نظرة
لم يعد الحصول على لقب "خبير اقتصادي" يتطلب دراسة منحنيات التضخم أو فهم سياسات الفيدرالي الأمريكي؛ فالهاتف المحمول حوّل "المصطبة" إلى أكاديمية دولية. الآن، يكفيك أن تفتح بثاً مباشراً، لترسم ملامح الجدية وتقسم بالله العظيم أن الذهب سيهبط للأرض أو يلامس السحاب، وأنت في الحقيقة لا تملك في محفظتك سوى "فيزا" فارغة ووصل أمانة لتاجر السجاد.. العجيب أن هذا الخبير يتحدث عن "السيولة المالية" وكأنه يدير صناديق استثمارية في "وول ستريت"، بينما كل خبرته في إدارة المال هي "جمعية" مع جيرانه، تعثر في سداد قسطها الثالث.
أما عن العيادات الطبية فى عالم السوشيال ميديا فقد تم تحويلها لمولات تجارية، طالما أن "البروفيسور حمادة" قرر أن يعالج البشرية بـ "اللايك والشير". تجده يجلس أمام كاميرا مهتزة، يرتدي نظارة طبية (لإضفاء وقار مزيف)، ويؤكد لك أن السرطان والفشل الكلوي وتساقط الشعر كلها مؤامرات كونية، وعلاجها الوحيد هو "مغلي ليف النخل مع رشة زعتر". المأساة الحقيقية ليست في جهله، بل في تلك النبرة الواثقة وهو يقول: «ارمي الأنسولين واتبع وصفتي»، وكأن جسد الإنسان أصبح "حقل تجارب" لمجموعة من الهواة، يبحثون عن "التريند" ولو كان الثمن جنازة المشاهد
المثير للدهشة أن خبير الصباح الاقتصادي يتحول مساءً إلى محلل سياسي، وبعد العشاء يصبح مستشارًا أسريًا يحذر الزوجات من “الطاقة السلبية للزوج الصامت”، وقبل النوم بدقائق يقدم وصفة لتقوية عضلات البطن باستخدام قشر البطيخ.والأكثر إثارة أن هؤلاء الخبراء يمتلكون ثقة لا يملكها علماء ناسا أنفسهم. يتحدث أحدهم عن الاقتصاد العالمي وكأنه كان حاضرًا اجتماع صندوق النقد، بينما هو في الحقيقة يصور الفيديو من فوق سطح المنزل بجوار طبق الدش. و هو نفس الشخص الذي كان يشرح بالأمس طريقة عمل الكشري على أصوله، عاد اليوم ليحلل الأوضاع الجيوسياسية في الشرق الأوسط، وغدًا ربما يقدم نصائح لتصميم المفاعلات النووية، طالما أن الكاميرا مفتوحة والإنترنت يعمل.
أما الجمهور، فقد دخل في مرحلة “الاستسلام العقلي”. مواطن فتح هاتفه ليشاهد مباراة كرة، فأنهى الليلة مقتنعًا أن علاج الصلع موجود في البقدونس، وأن حل أزمة المرور يكمن في تربية الحمام فوق أسطح الأتوبيسات و أن لديه مشروعًا قوميًا يمكنه إنقاذ الاقتصاد العالمي، وأن سبب تأخره في الحياة هو أنه لم يشرب الماء بالليمون على الريق
وفي عالم السوشيال ميديا، لا قيمة لشهادة أو خبرة أو سنوات تعب. المهم أن تتحدث بسرعة، وتلوّح بيديك كثيرًا، وتقول للمشاهد كل دقيقتين: «ركز معايا علشان المعلومة دي هتغير حياتك».
المشكلة ليست في الترفيه أو حتى الآراء الطريفة، بل في تحول كل صاحب كاميرا إلى “مفتي كوني شامل”، يعطي نصائح في الطب والاقتصاد والسياسة والتربية، بنفس الثقة التي يطلب بها فنجاناَ ثقيلاً من القهوة.
ولأن السوشيال ميديا لا تعترف بالشهادات أو الخبرة، أصبح معيار النجاح الحقيقي هو عدد المشاهدات لا عدد سنوات الدراسة. فكلما ارتفع صوت المتحدث، زادت فرص اعتباره «خبيرًا استراتيجيًا»، خاصة إذا استخدم كلمات مثل «لو ركزت معايا»، و«المعلومة دي محدش قالها قبل كده»، و«أنا هصدمك بالحقيقة».
المشكلة ليست في وجود محتوى ترفيهي أو آراء شخصية، فذلك أمر طبيعي، لكن الكارثة حين يتحول الرأي العابر إلى حقيقة مطلقة، والنصيحة المرتجلة إلى وصفة يتعامل معها البعض باعتبارها قانونًا علميًا.
في زمن «التريند»، يبدو أن أخطر الأمراض لم تعد نقص الوعي، بل الثقة الزائدة في معلومات تم الحصول عليها من إعلان مسحوق غسيل وفيديو رقصة على أغنية شعبية.
وربما يأتي اليوم الذي نستيقظ فيه لنجد تطبيقات التواصل الاجتماعي قد ألغت الجامعات تمامًا، واكتفت بمنح المستخدم بعد ألف متابع لقب «دكتور»، وبعد مليون مشاهدة لقب «خبير دولي معتمد».