رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

نظرة

كان الناس قديمًا إذا اختلفوا في الشارع يخشون أن يخرج أحدهم سكينًا أو عصًا. أما اليوم فقد تطورت الحضارة، وأصبح السلاح الأكثر رعبًا في الجيب ليس مسدسًا ولا مطواة، بل هاتفًا محمولًا بكاميرا عالية الدقة واتصالًا سريعًا بالإنترنت.

في أحد الأيام شاهدت مشادة عادية بين شخصين في الشارع. لم يكن الأمر يستحق أكثر من بضع كلمات ثم ينصرف كل طرف إلى حال سبيله. لكن فجأة حدث ما لم يكن في الحسبان. مدّ الأول يده إلى جيبه، فاستعد الثاني للمواجهة. ثم مدّ الثاني يده إلى جيبه هو الآخر.

توقعت للحظة أن الموقف يتجه إلى نهاية مأساوية، لكن المفاجأة كانت أن كلاهما أخرج هاتفه المحمول.

في ثوانٍ تحول الخلاف من نقاش في الشارع إلى استوديو تصوير متنقل. هذا يصور من زاوية، وذاك يصور من زاوية أخرى، وكل طرف حريص على أن يلتقط المشهد الذي يثبت أنه الملاك البريء وأن خصمه هو المتهم الوحيد في القضية.

لم يعد السؤال: "من المخطئ؟"، بل أصبح: "من بدأ التصوير أولًا؟"

فالذي يملك الكاميرا يملك فرصة كتابة الرواية. أما الذي يظهر في الفيديو فغالبًا ما يكون متهمًا حتى يثبت العكس.

ولأن التكنولوجيا لا تعرف الانتظار، تنتقل القضية فورًا من الشارع إلى مواقع التواصل الاجتماعي. هناك تبدأ مرحلة جديدة أكثر إثارة. فجأة يظهر آلاف الشهود الذين لم يكونوا موجودين أصلًا في مكان الواقعة. ويخرج خبراء القانون ليشرحوا ما حدث، ويحلل علماء النفس شخصية المتشاجرين، بينما يؤكد بعض المعلقين أن الحادثة جزء من مؤامرة كونية كبرى!

أما الحقيقة نفسها فتجلس في زاوية هادئة تتساءل: هل سألني أحد عما حدث فعلًا؟

المشكلة ليست في التصوير، فالكاميرا قد تكون شاهدًا مهمًا على الوقائع، لكنها أحيانًا تتحول إلى أداة لاقتطاع جزء صغير من المشهد وتقديمه باعتباره القصة كاملة. فالدقيقة الواحدة المصورة قد تخفي عشر دقائق سبقتها، والثواني المنتقاة قد تروي نصف الحكاية فقط.

لهذا أصبح المواطن المعاصر لا يخشى فقط الحوادث أو المشكلات اليومية، بل يخشى أيضًا أن يجد نفسه بطلًا لفيديو انتشر على الإنترنت بعنوان مثير من نوع: "شاهد ما فعله هذا الرجل!"، بينما هو نفسه لا يعرف حتى الآن ماذا فعل بالضبط.

رحم الله زمنًا كان الإنسان يخاف فيه من السلاح الأبيض. أما اليوم فقد أصبح يخشى أكثر من العدسة الصغيرة التي قد تحوله في لحظة إلى قضية رأي عام، وخبيرًا في كل شيء، وهو لم يكن يريد سوى عبور الشارع بسلام.

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة