رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

الخط المفتوح


في جولة لي داخل بعض المدن الجديدة ، ظننت انني في حي أوروبي أو أمريكي؛ أسماء المحلات بالإنجليزية، لافتات الشوارع بألفاظ أجنبية، والتجمعات السكنية تحمل مسميات مثل “جاردنز”، “هايتس”، “بارك”، و”سيتي”. حتى صالون الحلاقة لم يعد “حلاقًا”، والمقهى صار “كافيه”، والمتجر “ستور”. وهنا يفرض السؤال نفسه بقوة: لماذا أصبح بعضنا يخجل من لغته العربية؟ وكيف تحولت اللغة التي كانت يومًا وعاء الحضارة والعلم إلى لغة يتجنبها البعض في اللافتات والعناوين؟
اللغة ليست مجرد وسيلة للتواصل، بل هي هوية وانتماء وتاريخ. حين تضعف اللغة في الوعي الجمعي، يضعف معها الشعور بالخصوصية الحضارية. وما يحدث اليوم ليس مجرد تطور طبيعي، بل هو انعكاس لتحولات ثقافية واجتماعية جعلت بعض الناس يربطون اللغة الأجنبية بالرقي، بينما ينظرون إلى العربية باعتبارها أقل جاذبية في عالم التجارة والاستثمار. إنها أزمة ثقة أكثر منها أزمة لغة.
لقد أسهمت العولمة والانفتاح الإعلامي في ترسيخ صورة ذهنية خطيرة، مفادها أن الاسم الأجنبي أكثر فخامة وربحية. بعض أصحاب المحلات يظنون أن اللافتة الأجنبية تجذب الزبائن أكثر، وأن تسمية المشروع السكني باسم إنجليزي تمنحه قيمة تسويقية أعلى. وهكذا أصبح “جرين فالي” أكثر إغراء من “الوادي الأخضر”، و”رويال بلازا” أكثر جذبًا من “الساحة الملكية”، رغم أن المعنى واحد، لكن الانبهار الشكلي غلب الاعتزاز بالمضمون.
ولا يمكن إنكار دور التعليم والإعلام في هذه الظاهرة. حين ينشأ الطفل وهو يرى المدارس الدولية أرقى، والإعلانات الأجنبية أكثر حضورًا، والمحتوى العربي أقل جودة في بعض الأحيان، تتكون لديه قناعة غير مباشرة بأن النجاح يرتبط باللغة الأجنبية. ومع الوقت، تتحول العربية في ذهن البعض إلى لغة منزلية أو تراثية فقط، بينما تصبح الإنجليزية أو الفرنسية لغة “المستقبل”. وهنا تكمن الخطورة، لأن الأمم لا تتقدم بالتنكر لجذورها، بل بالانفتاح الواعي دون ذوبان.
المفارقة أن كثيرًا من الدول المتقدمة تتمسك بلغاتها بشدة. فرنسا تفرض حضور الفرنسية في مؤسساتها، والصين واليابان وكوريا نهضت بلغاتها الوطنية دون أن تتخلى عنها لصالح الإنجليزية. لم يشعر الياباني يومًا أن التقدم يتطلب تغيير أسماء شوارعه إلى الإنجليزية، ولا رأت ألمانيا أن قوة اقتصادها تستوجب استبدال لغتها الوطنية. فلماذا يحدث ذلك لدينا نحن، أصحاب واحدة من أغنى لغات العالم؟
اللغة العربية ليست مجرد لغة أدب وشعر، بل لغة حضارة حملت العلوم والفلسفة والطب لقرون طويلة. هي لغة القرآن الكريم، بما يمنحها بعدًا روحيًا وحضاريًا استثنائيًا. والخجل منها ليس إلا انعكاسًا لخلل ثقافي يجب مواجهته، لأن التخلي التدريجي عن حضور العربية في الفضاء العام يعني تآكلًا بطيئًا للهوية.
لسنا ضد تعلم اللغات الأجنبية، بل هي ضرورة في عصر المعرفة، لكن المشكلة تبدأ حين تتحول من وسيلة للتواصل إلى أداة لطمس الذات. المطلوب هو التوازن: نتعلم الإنجليزية ونبدع بها، لكن دون أن نستبدل أسماءنا وشوارعنا ومؤسساتنا بلغة أخرى توحي وكأن العربية عاجزة عن التعبير عن الجمال والرقي.
إن استعادة الاعتزاز بالعربية مسؤولية مشتركة بين الأسرة، والمدرسة، والإعلام، والدولة. يجب تشجيع الأسماء العربية الجذابة للمشروعات، ووضع ضوابط تحفظ حضور اللغة الوطنية في اللافتات العامة، وتقديم محتوى ثقافي حديث يعيد للعربية بريقها في عيون الأجيال الجديدة.
حين نخجل من لغتنا، فإننا نخجل من جزء أصيل من أنفسنا. أما حين نعتز بها، فنحن لا نرفض العالم، بل ندخله من أبوابنا نحن، لا من أبواب الآخرين. فاللغة العربية ليست عبئًا على الحداثة، بل يمكن أن تكون عنوانًا لها… إذا أحسنا الثقة بها.

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة