رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

لا تفهمونا غلط



من كلمات حسن هويدي إلى استراتيجية الإنقاذ الوطني للتليفزيون المصري..
كانت ليلة من ليالي دار الأوبرا المصرية، جمعتني بالصديق العزيز والأخ الكريم، الأستاذ حسن هويدي، وكيل أول وزارة الإعلام الأسبق، لحضور الاحتفالية الخاصة بمرور أربع سنوات على انطلاق مبادرة "أرواح في المدينة" للصديق العزيز الكاتب والإعلامي محمود التميمي، وهي بحق عمل وطني مخلص يعمل على حفظ الذاكرة المصرية وصون التاريخ الوطني، في تجسيد حي لفكر رائع يستحق كل الدعم والتقدير. وخلال الأمسية، تقابلت مع التميمي وتجاذبنا أطراف الحديث بشكل سريع حول "أرواح في المدينة"، وتبادلنا كلمات التهاني والتقدير حول برنامجه المتميز المذاع على شاشة القناة الأولى من ماسبيرو، إذ لفت انتباهي وأعجبني بشدة اسم البرنامج، وجذبتني صياغة "الفورمات" البرامجية الرائعة التي يطل بها على الجمهور. وفي غمرة هذا الحديث، وجدنا الصديق العزيز الأخ حسن هويدي يوجه جملة مقتضبة للتميمي، جملة لا تتعدى كلمتين في ظاهرها، لكنها تلخص تاريخا ومستقبلا، حيث قال له بلهجة مغلفة بالحرص الشديد: "وصيتك ماسبيرو". وهنا، توقفت طويلا، بل توقفت كثيرا جدا أمام هذه الجملة الفريدة، وأمام هذا الصدق والحب المتجذر في النفوس لهذا المبنى العريق، قلعة الإعلام المصري والعربي الشامخة.
إن هذه العبارة العفوية الشجية لم تكن مجرد نصيحة عابرة، بل هي بيان حال وشهادة حية على مكانة التليفزيون المصري الذي صاغ وعي الأمة العربية من المحيط إلى الخليج على مدار عقود طويلة. إن الحديث عن إصلاح ماسبيرو لم يعد ترفا فكريا أو مطلبا إداريا مؤجلا، بل هو ضرورة أمن قومي تفرضها طبيعة التحديات الراهنة والمعارك الفكرية التي تخوضها الدولة المصرية، فمن هذا المبنى العريق يجب أن تبدأ رحلة استعادة الريادة التامة. والواقع يؤكد أن الشاشة الرسمية في حاجة ماسة وشاملة للتطوير والإنقاذ، لكن التجربة الفريدة لبرنامج التميمي باعتباره برنامجا حواريا "توك شو" جديدا، والوحيد الذي بدأ بالفعل يحقق نسب مشاهدة مرتفعة ويلتف حوله الجمهور، تمثل ومضة أمل ودليلا قاطعا على أن المشاهد المصري والعربي ما زال متعطشا لشاشة ماسبيرو عندما تقدم المحتوى الجاد والراقي والمصنوع باحترافية تحترم عقله ووجدانه. إن الاستجابة لهذه "الوصية" تقتضي أن يستعيد ماسبيرو هيبته وتواجده في الصدارة، وتلك الريادة لا تكتمل إلا بأركان ثلاثة أساسية وثابتة هي الإنتاج البرامجي الثقافي، والإنتاج السياسي القوي، والإنتاج الدرامي الضخم الذي طالما كان السفير الأول للهوية المصرية في كل بيت عربي.
وفي هذا السياق، تبرز الخطوة المهمة والواعية التي أطلقها الكاتب والإعلامي أحمد المسلماني رئيس الهيئة الوطنية للإعلام تحت شعار عودة ماسبيرو، وهي خطوة تمثل حجر زاوية وبداية حقيقية لبعث الروح في مفاصل العمل الإعلامي الرسمي، غير أن هذه الخطوة الطموحة تضعنا أمام استحقاق وطني يستوجب توجيه مطالبات واضحة وحاسمة للدولة المصرية بكل أجهزتها ومؤسساتها لتقديم دعم كامل ومستدام وفوري لماسبيرو وإعلام الدولة كافة، فلا يمكن أن تنجح خطط الإصلاح دون مساندة مالية وتشريعية وسياسية تليق بحجم المعركة التي يخوضها الوعي المصري، حتى تتحول المبادرات والخطط إلى واقع ملموس وصدارة مستحقة على الشاشات والموجات الإذاعية. إن تطوير ماسبيرو واستعادة أمجاده يتطلب رؤية استراتيجية شاملة تتجاوز الحلول المؤقتة أو المسكنات الإدارية، وتبدأ أولا من الهيكلة الاقتصادية والمالية الشاملة بدعم مباشر من الحكومة لفض التشابكات وحل مشكلات الديون المتراكمة، بالتوازي مع تعظيم الاستفادة من الأصول الضخمة والموارد الهائلة التي يمتلكها المبنى، لاسيما الكنوز التراثية والأرشيف المرئي والمسموع الذي يمثل ثروة قومية وتاريخية واقتصادية لا تقدر بثمن، ويمكن استثمارها عبر الرقمنة والمنصات الحديثة لتوفير عوائد مالية تدعم ميزانية الإنتاج الفني والبرامجي.
أما المحور الثاني للتطوير، فيتعلق بالاستثمار في العنصر البشري الذي يمثل الكنز الحقيقي لماسبيرو، وذلك من خلال إطلاق برامج تدريبية مكثفة ومستمرة للجيل الحالي من المذيعين والمخرجين والمعدين والفنيين، بالتعاون مع كبرى الأكاديميات الدولية، لإكسابهم مهارات الإعلام الرقمي الحديث، والتعامل مع تقنيات الذكاء الاصطناعي، وآليات السرد البصري المعاصر، مع إرساء قواعد صارمة وموضوعية للكفاءة والتميز في تولي المناصب القيادية والظهور على الشاشة، فضلا عن جذب الطاقات الشابة الواعدة وضخ دماء جديدة قادرة على محاكاة لغة العصر وجذب الأجيال الجديدة التي ابتعدت عن الشاشات التقليدية.
وينصب المحور الثالث على الهندسة التكنولوجية والبنية التحتية، إذ لابد من تحديث كامل للاستوديوهات، وشبكات البث، وغرف الأخبار، وتطوير البنية الرقمية للمبنى بالكامل، مع إطلاق منصة رقمية متكاملة وقوية تابعة لشاشات ماسبيرو تتيح للمشاهد العربي متابعة البث الحي والخدمات الإخبارية والدرامية والبرامجية عبر الهواتف الذكية والأجهزة اللوحية، بما يضمن للمحتوى المصري منافسة حقيقية في الفضاء الرقمي الشاسع. ويتكامل هذا كله مع المحور البرامجي والإنتاجي، من خلال إعادة صياغة خريطة القنوات وتوحيد جهودها لمنع التكرار، والتركيز على إنتاج برامجي ضخم يغطي المجالات السياسية، والثقافية، والفكرية، والاجتماعية برؤية عصرية، وإعادة إحياء قطاع الإنتاج التليفزيوني وصوت القاهرة لتقديم أعمال درامية تاريخية، واجتماعية، ووطنية هادفة، ومتميزة تعيد للدراما المصرية بريقها وضبطها للقيم المجتمعية.
إن جملة الأستاذ حسن هويدي العميقة "وصيتك ماسبيرو" يجب أن تتحول اليوم إلى منهج عمل، ووصية مقدسة يعمل عليها كل مسؤولي الدولة المصرية، وينخرط في تنفيذها بصدق وإخلاص كل من ينتمي إلى هذا الصرح العظيم، بدءا من دولة رئيس مجلس الوزراء، مرورا بالقيادات الإعلامية، والمهندسين, والمذيعين، وصولا إلى عامل المصعد في ماسبيرو، فكل في موقعه جندي يحمي ثغرا من ثغور الوعي. كيف لا، وقد أوصى السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي أكثر من مرة، وفي قضايا ومناسبات متعددة، بأهمية إعلام الدولة وصحافة الدولة، مشددا على ضرورة دعم ماسبيرو والمؤسسات الصحفية القومية بوصفها ركائز أساسية لحفظ الهوية الوطنية، وصناعة الوعي الرشيد، والتصدي للشائعات والمخططات الهدامة. إن الإرادة السياسية متوفرة ومؤمنة بدور هذا الكيان، وما يتبقى هو أن تترجم هذه الرغبة الرئاسية والوطنية إلى مطالبات تنفيذية صارمة تلتزم بها الحكومة، وأن نعمل جميعا بقلب رجل واحد لإنفاذ تلك الوصية الغالية، لكي يبقى ماسبيرو كما كان دوما، نورا هاديا، ومنارة للوعي، وحصنا منيعا للعقل المصري والعربي.
مصطفى البلك
[email protected]

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة