ظلَّت الكرة الأرضية فوق مكتبي ساكنةً منذ أسابيع. كلما مددتُ يدي إليها لأديرها، تراجعت في اللحظة الأخيرة. كنت أخشى أن تدور فلا أجد الإصبع التي كانت توقفها فجأة، وتقول بثقةٍ لا تعرف التردد:
«كلُّ القارات يمكن اكتشافها... إلا المرأة.»
كنت أبتسم كلما سمعتها، ثم أنظر إليه فلا أجد على وجهه ما يوحي بأنه يمزح. كان يتحدث كما لو أنه عاد لتوِّه من رحلةٍ في أرضٍ لم تُرسم خرائطها بعد، وكأن النساء، في يقينه، لم يكنَّ نصف العالم، بل العالم كله.
ولم أفهم يومًا لماذا كان يخلط بين الجغرافيا ورابطة العنق، أو بين الفلك والزواج، أو بين دوران الأرض ودوران الرجل في فلك امرأة. كنت أظنه يبالغ، حتى جاءت آخر مرة رأيته فيها.
وقف أمام زجاج سيارةٍ متوقفة، يقضي دقائق طويلة في تعديل رابطة عنقه السوداء. كان سرادق العزاء قد امتلأ بالمعزِّين، لكن شيئًا في هندامه بدا أهم من استعجال الخطى. مسح حذاءه بطرف المنديل، أعاد شدَّ العقدة مرةً أخيرة، ثم التفت إليَّ وربت على كتفي قائلًا:
«لا تستهِن برابطة العنق... بعض النساء يرحلن، لكنهن لا يغفرن للرجل أن يودعهن مهملًا.»
لم أضحك، ولم أسأله أيَّ النساء كان يقصد: المرأة التي يرقد جثمانها في الداخل، أم النساء جميعًا.
بعد ذلك اليوم، لم تعد الكرة الأرضية تدور فوق مكتبي كما كانت، ولم أعد أسمع ذلك الصوت الواثق وهو يخلط قوانين الفلك بأسرار النساء، أو يحدِّثني عن القارات كما لو كانت وجوهًا بشرية.
لم يكن لي أملٌ كبير في فهم النساء. لم يكن ذلك حكمًا عليهن، بقدر ما كان اعترافًا بعجزي أنا. كنت كلما ظننت أنني اقتربت من تفسير ابتسامة، أو كلمة، أو صمتٍ عابر، اكتشفت أنني لم أفعل سوى الانتقال من لغزٍ إلى آخر.
كنت، ببساطة، شديد الحياء، إلى حدِّ الارتباك. كلما اقتربت مني امرأة، شعرت أن الكلمات تعرف طريقها إلى الجميع إلا إليَّ. كنت أراقب الوجوه، وأحاول أن أقرأ ما وراء العيون، لكنني لا أرى إلا مزيدًا من الأسئلة.
وكان صديقي يعرف ذلك.
منذ أكثر من عشرين عامًا، تكوَّنت بيننا صداقة لم تشبه أي علاقة أخرى في حياتي. كان يكبرني بنحو خمسة عشر عامًا، لكنه بدا دائمًا أصغر سنًّا؛ أنيقًا، بشوشًا، يعتني بملابسه كما يعتني آخرون بأفكارهم. أما أنا، فكنت أرى في رابطة العنق قيدًا لا ضرورة له، بينما كان يراها جزءًا من شخصية الرجل.
كان يقول ضاحكًا:
«رابطة العنق، ولمعة الحذاء، والمنديل... هذه ليست كماليات يا صديقي، بل احترام للرجل قبل أن تكون احترامًا للناس.»
ثم يضيف، وهو يربت على عقدة عنقه:
«المرأة ترى ما لا يراه الرجال.»
لم أكن أجادله. فقد كنت، في داخلي، أشعر أن الرجل يعرف عالمًا لا أعرفه.
لم يكن يحدثني عن النساء بالطريقة التي يتحدث بها الرجال عادةً، بل كان يتحدث عنهن كما يتحدث رحالةٌ عن قارةٍ عاد منها للتو. يخلط بين الوقائع والاستعارات، وبين التجربة والنكتة، حتى يصعب عليَّ أن أعرف أين تنتهي الحقيقة وأين يبدأ خياله.
كان يقول:
«المجازفة وحدها تحقق الاكتشاف. لا توجد قارة اكتشفها رجل خائف.»
ثم يدير الكرة الأرضية بإصبعه، فتدور أمامنا ببطء.
«تعلم الجغرافيا، وتعلم الفلك... ستحتاجهما أكثر مما تظن.»
