات الأزمات لحماية الصناعة الوطنية من مخاطر الإغراق والتعثر.
وينطلق الفكر القيادي للمهندس خالد هاشم من الإيمان المطلق بالتكامل وبناء الشراكات الاستراتيجية الواسعة، حيث يرى بوضوح في القطاع الخاص والمنظمات الاستثمارية ذراعاً أساسياً وشريكاً أصيلاً للدولة لا منافساً لها، ويعمل بدأب على ربط قطاع الصناعة بمراكز البحث العلمي لردم الفجوة التقليدية بين الجامعات والمصانع وتوليد تكنولوجيا محلية متطورة تلبي الاحتياجات الوطنية، فضلاً عن تفعيل التنسيق العابر للوزارات لإدراك سيادته التام أن الصناعة لا يمكن أن تعمل أو تنمو في جزيرة معزولة بل ترتبط نجاحها العضوي بقطاعات الطاقة والتجارة والمالية والنقل، وهو التناغم الذي يمهد الطريق للتركيز على العمق الاستراتيجي والأمن الصناعي القومي، من خلال توطين الصناعات الحيوية الكبرى وتقليل الفاتورة الاستيرادية المرهقة لميزانية الدولة، مع تقديم الدعم والمساندة المطلقة للمشروعات الصغيرة والمتوسطة باعتبارها النواة والمغذي الحقيقي لأي نهضة صناعية مستدامة.
إن الكاريزما الشخصية والمهارات القيادية المتميزة تظل هي المحرك والوقود الأساسي لكل هذا الجهد الميداني، من خلال التواصل الفعّال والدائم والنزول المباشر إلى عنابر الإنتاج والمصانع والاستماع الواعي لشكاوى العمال والمستثمرين، مع الحرص التام على بناء وصناعة كوادر واعدة من الصف الثاني تضمن استمرارية الفكر المؤسسي الرشيد، وخلاصة القول إن وزير الصناعة الذي يملك مثل هذه الرؤية الاستراتيجية وهذا الإصرار على الإنجاز، هو مهندس الاقتصاد الحقيقي في عصر الجمهورية الجديدة، الذي لا يقيس نجاحه أبداً بعدد المصانع التي افتتحها في احتفاليات بروتولولية، بل بحجم القيمة المضافة الحقيقية التي يدخلها ويحقنها في الناتج المحلي الإجمالي، وبقدرة وجدارة المنتجات الوطنية على المنافسة الشرسة في الأسواق العالمية الكبرى، وإعادة الهيبة لرفع شعار صنع في مصر بكل فخر وعزة.
مصطفى البلك
[email protected]