رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

قهوة الصباح


ليست عبارة عابرة تلك التى يكررها الرئيس عبدالفتاح السيسى فى أكثر من مناسبة حين يقول للمصريين: «حافظوا على بلادكم». ثلاث كلمات تبدو فى ظاهرها بسيطة، لكنها فى حقيقتها تحمل معنى أعمق بكثير من مجرد نصيحة أو توجيه سياسى. إنها أقرب إلى دستور أخلاقى مختصر، أو عقد اجتماعى غير مكتوب، يحدد مسئولية كل فرد تجاه وطنه. فالدول لا يحميها السلاح وحده، ولا تصونها الجيوش فقط، بل يحميها قبل ذلك وعى شعوبها، ويصونها إحساس المواطنين بأن الوطن ليس مجرد أرض يعيشون عليها، بل كيان ينبغى الدفاع عنه بالكلمة كما يُدافع عنه بالفعل.

وإذا كان الخطر التقليدى الذى يهدد الدول يأتى من الخارج، فإن أخطر ما يهدد المجتمعات فى عصرنا يأتى أحيانًا من الداخل، عبر فوضى الكلمة وانفلات المسئولية، وهو ما يمكن أن نطلق عليه بلا تردد فوضى السوشيال ميديا.

لقد تحولت المنصات الرقمية فى السنوات الأخيرة إلى ساحات مفتوحة لكل من يملك هاتفًا وكاميرا. لا معايير واضحة، ولا مسئولية حقيقية، ولا تدقيق فيما يقال أو يُنشر. فجأة أصبح كل من هبّ ودبّ خبيرًا فى الاقتصاد، ومحللاً فى السياسة، ومتخصصًا فى الطب، وناقدًا للصناعة الوطنية، ومصدرًا للمعلومات. بضغطة زر يمكن لأى شخص أن يبث مقطعًا مباشرًا يشاهده آلاف الناس، وأن يطلق فيه ما يشاء من ادعاءات أو شائعات أو اتهامات، دون أن يسأل نفسه لحظة: هل ما أقوله صحيح؟ وهل ما أنشره يخدم بلدى أم يضر به؟

المشكلة هنا لا تتعلق بحرية التعبير، فحرية التعبير قيمة أصيلة لا يمكن إنكارها، لكنها تصبح خطرًا حقيقيًا حين تتحول إلى فوضى بلا ضوابط، أو إلى سلاح يُستخدم فى هدم الثقة داخل المجتمع.

انظر مثلاً إلى بعض الوقائع التى انتشرت مؤخرًا. فتاة خرجت عبر وسائل التواصل لتحذر الناس من شراء الفراولة بزعم أنها «مسرطنة». خلال ساعات انتشرت القصة كالنار فى الهشيم، وتضرر مزارعون وتجار، واهتزت سمعة منتج زراعى مصرى بالكامل، قبل أن يتبين أن الكلام لا أساس له من الصحة. هل فكرت هذه الفتاة لحظة فى حجم الضرر الذى قد تسببه كلمة غير مسئولة؟

ثم نسمع فجأة رواية غريبة عن اختفاء ملايين الحمير فى مصر، وأن بعضها ربما تسرب إلى المطاعم! رواية عبثية، لكنها انتشرت وكأنها حقيقة علمية، وأصبحت مادة للسخرية والتشويه فى وسائل إعلام خارجية.

وفى مناسبة أخرى، تخرج شخصية إعلامية لتكيل الاتهامات لصناعة الدواء المصرية، وكأنها صناعة بلا قيمة أو رقابة، رغم أن هذه الصناعة تمثل أحد الأعمدة المهمة للاقتصاد الوطنى، وتوفر ملايين الجرعات العلاجية للمصريين.

السؤال هنا ليس فقط: لماذا تحدث هذه الأمور؟ بل السؤال الأهم: لماذا تمر أحيانًا دون حساب أو تصحيح سريع؟

إن أخطر ما تفعله الشائعات ليس مجرد نشر معلومات خاطئة، بل هدم جدار الثقة داخل المجتمع. حين يسمع المواطن يوميًا أن الطعام ملوث، والدواء فاسد، والمشروعات فاشلة، والاقتصاد منهار، فإن الشعور العام يتحول تدريجيًا من الثقة إلى الشك، ومن الأمل إلى الإحباط.

وهنا يصبح الضرر وطنيًا حقيقيًا، لأن الدول لا تنهار فجأة، بل تتآكل ببطء حين يفقد المجتمع ثقته بنفسه.

الحفاظ على الوطن لا يعنى فقط الدفاع عنه فى الحروب، بل يعنى أيضًا حماية سمعته، وصون مؤسساته، وعدم نشر الأكاذيب التى تضرب ثقة الناس فى بلدهم.

إن كلمة «حافظوا على بلادكم» ليست شعارًا سياسيًا، بل مسئولية جماعية. مسئولية المواطن حين يكتب أو يتحدث، ومسئولية الإعلامى حين ينشر أو يحلل، ومسئولية المسئول حين يوضح الحقائق ويواجه الشائعات.

فالوطن ليس مجرد جغرافيا على الخريطة، بل صورة فى عقول أبنائه. وإذا تشوهت هذه الصورة بفعل الفوضى والكذب والابتزاز، فإن الخطر يصبح أكبر بكثير من مجرد منشور عابر على منصة رقمية.

لهذا، فإن حماية الوطن اليوم تبدأ من الكلمة المسئولة، ومن إدراك بسيط لكنه عميق:

.. قبل أن تنشر خبرًا أو تطلق اتهامًا أو تبث شائعة

اسأل نفسك سؤالاً واحدًا فقط:

هل هذا يحافظ على بلدى؟ أم يهدمها؟

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة