رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

نظرة

مهما طالت أزمات الشرق الأوسط، فإن نهايتها حتمية، عاجلًا أم آجلًا. غير أن السؤال الأهم لا يتعلق بموعد انتهاء الأزمة، بل بما سيأتي بعدها: هل سيظل النظام العالمي على حاله، أم أننا على أعتاب مرحلة جديدة تعيد تشكيل موازين القوى والعلاقات الدولية؟


لقد كشفت الأزمة الراهنة عن تصدعات واضحة في بنية النظام الدولي، الذي ظل لعقود طويلة قائمًا على هيمنة قوة كبرى واحدة. إلا أن تطورات الأحداث أظهرت أن هذا النموذج لم يعد قادرًا على فرض استقراره كما كان في السابق، في ظل تنامي أدوار قوى دولية وإقليمية تسعى إلى إعادة التوازن.

في هذا السياق، بدأت أوروبا في مراجعة حساباتها، مدفوعة تداعيات سياسية واقتصادية وأمنية، جعلتها تفكر جديًا في تعزيز استقلال قرارها بعيدًا عن الهيمنة التقليدية لـ الولايات المتحدة. وهو ما يطرح تساؤلات حول مستقبل تحالفات كبرى مثل الناتو وهل باتت أمام مرحلة إعادة تعريف أو حتى تفكك تدريجي.

نرى انه قد عملت موسكو على تعزيز حضورها السياسي والعسكري، مستفيدة من الأزمات الدولية لإعادة فرض نفسها كقوة لا يمكن تجاهلها. وقد تبنّت روسيا خطابًا يدعو إلى كسر هيمنة القطب الواحد، والتوجه نحو نظام عالمي أكثر توازنًا، هذه الديناميكيات، تبدو موسكو حريصة على تثبيت نفوذها، ليس فقط عبر القوة الصلبة، بل أيضًا من خلال بناء تحالفات وشراكات جديدة تعيد رسم خريطة النفوذ العالمي.

و تطرح الصين، مبادرة حظيت باحترام و قبول العديد من الدول لأنها تهدف إلى البناء و ليس الهدم و السلام و تجنب و يلات الحروب تقوم على التعددية القطبية واحترام القانون الدولي، مع التأكيد على حق الدول النامية، خاصة في أفريقيا وأمريكا الجنوبية، في تحقيق التنمية والنمو. خطاب يعكس توجهًا يسعى إلى بناء شراكات قائمة على المصالح المشتركة، لا على فرض الهيمنة.

ولا يمكن إغفال صعود قوى إقليمية أخرى، مثل الهند وباكستان، التي تمتلك مقومات اقتصادية وبشرية تؤهلها للعب أدوار أكبر أن لم يكن اليوم فسيكون خلال السنوات المقبلة، ما يعزز من فكرة عالم متعدد الأقطاب، تتوزع فيه مراكز القوة والنفوذ.

وبين هذا وذاك، يظل السؤال ا حاضرًا: كيف ستُبنى العلاقات الدولية بعد انتهاء الأزمة؟ هل ستنحاز الدول إلى من أشعل فتيل الصراعات، أم إلى من دعا للحكمة وضبط النفس واحترام القوانين الدولية؟ وهل سيكون المستقبل محكومًا بمنطق القوة، أم بمنطق التعاون؟


إن العالم يقف اليوم عند مفترق طرق تاريخي، حيث لم يعد بالإمكان العودة إلى ما كان عليه النظام الدولي دون مراجعة. فإما أن تتجه البشرية نحو نظام أكثر توازنًا وعدالة، يفتح المجال أمام الجميع للمشاركة في صنع القرار، أو تستمر في دوامة الصراعات التي تعيد إنتاج الأزمات. وبين هذا الخيار وذاك، ستتشكل ملامح عالم ما بعد العاصفة.

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة