من آن لآخر
فقط يريد اتفاقاً يحفظ ماء الوجه نصرًا مزيفًا. يغازل به الأمريكيين بعد أن تورط أو ورطه المتطرف بنيامين نتنياهو رئيس وزراء الكيان الصهيونى فى حرب عبثية مع إيران خضعت لحسابات وتقديرات خاطئة ادت إلى تداعيات جاءت من اخطاء فادحة ادت إلى مأزق تسبب فى خسائر سياسية وعسكرية واقتصادية فادحة والأخطر أنه نال من هيبة القوة الاكبر والاضخم فى العالم على رأى البعض أنه نال من وضع واشنطن كمسيطر على العالم ومنح فرصة ذهبية للقوى الكبرى التى تسعى إلى تدشين نظام عالمى متعدد الاقطاب وايضًا حالة من فقدان الثقة من حلفاء أمريكا فى قدرتها على الحماية والوفاء بالإلتزام بل ذهب البعض بعيداً إلى وصف الولايات المتحدة بأنها بطل أو نمر من ورق.
الحسابات والتقديرات الخاطئة، وعدم التشخيص الدقيق للقوة الايرانية، وما لديها من اوراق وضعت الرئيس الامريكى دونالد ترامب فى مأزق كبير وهو الامر الذى كشف عورات وجهل بعض المحللين الذين زعموا أن إيران سوف تسقط لا محالة وذهب البعض انها تلفظ انفاسها الاخيرة فى الوقت الذى برزت فيه تحليلات فى الفترة الاخيرة تؤكد أن ترامب هو الاكثر احتياجًا لانهاء الحرب والوصول إلى أتفاق والخروج من هذا المأزق الذى أدى إلى إصابته بالكثير من الخسائر فى وضعه السياسى والدولى، والسبب فى ذلك هو سيطرة نتنياهو على قرارات الإدارة الامريكية لكن يبدو أن ترامب استفاق من غفوته، ووصل إلى حقيقة واضحة ان رئيس الوزراء الاسرائيلى ساقه إلى هذا المستنقع وليس هناك تفسير آخر لشتائم وتوبيخ واهانات ترامب لنتنياهو إلا إدراك الرئيس الامريكى لخطورة المأزق الذى وضعه فيه رئيس وزراء الكيان، ووصفه بالمجنون ولولاه لكان الآن فى السجن وهذه حقيقة، لذلك طالبه بوقف اطلاق النار فى لبنان وعدم توسيع نطاق عملياته العسكرية ويبدو أن إيران ربطت أى اتفاق مع واشنطن بوقف العدوان الاسرائيلى فى لبنان بل وعلى كافة الجهات من أذرع وحلفاء إيران ولعل ذلك يفسر رغبة ترامب فى الوصول إلى اتفاق مع إيران بأى حال من الأحوال، وممارسة الضغوط على إيران لتقديم بعض التنازلات، ليعلن انه تفوق على اتفاق الرئيس الامريكى الاسبق باراك أوباما مع إيران حول البرنامج النووى فى 2015 والذى هاجمه كثيرًا ترامب لكنه فشل فى تحقيق أى نتائج واهداف، ويبدو ان الأمور صعبة فى ظل العناد الإيرانى ومحاولات كسب العديدمن المزايا واعتبار ذلك فرصة تاريخية بعد استشعارها للمأزق الذى يواجه ترامب خاصة تحقيق أهداف رفع أو تخفيف العقوبات والإفراج عن الأصول والأموال المجمدة ومطالبة طهران بـ 12 مليار دولار بشكل عاجل قبل التفكير فى فتح مضيق هرمز الذى يغطى 20 ٪ من امدادات النفط والغاز واشياء أخرى وهو ما يضغط على الاقتصاد العالمى وفى ضوء تصريحات الوكالة الدولية للطاقة بأن المخزون الاحتياطى اقترب من النفاد، وبغض النظر عن مشروعية اغلاق إيران لمضيق هرمز إلا انها حولته إلى ورقة ضغط مؤلمة وقاسية ليس على الولايات المتحدة أو دول المنطقة فقط ولكن على كل دول العالم، وبات فى يدها سلاحًا قويًا.
وسائل الإعلام الغربية بدأت على مدار الأيام الأخيرة فى كشف تفاصيل الموقف المجمد بين واشنطن وطهران، وحالة التأرجح بين وجود أشارات وتصريحات عن اقتراب نجاح الوصول لاتفاق، خاصة من قبل ترامب وبين حالة عدم اليقين وتبادل الهجمات خاصة خلال الأيام الأخيرة فى قصف أمريكى على موانئ إيران لتدمير بعض منصات الصواريخ والرادارات الإيرانية وهجمات طهران على القواعد الامريكية فى المنطقة ورغم هذا العنف إلا أن ترامب يخرج ليقول انه متفائل وأن الأمور تسير بشكل ايجابى وانه ربما يلتقى المرشد الايرانى مجتبى خامنئى وهو ما يحتاج إلى دراسة نفسية وعقلية للرئيس الامريكى المتناقض فى تصريحاته عن إيران والمتأرجح فى طبيعة علاقته بإسرائيل ونتنياهو لكن كل ذلك يشير إلى وجود اضطراب أمريكى ومأزق تظهر تداعياته فى سلوكيات ترامب خاصة وأن الشعب الأمريكى رافض تماماً للحرب على إيران ويعتبرها حربًا إسرائيلية، كما أنها تضغط اقتصاديًا على الشعب الأمريكى الذى بات يعانى من رفع الأسعار وارتفاع التضخم والمحروقات وايضاً انهيار شعبية ترامب والجمهوريين على بعد أشهر قليلة وتحديدًا فى نوفمبر القادم مع انتخابات التجديد النصفى وهناك مخاوف من ذهاب الأغلبية فى الكونجرس للديمقراطيين وهذا يمثل تحدياً كبيرًا للرئيس ترامب ولإدارته، ناهيك من الرفض الإقليمى والدولى للحرب على ايران، وضلوع الصين وروسيا فى دعم طهران ضد الامريكان، ومحاولات توريطهما لواشنطن لمزيد من الاستنزاف والاشغال بالاضافة إلى حجم الخسائر العسكرية ونفاد الذخائر والصواريخ الدفاعية، وفشل منظومات الدفاع الجوى المتقدمة، التى تبلغ تكلفة الواحدة منها مليار دولار وابرزها «ثاد» فى صد الصواريخ والمسيرات الإيرانية.
باختصار شديد، إيران استفادت من طول الهدنة أى الوقت فى اعادة تنظيم وترتيب صفوفها واصلاح الاضرار التى لحقت بمنظومات الصواريخ ومنصات لإطلاق الرادارات التى خلفتها الهجمات «الامريكية- الاسرائيلية» وهو عكس ما قاله بعض المحللين، وبدت فى الافق تحليلات جديدة تؤكد أن واشنطن لا ترغب فى العودة إلى الحرب وانها الاكثر احتياجا للوصول إلى اتفاق انهاء الحرب.
قلت منذ البداية ان الامور فى الحرب الامريكية ضد إيران لا تسير لصالح واشنطن وسقت الكثير من الاسباب سياسياً وعسكرياً واقتصادياً وامريكياً واقليمياً ودولياً، فى الوقت الذى خرج بعض من يدعون أنهم محللون وبثقة عن اقتراب سقوط إيران وأنها تلفظ انفاسها الاخيرة لكن الايام تكشف عكس ما قالوه وان أمريكا ادركت المأزق، وتعمل على الخروج الآمن الذى يحفظ ماء الوجه ربما تتساهل فى شروطها تجاه البرنامج النووي، واليورانيوم المخصب كلما مر الوقت لان ترامب وادارته هم الاكثر احتياجاً لتوقيع الاتفاق.