أبيض وأسود
بعد أكثر من مائة عام من ميلاد السينما الروائية في مصر أضطر النقاد الى اعادة تعريف السينما ودورها الترفيهي والاجتماعي ، والسبب في ذلك طوفان التعليقات السلبية على السوشيال ميديا ضد الفيلم الكوميدي "برشامة" ومن قبله فيلم "الست" ، ولكن بعد عرضهما على المنصات السينمائية هذا الاسبوع اكتشف الجمهور ان الفيلمين على درجة عالية من الجودة الفنية كل منهما حسب نوعه ، ولا أحد يعلم حتى الآن هل كانت هذه الحملات عفوية أم مقصودة .
لذلك أصبح من الواجب على الناقد أعادة الحديث عن السينما وأنواعها ودورها التاريخي في تطوير المجتمعات الحديثة ، فالكوميديا في فيلم "برشامة" ضرورية من أجل توجيه النقد الاجتماعي لحياتنا بعد أن أصبح التعليم وسيلة لتخطي الامتحان وتحقيق النجاح على الورق مع أنه وسيلة لتعليم الناس القيم الانسانية النبيلة وليس الحصول على درجات النجاح في الامتحانات .. كذلك عندما تقدم السينما حياة فنانة عظيمة مثل أم كلثوم أولا لمعرفة تاريخ هذه السيدة التي أصبحت أيقونة الفن المصري عبر الزمان ، ثم محاولة كشف الجانب الآخر لشخصية الست بعيدا عن أضواء الحفلات .. وأخيرا حتى نتعلم شيئا من حياة ومعاناة هذه السيدة التي لم يكن نجاحها ضربة حظ.
أما شخصية الطالب عبد الحميد التي قدمها هشام ماجد في فيلم "برشامة" اخراج خالد دياب فهي شخصية موجودة في الأفلام المصرية منذ أيام شفيق نور الدين في فيلم "مراتي مدير عام" ومحيي اسماعيل في فيلم "خللي بالك من زوزو" .. الانسان الملتزم برؤية محدودة للدين ومحاط بشخصيات قد تكون فاسدة لكن عندها الاستعداد للتغيير للأفضل وهم يعيشون في بيئة لا تمنحهم الفرصة لذلك ، والسينما لا تقوم بالترويج للفساد بل تقدم صورة من خارج الواقع للمشاهد الذي يعيش غارقا في ذلك الواقع ويعجز عن رؤيته من الخارج .. معنى ذلك أن الفيلم لا يناقش الحلال والحرام لكنه يكشف الفكر السائد بين الناس في لحظة تاريخية معينة.
أما في فيلم "الست" فقد حرص المخرج مروان حامد أن يقدم أم كلثوم كأنسانة تصيب وتخطئ وليست شخصية مثالية خالية من العيوب ، وهذه هي أهم سمات السينما الواقعية التي تقدم البشر في حياتهم الحقيقية وليست الحياة المتخيلة عند الجمهور العاشق لفن أم كلثوم والذي سوف يظل عاشقا لهذا الفن ولن تؤثر فيه عشرات الأفلام ، لذلك من الضروري احترام الاختلاف في الفن لأن مروان حامد ليس أنعام محمد علي وخالد دياب ليس فطين عبد الوهاب والأصل في السينما هو الاختلاف الذي هو الأصل في الحياة أيضا.
تبقى ملاحظة أخيرة وهي أن المنافسة في السينما وغيرها من الفنون أصبحت حافزا لتقديم الفن الجيد ، لابد أن يتمتع الفيلم بالجودة الفنية حتى يجد له مكانا وسط غيره من الأفلام ولا مكان للفيلم الضعيف أو التافه ، لذلك فأن هجوم رواد السوشيال ميديا على أفلام السينما لن يستمر طويلا لأن الجمهور في النهاية هو الذي سوف يحكم على تلك الأفلام وهو ماحدث مع فيلمي “برشامة” و “الست”.