رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

نظرة

"مع سبق الإصرار والترصد".. عبارة طالما ارتبطت في أذهان الناس بأبشع الجرائم الجنائية، حيث يعقد الجاني النية مسبقًا، ويخطط للفعل، ثم ينفذه عن عمد وإرادة كاملة.

لكن الواقع الذي نعيشه اليوم يكشف عن جرائم أخرى لا تقل خطورة، لأنها لا تستهدف إنسانًا بعينه، بل تستهدف المجتمع كله؛ عقله، وقيمه، ومستقبله، وترتكب هي الأخرى مع سبق الإصرار والترصد.

فهناك من يمارس التضليل مع سبق الإصرار والترصد. لا ينشر معلومة مغلوطة بسبب جهل أو سوء فهم، بل يبحث عن الأكاذيب ويعيد صياغتها وترويجها، ويستخدم كل وسيلة ممكنة لنشرها، بهدف إثارة البلبلة وتشتيت الرأي العام وإشعال الخلافات بين الناس. إنها جريمة معنوية تهدم الثقة وتربك الوعي وتفتح أبواب الفتن والانقسام.

وهناك من يحارب الموهبة مع سبق الإصرار والترصد. يرى صاحب الكفاءة فيمنعه من التقدم، ويضع العقبات في طريقه، ويغلق أمامه أبواب الفرص، لا لشيء إلا لأن نجاحه يزعجه أو يكشف تفوقه. وفي كل مرة يحدث ذلك، يخسر المجتمع طاقةً مبدعة وعقلًا قادرًا على الإضافة والبناء.

وهناك من يشوه الإنجازات مع سبق الإصرار والترصد. فبدلًا من النقد الموضوعي الذي يصحح الأخطاء ويدفع نحو الأفضل، يتحول الأمر إلى حالة دائمة من التشكيك والتقليل والإنكار، وكأن بعض النفوس لا ترى في أي نجاح سوى فرصة للهجوم عليه. وهكذا تتحول الإنجازات من مصدر للأمل والثقة إلى مادة للإحباط والتشويه.

بل إن هناك من يهدم أحلام الشباب مع سبق الإصرار والترصد، حين يقنعهم بأن العلم بلا قيمة، وأن الاجتهاد بلا فائدة، وأن العمل الجاد لا يقود إلى النجاح. ومع تكرار هذه الرسائل السلبية تتراجع روح المبادرة، وتضعف الثقة بالنفس، وتتسع مساحة اليأس والإحباط.

وهناك أيضًا من يدعم التفاهة مع سبق الإصرار والترصد، فيرفع النماذج السطحية إلى مكانة القدوة، ويمنح الشهرة والأضواء لمن يتباهون بالتفاهات ويحققون من ورائها الملايين، بينما تتراجع النماذج الجادة من العلماء والمفكرين والمبدعين وأصحاب الإنجازات الحقيقية. وهذه ليست مجرد ظاهرة عابرة، بل معول هدم في جدار المجتمع، لأنها تغرس في عقول الشباب أن النجاح لا يحتاج إلى علم أو جهد أو صبر أو كفاح، وأن الشهرة السريعة أهم من القيمة الحقيقية والعطاء النافع.

ولعل أخطر ما في هذه الجرائم أنها لا تترك آثارها في يوم أو شهر، بل تمتد لسنوات طويلة.

المجتمعات لا تتضرر فقط من المجرم الذي يحمل سلاحًا، بل تتضرر أيضًا من صاحب الكلمة المضللة، ومن مروج الشائعات، ومن محارب النجاح، ومن داعمي التفاهة، ومن كل من يتعمد نشر الإحباط والكراهية واليأس. فكل هؤلاء قد يتحولون إلى معاول هدم تستهدف أساس المجتمع وقدرته على البناء والتقدم والتنمية.

فالهدم لا يكون دائمًا بسلاح أو جريمة تقليدية، بل قد يكون بكلمة مضللة، أو شائعة مغرضة، أو موهبة مُحاربة، أو إنجاز مُشوَّه، أو تفاهة تُرفع إلى مقام القدوة. وكل ذلك قد يحدث أحيانًا... مع سبق الإصرار والترصد.

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة