رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب



تمثل الأسرة في الوجدان المصري والعالمي حجر الزاوية الذي يقوم عليه بناء الدولة، فهي الحصن الأول الذي تتشكل فيه قيم الانتماء، والوعي، والأخلاق، ومع ذلك، يواجه العالم المعاصر، ومصر ليست بمنأى عنه، زلزالاً اجتماعياً صامتاً يعصف بكيان الأسرة، محولاً إياه في كثير من الأحيان من سكن روحي وسكينة نفسية إلى ساحات للنزاع القانوني والشقاق المستمر، فالتحولات الثقافية السريعة، والضغوط الاقتصادية المتزايدة، وتداخل الفضاء الرقمي مع الخصوصية العائلية، أحدثت فجوات عميقة في جدار الأسرة، مما استوجب تدخلاً استراتيجياً وحاسماً من الدولة المصرية، لإعادة صياغة العقد الاجتماعي العائلي بما يضمن العدالة والاستقرار.
وبدأت ملامح الأزمة الحديثة من تغير مفهوم المرونة في العلاقات الزوجية، حيث طغت الفردية على الروح الجماعية داخل البيت الواحد، وأصبح الصراع على الحقوق يتقدم على أداء الواجبات، وهو ما أدى إلى ارتفاع مخيف في معدلات الطلاق، لا سيما في السنوات الأولى من الزواج، وهذا المشهد المأزوم لم يكن ليقف عند حدود الغرف المغلقة، ولكن امتد ليزحم أروقة المحاكم بآلاف القضايا المتعلقة بالنفقة، والرؤية، والولاية التعليمية، ومن ثم انطلقت رؤية القيادة السياسية المصرية التي أدركت مبكراً أن انهيار الأسرة يعني انهيار المجتمع، وأن الأمن القومي يبدأ من استقرار البيت، مما جعل قضية قانون الأحوال الشخصية الجديد تتصدر قائمة الأولويات الوطنية كضرورة حتمية لا تقبل التأجيل.
ولقد وضعت القيادة السياسية يدها على الجرح عندما وجه بضرورة صياغة قانون متوازن للأحوال الشخصية، يهدف في المقام الأول إلى حماية الأطفال، الطرف الأضعف في أي نزاع عائلي، وتقوم فلسفة التشريع الجديد التي تتبناها الدولة تقوم على مبدأ العدالة الناجزة، أي إنهاء حالة المماطلة التي كانت تميز قضايا الأسرة قديماً، فالعدالة المتأخرة في جوهرها ظلم، وضياع سنوات من عمر الطفل أو المطلقة في أروقة المحاكم يورث ضغينة اجتماعية لا تزول؛ لذا، جاء التوجه نحو رقمنة إجراءات التقاضي، وتغليظ العقوبات على إخفاء الدخل أو التلاعب بالنفقة، لضمان وصول الحقوق لأصحابها في أسرع وقت، مما يسهم في تهدئة حدة النزاعات وتقليل آثارها النفسية.
وفي خطوة استباقية جاء التوجيه الرئاسي بإنشاء صندوق دعم الأسرة المصرية، ليكون صمام أمان مادي في فترات النزاع الحرجة، وتنبع فكرة الصندوق من واقع مرير كانت تعيشه آلاف الأسر، حيث يجد الأطفال أنفسهم بلا عائل أو مورد مالي بمجرد وقوع الانفصال بانتظار أحكام النفقة، ويهدف هذا الصندوق إلى ضمان استمرارية الإنفاق على الأطفال وحمايتهم من التشرد أو الحاجة، مما ينزع فتيل الأزمات المادية التي كانت تستخدم كسلاح للضغط والانتقام بين الطرفين، ويؤكد أن الدولة هي الأب الروحي والحامي لكل طفل مصري.
وتتبنى الدولة استراتيجية شاملة ترتكز على مسارين متوازيين، الوقاية كتحصين استباقي، والعلاج كحماية للمكتسبات؛ حيث تتجلى الجهود الوقائية في مبادرات التوعية والتأهيل التي تستهدف المقبلين على الزواج، كما أن الدعوة للخضوع لدورات تأهيلية وفحوصات طبية ونفسية دقيقة تعد إجراء تنظيمي، وضرورة لضمان بناء الأسرة على ركائز شرعية وعلمية وواقعية صلبة، تضمن للرباط المقدس أن يبدأ من نقطة الوعي والمسؤولية.
وتؤمن الدولة أن استيعاب الحقوق والواجبات قبل الانخراط في الميثاق الغليظ هو الضمانة الأكيدة لتقليص فجوات الصدام، وتخريج أجيال من الآباء والأمهات القادرين على إدارة التحديات بحكمة واقتدار، ومن ثم تضطلع الدولة بدور الموجه والمؤسس، الذي يسعى لتقليل حالات الطلاق من منبعها، وحماية الكيان العائلي قبل أن تفتك به رياح الخلاف العاصفة، لتظل الأسرة المصرية محضناً آمناً يربي الإنسان ويصون تماسك المجتمع.
