الخط المفتوح
لم يعد الجهل في زماننا مجرد نقص في المعرفة، أو ضعف في الثقافة، أو محدودية في التعليم، بل تحول في أحيان كثيرة إلى حالة من التباهي العلني، وسلوك اجتماعي يجد من يشجعه ويصفق له ويمنحه ملايين المشاهدات والإعجابات. والأخطر من ذلك أن بعض الجهال لم يعودوا يشعرون بالخجل من جهلهم، بل صاروا يقدمونه للناس باعتباره جرأة، أو خفة ظل، أو نوعًا من التحرر من القيود الفكرية والثقافية. وهنا تكمن الكارثة الحقيقية: حين يصبح الجهل «تريند».
في الماضي كان الإنسان يسعى لإخفاء جهله، ويحاول أن يتعلم حتى يحظى باحترام المجتمع. وكانت الثقافة قيمة، والقراءة مكانة، والعلماء رموزًا، والمعلم صاحب رسالة، وكانت الأسرة تفرح بالابن المتفوق أكثر من فرحتها بأي شيء آخر. أما اليوم، فقد اختلطت المعايير بصورة مخيفة، وأصبح بعض صناع المحتوى يحققون الشهرة لا بما يملكونه من علم أو موهبة، بل بما يقدمونه من تفاهة وضجيج وسطحية وإثارة فارغة.
لقد صنعت وسائل التواصل الاجتماعي عالمًا سريعًا، لا يمنح الناس وقتًا للتأمل أو التفكير، بل يدفعهم نحو الاستهلاك السريع للمحتوى، وكلما كان المحتوى أكثر غرابة أو صخبًا أو إثارة للجدل، زادت فرص انتشاره. وهكذا وجد بعض الجهال الطريق ممهدًا أمامهم للشهرة السهلة، فامتلأت الشاشات بأشخاص يتحدثون في كل شيء دون علم، ويفتون في الدين والطب والتربية والسياسة بلا أدنى مسؤولية.
وأصبحنا نرى من يضحك على اللغة العربية ويخطئ في أبسط قواعدها ثم يتحول إلى نجم، ومن يسخر من القراءة والثقافة باعتبارهما «عقدًا قديمة»، ومن يروج للشائعات والأفكار المشوهة وكأنه يمتلك الحقيقة المطلقة. بل إن بعض الشباب صار يعتبر الثقافة نوعًا من التعقيد، بينما يري أن السطحية خفة ظل، وأن الجهل أقرب إلى الناس وأسهل في الانتشار.
المشكلة ليست فقط في وجود الجهل، فالجهل موجود في كل زمان ومكان، لكن الأزمة الحقيقية في تسويقه وتحويله إلى نموذج ناجح ومؤثر. فحين يرى الطفل أو المراهق أن شخصًا بلا تعليم أو موهبة حقيقية يحقق ملايين المتابعين والأموال، بينما يعاني الباحث أو المعلم أو المثقف من التهميش، فمن الطبيعي أن تختل القيم في ذهنه، وأن يسأل نفسه: لماذا أتعب وأتعلم إذا كانت الشهرة تأتي من التفاهة؟
إننا نعيش لحظة خطيرة تتراجع فيها قيمة العقل أمام سطوة «التريند». لم يعد المهم عند البعض أن يكون الكلام صحيحًا، بل أن يكون منتشرًا. ولم تعد الحقيقة هي المعيار، بل عدد المشاهدات والتفاعلات. ولذلك تنتشر الشائعات بسرعة مخيفة، ويتحول الكذب أحيانًا إلى مادة للتسلية، بينما تتراجع الأصوات العاقلة وسط ضجيج لا ينتهي.
ومن المؤلم أن بعض وسائل الإعلام ساهمت، بقصد أو دون قصد، في صناعة هذه الظاهرة، عندما فتحت أبوابها لأشخاص لا يملكون أي قيمة حقيقية سوى قدرتهم على إثارة الجدل. فأصبحنا نرى من يُستضاف لأنه «تريند»، لا لأنه صاحب فكر أو تجربة أو إنجاز. ومع الوقت، تسلل هذا النموذج إلى وعي الناس، وأصبح البعض يظن أن الشهرة وحدها دليل نجاح، حتى لو كانت قائمة على الجهل والابتذال.
ولا يمكن إنكار أن هناك مسؤولية مشتركة تقع على الأسرة والمدرسة والمؤسسات الثقافية والإعلامية. فالبيت الذي لا يشجع أبناءه على القراءة، ولا يغرس فيهم احترام العلم، يتركهم فريسة سهلة لعالم سطحي يلمع فيه كل فارغ. والمدرسة التي تكتفي بالحفظ والتلقين دون بناء العقل النقدي، تخرج أجيالًا عاجزة عن التمييز بين الحقيقة والزيف. أما الإعلام الذي يلهث خلف الإثارة فقط، فإنه يشارك في تحويل الجهل إلى سلعة رائجة.
لكن رغم كل ذلك، يبقى الأمل قائمًا. فالمجتمعات لا تبنى بالضجيج، بل بالعلم والعمل والوعي. والتاريخ يعلمنا أن موجات التفاهة مهما انتشرت، فإنها مؤقتة، بينما يبقى أصحاب الفكر الحقيقي أكثر تأثيرًا على المدى البعيد. وربما تكون الأزمة الحالية جرس إنذار يدفعنا لإعادة الاعتبار للثقافة والتعليم واحترام العقول.
نحن بحاجة إلى مشروع مجتمعي يعيد للمعرفة مكانتها، ويقدم القدوة الحقيقية للشباب، ويحتفي بالمبدعين والعلماء والمعلمين بدلًا من صناع الضجيج. بحاجة إلى إعلام يصنع الوعي لا «التريند»، وإلى مدارس تعلم التفكير لا الحفظ فقط، وإلى أسر تدرك أن بناء العقل أهم من شراء أحدث هاتف أو متابعة أحدث موضة.
فالجهل حين يتحول إلى «تريند» لا يهدد الثقافة فقط، بل يهدد مستقبل المجتمع كله. لأن الأمم لا تسقط فجأة، وإنما تبدأ رحلة سقوطها عندما تختل المعايير، ويتراجع احترام العلم، ويصبح الجاهل نجمًا بينما يُدفع أصحاب العقول إلى الهامش.
ولهذا، فإن المعركة الحقيقية اليوم ليست فقط ضد الجهل، بل ضد الاحتفاء به، وتقديمه باعتباره أمرًا طبيعيًا أو مسليًا أو مقبولًا. فالمعرفة ليست رفاهية، والوعي ليس ترفًا، بل هما خط الدفاع الأول عن المجتمع والدولة والإنسان.