كنت أضحك من منطقه الغريب، لكنه كان يواصل حديثه بجدية العالم وهو يشير إلى الكرة:
«الأرض لا تضل طريقها لأنها تعرف مدارها... أما الرجل، فإذا جهل مداره حول المرأة، ظل يدور عمره كله دون أن يصل.»
كنت أراقبه مأخوذًا بذلك اليقين الذي يتحدث به. لم أعرف يومًا إن كان يسخر مني، أم يسخر من الحياة كلها.
...
كان يروي تجاربه كما يروي مستكشفٌ حكاياته عن غاباتٍ لم تطأها قدم. أجلس أمامه صامتًا، بينما تتسع عيناي دهشة، فيزداد استرسالًا، كأنه وجد أخيرًا مستمعًا لا يقاطعه.
لم يكن يتحدث عن المرأة بوصفها جسدًا، بل بوصفها عالمًا. كان يصف اختلاف الطباع كما لو كان يصف تضاريس قارة؛ سهولًا وجبالًا، خلجانٍ وممراتٍ خفية، ثم يضحك ويقول:
«لهذا أقول لك دائمًا: لا تدخل هذا العالم بلا جغرافيا ولا فلك.»
كنت أستمع إليه كما يستمع طفل إلى بحّار عجوز، عاد من رحلة بعيدة محمّلًا بالخرائط والأساطير. وكلما تحدث، ازددت اقتناعًا أن الرجل يرى في النساء ما لا أراه، وأنني سأظل، أمامه، ذلك التلميذ الذي لم يغادر مقاعده الأولى.
وذات يوم، سألته:
ــ من أين جاءت كل هذه الخبرة؟
أدار الكرة الأرضية بسبابته، وظل يتابع دورانها قبل أن يجيب:
«من المرأة يا صديقي... هي التي علمتني الاكتشاف، ومنها تعلمت الصبر، والمغامرة، وكيف أفهم الجغرافيا والفلك.»
قالها ببساطة، كأنها حقيقة لا تحتاج إلى برهان.
كان قد تجاوز الستين، وخلفه أربع زيجات، يتحدث عنها جميعًا بلا مرارة، كأنها محطات في رحلة طويلة، لا انتصارات ولا هزائم.
وكان يبهرني، في الوقت نفسه، بشغفه العجيب بعلم الفلك. يحفظ مواقع الأرض في مدارها، ويشرح الفصول، وحركة القمر، والمد والجزر، ثم ينتقل، دون مقدمات، إلى الحديث عن النساء، وكأن الأمرين ينتميان إلى العلم نفسه.
كنت أستحي أن أسأله عن العلاقة بين دوران الأرض ودوران الرجل في حياة امرأة. أخشى أن يبدو سؤالي ساذجًا، فأكتفي بالإنصات، بينما يواصل هو بناء نظريته الخاصة في الكون.
ورغم فارق العمر بيننا، لم أشعر يومًا أنه يعاملني باستعلاء. كان ينظر إليَّ بمحبة أخ أكبر، لكنه لم يُخفِ أبدًا أنه يراني طفلًا كلما تعلق الأمر بالنساء.
أما أنا، فكنت أصدقه دون مقاومة.
ليس لأن كل ما يقوله صحيح، بل لأن الرجل كان يعيش ما يقول. كان أنيقًا على الدوام، أكثر وسامة مما تسمح به سنُّه، يعتني بحذائه كما يعتني بكلماته، ويقف أمام المرآة بالجدية نفسها التي يقف بها أمام فكرة جديدة.
وكان يردد دائمًا:
«الرجل لا يخرج من بيته إلا بثلاثة أشياء: رابطة عنقٍ تليق به، وحذاءٍ نظيف، ومنديلٍ أبيض. بعدها... دع الباقي للحياة.»
ثم يضحك، ويضيف وهو يرمقني ساخرًا:
«أما القطن... فاتركه للمرأة. أنت لن تحتاج إليه إلا مرة واحدة.»
كنت أضحك من غرابة منطقه، ثم أنظر إلى رابطة عنقي المهملة، فأدرك أنني، حتى في أكثر التفاصيل بساطة، كنت أعيش على النقيض منه.
ومع ذلك، لم أحاول أن أكون نسخةً منه. كنت أكتفي بالإنصات، وأترك كلماته تستقر في ذاكرتي، دون أن أعرف أن بعضها سيظل يرافقني سنوات طويلة، وأن بعضها الآخر لن أفهمه إلا بعد أن يغيب.
..
مرت السنوات، وبقيت صداقتنا على حالها. كنا نلتقي كثيرًا، ونتحدث في كل شيء؛ في الأدب، والحياة، والكون، ثم ينتهي بنا الحديث، بطريقة لا أعرف كيف تبدأ، إلى المرأة.
العجيب أنني لم أسأله يومًا عن تفاصيل زيجاته، ولا عن أسباب طلاقه، كما لم يحدثني هو عنها إلا لمامًا. كان يتجاوز الحوادث إلى ما يظنه حكمتها، ويترك الوقائع في الظل.
قال لي مرة:
«الرجل يخطئ حين يظن أن المرأة هي اللغز. اللغز الحقيقي هو نفسه.»
لم أفهم عبارته آنذاك، كما لم أفهم كثيرًا من عباراته. كنت أكتفي بهز رأسي، وأدعه يمضي في حديثه.
ورغم كثرة ما كان يقوله، بقيت أجهل أشياء كثيرة عنه. لم أسأله إن كان سعيدًا في زيجاته، ولم يخطر ببالي أن أسأله إن كان نادمًا على شيء. كنت أراه واثقًا، فأظن أن الواثقين لا يندمون.
كانت أمه المرأة الوحيدة التي عرفتها من أسرته. استقبلتني يومًا كما تستقبل أمٌّ ابنها، وظلت تناديني باسمي كلما زرتها معه. وحين رحلت، سرت إلى جواره في جنازتها، وشعرت لأول مرة أن ذلك الرجل الذي يملأ المكان ضحكًا يستطيع أن يصمت طويلًا.
بعدها بأعوام، أصبح لقاؤنا أقل، لكن حضوره في حياتي لم ينقص. كنت كلما هممت بكتابة قصة، سمعت صوته يسبقني:
«لا تكتب عن شيء لم تعشه.»
فأمزق الصفحة، وأبدأ من جديد.
كنت أكتب قصصًا عن الحب، ثم أعود فأشك فيها كلها، لأنني كلما تذكرت يقينه، بدا لي أنني ما زلت أكتب عن عالم لا أعرفه.
وذات مرة، قلت له مازحًا:
ــ يبدو أنني سأموت قبل أن أفهم النساء.
فضحك ضحكته المعهودة، ثم قال:
«وهل تظن أنني فهمتهن؟»
نظرت إليه في دهشة.
كانت تلك أول مرة يهتز فيها ذلك اليقين الذي طالما رأيته في عينيه.
لكنه لم يزد حرفًا، واكتفى بابتسامة غامضة، ثم غيَّر الحديث كعادته.
خرجت يومها وأنا أشعر أن الرجل أخفى عني شيئًا، لكنني لم أعرف ما هو، ولم أكن أتصور أنني لن أملك فرصة أخرى لأسأله.
...
مضت أسابيع قبل أن أجرؤ على الذهاب إلى بيته.
استقبلني الصمت أولًا، ثم رائحة الكتب التي طالما عرفتها. كانت الكرة الأرضية ما تزال فوق المكتب، وإلى جوارها رابطة عنق مطوية بعناية، كأن صاحبها خرج على عجل، وسيعود بعد قليل ليوقف دورانها بإصبعه كعادته.
جلست في مقعده.
مددت يدي إلى الكرة الأرضية، فأدرتها ببطء.
دارت...
لكنها بدت يتيمة.
أخذت أتأمل المكتب، أقلب بعض الكتب، وأزيح أوراقًا متناثرة، حتى وقعت عيناي على ورقة صغيرة بخطه. لم تكن رسالة، ولم تحمل اسمًا، ولم يزد ما كُتب فيها على سطرين.
قرأتهما مرة...
ثم أعدت قراءتهما.
لا أدري لماذا شعرت، في تلك اللحظة، أن الرجل الذي ظل يحدثني عشرين عامًا عن النساء، كان يخفي عني الحكاية الوحيدة التي تستحق أن تُروى.
طويت الورقة كما وجدتها، وأعدتها إلى مكانها.
لم أشأ أن يعرف أحد ما كُتب فيها.
ومنذ ذلك اليوم، كلما أدرت الكرة الأرضية، سمعت صوته يضحك في الغرفة، ثم يتوقف فجأة، كأنه تذكّر شيئًا لم يُرد أن يخبرني به.
ولهذا...
كلما سألني أحد عن صديقي القديم، اكتفيت بالابتسام.
فبعض الأسرار، مثل بعض القارات، لا تُكتشف لأنها مجهولة...
بل لأنها اختارت أن تبقى كذلك.