وتتجلي قضية الاستقرار العائلي المنشود، كهدف استراتيجي يخدم بناء الإنسان المصري، فالمجتمع الذي يتمتع ببيئة أسرية مستقرة هو مجتمع أقل عرضة للجريمة، والتطرف، والأمراض النفسية، وتولي القوانين الجديدة أهمية قصوى لمسألة الرؤية والاستضافة، لتضمن للأب أو الأم غير الحاضن علاقة سوية مع أبنائه، بعيداً عن كيد المشاحنات، وتحويل الرؤية من مجرد ساعات في مراكز الشباب إلى استضافة تنمي الروابط الإنسانية هو نقلة نوعية في الوعي الاجتماعي، تضع مصلحة الطفل فوق أي اعتبار شخصي، وتنشئه في بيئة سوية نفسياً رغم انفصال الوالدين.
ويتضح دعم الأسرة المصرية في تمكين المرأة وحفظ كرامتها، مع التأكيد في الوقت ذاته على دور الأب ومسؤوليته، فالتوازن هو الكلمة السحرية في القوانين المرتقبة؛ حيث لا يظلم طرف على حساب آخر، فالدولة تسعى لإنهاء عصر قضايا النفقة التي لا تنتهي، عبر ربط قواعد البيانات الرسمية بالمحاكم، بحيث يتم تحديد الدخل الحقيقي بدقة متناهية، مما يضمن كرامة الأم المطلقة وفي الوقت ذاته لا يرهق كاهل الأب بما يفوق طاقته، مما يوفر نوعاً من الرضا المجتمعي والقبول بأحكام القانون.
ويمثل الاستقرار الأسري على صعيد حماية كيان المجتمع، حائط صد ضد محاولات تفتيت الهوية، فالأسرة هي الحاضنة الأولى للقيم الوطنية والدينية، واهتزازها يجعل الأجيال الجديدة فريسة لثقافات دخيلة ومضللة؛ لذا، فإن استثمار الدولة في تشريعات الأسرة هو في الحقيقة استثمار في رأس المال البشري، فالقوانين الجديدة، والصندوق الداعم، والرقابة الصارمة، كلها أدوات تهدف لمواكبة أحداث العصر ومتغيراته، بما يضمن أن يظل البيت المصري واحة للأمان، وليس ساحة للصراع الذي يدفع ثمنه المجتمع كله من مستقبله.
ويعد التوجه نحو التحكيم الأسري وتفعيل آليات الوساطة نقلة نوعية في فلسفة فض النزاعات، حيث تسعى الدولة جاهدة لتشجيع الحلول الودية وإعادة بناء جسور الثقة المنهارة بين الأطراف والتراضي، إيماناً بأن القضاء يجب أن يكون ملاذاً أخيراً وليس أولاً، وهو نهج حضاري يهدف إلى احتواء الخلافات في مهدها قبل أن تتصاعد في أروقة المحاكم، مما يحفظ للأسرة كرامتها وللأطراف خصوصيتهم، ويعمل هذا المسار التوفيقي على حماية شعرة معاوية بين العائلات، ويحد من مشاعر العداء والخصومة التي غالباً ما تخلفها النزاعات القضائية الطويلة، وبذلك، يمتد أثر الوساطة ليصب في مصلحة السلم العام والسكينة المجتمعية؛ وهي الغاية الأسمى لكل تشريع عادل يطمح إلى وأد الشقاق وتحويل النزاع إلى فرصة للتفاهم، حفاظاً على النسيج الاجتماعي من التمزق والانهيار.
وتمثل أزمة الأسرة المصرية تحدياً وجودياً استجاب له القرار السياسي بشجاعة ومسؤولية تاريخية، إدراكاً بأن العبور بالأسرة من أروقة النزاع إلى رحاب المودة والرحمة يتطلب تلاحماً وثيقاً بين صرامة القانون ويقظة الوعي المجتمعي، فما نشهده اليوم من تشريعاتٍ عصرية، وما تبديه القيادة السياسية من حرصٍ أبوي صادق، يضع حجر الأساس لعهد جديد من الاستقرار؛ عهد يسعى لترسيخ عقد اجتماعي قوامه العدل، وغايته حماية الكيان الأسري من الضعف والانهيار، فالطفرة العمرانية الكبرى من مدن وطرق وجسور، رغم عظمتها، تظل ناقصة ما لم تكتمل ببناء الإنسان داخل أسرة مستقرة يسودها الوئام ويظلها القانون، فالدولة المصرية تؤمن يقيناً أن قوة الوطن تقاس بصلابة بنيانه وبسلامة كياناته الصغرى، حيث تبدأ نهضة مصر من أمن واستقرار الأسرة؛ فالهدف الأسمى هو بناء جيل سوي وعائلة آمنة تكون النواة الصلبة لوطن قوي شامخ.

بقلم
أ.د/ مها محمد عبد القادر
أستاذ أصول التربية
كلية التربية بنات بالقاهرة - جامعة الأزهر

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة