رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

لا تفهمونا غلط..



أعجبني جداً هذا النبض السياسي الذي انطلق من قلب القاهرة، حيث لم يكن نداء الرئيس عبد الفتاح السيسي للرئيس الأمريكي دونالد ترامب مجرد لغة دبلوماسية ناعمة، بل كان "رمية معلم" في توقيت شديد الحساسية. أن تصف القائد الأمريكي بأنه "محب للسلام" في ذروة اشتعال المنطقة، هو ذكاء سياسي حاد يضع القوة العظمى أمام مسؤوليتها التاريخية، ويؤكد أن القاهرة لا تكتفي بمراقبة الأحداث، بل تصنع المبادرات التي تملك القدرة على إيقاف نزيف الدماء وفك شفرات الأزمات المستعصية. من "أرض السلام" خرجت الصرخة، ومن رجل يدرك جيداً كيف يخاطب لغة القوة لصالح الإنسانية، ليعلن للعالم أن مفتاح الاستقرار يبدأ دائماً من هنا.. من القاهرة السياسة في قلب القاهرة لم تعد تكتفي بـ "إدارة الأزمات"، بل انتقلت إلى مرحلة "إدارة الحلول". هذا "النبض السياسي" الذي شعرت به هو انعكاس لثقة الدولة في قدرتها على التأثير في القرار العالمي، انطلاقاً من مكانتها كـ أرض للسلام.
دائماً ما كانت القاهرة بوصلة السلام في المنطقة، واليوم نجد أنفسنا أمام مشهد سياسي يبرز حنكة القيادة المصرية وقدرتها الفائقة على قراءة المشهد الدولي بلغة العصر، فما أطلقه الرئيس عبد الفتاح السيسي من نداء مباشر وصريح للرئيس الأمريكي دونالد ترامب يعكس إدراكاً عميقاً وشاملاً لتعقيدات الصراع الإقليمي الحالي وتطوراً ذكياً في التعامل مع شخصية الرئيس الأمريكي، ووصف الرئيس السيسي لترامب بأنه "محب للسلام" ليس مجرد مديح دبلوماسي عابر بل هو استباق سياسي بارع يرمي الكرة في ملعب واشنطن ويضعها أمام مسؤوليتها التاريخية لكبح جماح التصعيد الإسرائيلي الأمريكي الإيراني الذي تجاوز كل الخطوط الحمراء، وهو النداء الذي يهدف بالأساس إلى وضع حد لهذه الحرب المشتعلة بالفعل والتي هددت بإحراق الإقليم بأسره، فالرئيس يدرك بيقين القائد أن استمرار هذه المواجهة يعني الدخول في نفق الدمار الشامل الذي لن ينجو منه أحد، وسيعيد صياغة المنطقة على أنقاض الدول والمجتمعات، ومن هنا جاء النداء ليحفز في ترامب روح القائد القوي القادر على وقف هذا الانفجار وحماية استقرار المنطقة من سيناريوهات كارثية لا تحتمل التأجيل ، وأظن ان هناك بوادر استجابة .
إن التحرك المصري الأخير لم يكن وليد الصدفة بل جاء انطلاقاً من عقيدة راسخة بأن أمن الخليج العربي والمنطقة هو جزء لا يتجزأ من أمن مصر القومي، ومن أجل هذا المبدأ رأينا تحركات مكوكية وجهوداً مضنية قادها الرئيس السيسي بنفسه وعززتها الزيارات الدبلوماسية المكثفة التي قام بها بدر عبد العاطي وزير الخارجية إلى العواصم الخليجية واسلام اباد لتنسيق المواقف وبعث رسالة طمأنة للأشقاء بأن القاهرة تقف بقلبها وثقلها العسكري والسياسي خلف استقرار الخليج ضد أي تهديدات خارجية، فالخطر الإيراني الذي تجاوز مجرد التلويح ووصل إلى حد استهداف المطارات والموانئ والمصافي النفطية في دول الخليج تطلب هذا الاستنفار الدبلوماسي المصري لبناء جبهة موحدة ترفض تحويل المنطقة إلى ساحة لتصفية الحسابات الدولية، وتأتي رسالة السيسي لترامب كتتويج لهذه الجهود لتؤكد أن إنهاء هذه الحرب هو السبيل الوحيد لضمان تدفق الطاقة وحماية الملاحة العالمية واستقرار المنطقة التي يدفع ثمن اضطرابها العالم أجمع، ولتجنب وقوع الكارثة الكبرى التي قد تنجم عن صدام عسكري متعدد ومباشر وواسع النطاق يهدد بانهيار المنظومة الإقليمية بالكامل. والحق أن المتابع للسياسة الخارجية المصرية يلحظ أن الموقف يتكرر اليوم بصورة تُكرّس الثوابت المصرية وتؤكد ريادتها ، حيث يضع السيسي ملف المواجهة الثلاثية على طاولة الاهتمام الدولي الأول مستخدماً لغة يفهمها ترامب جيداً وهي لغة التأثير المباشر والقدرة على تغيير الواقع، فبالعودة قليلاً للوراء نجد أن الرئيس السيسي هو من استطاع بذكاء لافت أن يحضر الرئيس ترامب لمصر ومعه قادة العالم في قمة تاريخية ليؤكد للجميع أن مصر هي الركيزة التي لا يمكن تجاوزها في أي ترتيبات تخص أمن الشرق الأوسط، واليوم يجدد الرئيس السيسي ثقته في أن القيادة القوية القائمة على التفاهم المشترك هي وحدها القادرة على وقف هذه الحرب ومنع انزلاقها لمستويات أكثر دموية وتدميراً، ونحن نثق تماماً أن هذا النداء سيجد صدى واسعاً لدى ترامب الذي يرى في السيسي حليفاً قوياً وصادقاً يعبر عن صوت العقل والاتزان ويدرك أن استهداف إيران لدول الخليج وغلق مضيق هرمز يمثل اعتداءً مباشراً على مصالح العالم ومبادئ الاستقرار التي تنادي بها القاهرة دائماً في كل المحافل الدولية.
إن الإصرار المصري على وقف هذه الحرب ينبع من رؤية إستراتيجية ترى أن المواجهة الحالية بين واشنطن وتل أبيب وطهران هي وصفة مؤكدة للدمار الشامل، حيث تتداخل فيها الأسلحة المتطورة بالصواريخ الباليستية والمسيرات مما يجعل كلفة الحرب تفوق أي مكاسب سياسية متوقعة، فالرئيس السيسي بكلماته لترامب يذكره بأن التاريخ يخلد صناع السلام لا مشعلي الحروب وأن القدرة على إيقاف النزيف هي الاختبار الحقيقي للقيادة في الأوقات الصعبة، وفي هذا السياق الكارثي، حيث اشتعل فتيل الأزمة وبات الدمار يهدد بالتهام المنطقة بأسرها، تبرز القاهرة كقوة دفع إيجابية تحاول نزع صاعق التفجير قبل الوصول إلى نقطة اللاعودة. مستندة إلى إرث باذخ من المبادرات الناجحة التي رسخت مكانة مصر كـ وسيط نزيه ومقبول لدى كافة القوى الدولية، وهو ما يفسر لماذا تتجه أنظار العالم دائماً إلى ما يصدر عن القاهرة من رؤى واستراتيجيات في لحظات الخطر الوجودي التي تهدد استقرار الكوكب. إن مصر تدرك بيقين أن الصمت على هذا التصعيد أو التراخي في احتوائه، يعني فتح الأبواب أمام 'محرقة إقليمية' كبرى لن ينجو منها أحد، وستمتد آثارها المدمرة لعقود طويلة.
ولا يمكننا الحديث عن هذه المبادرة دون استحضار السجل الحافل للمواقف المصرية المشرفة التي مهدت لهذا الدور القيادي، فمؤتمر السلام في شرم الشيخ كان شاهداً على قدرة مصر في حشد الإرادة الدولية، وكذلك الدور المحوري في تثبيت وقف إطلاق النار ومنع تمدد الصراعات، والأهم هو الموقف التاريخي والصلب في التصدي لمخططات تهجير الأشقاء حيث وضع السيسي خطوطاً حمراء لم تجرؤ قوة على تجاوزها بل وامتدت الجهود لإعادة الإعمار في رسالة عملية بأن مصر تبني في وقت الهدم، وهذا الرصيد من المصداقية هو ما يجعل نداء السيسي اليوم بشأن الحرب الحالية نداءً ثقيل الوزن فهو ينطلق من قائد أثبتت الأيام صدق رؤيته وقدرته على ضبط إيقاع المنطقة في أحلك الظروف، واليوم يرمي الرئيس الكرة في ملعب ترامب منتظراً تحركاً يتناسب مع حجم الطموحات المشتركة لإرساء قواعد جديدة للأمن تضمن حماية دول الخليج ووقف هذا الدمار الشامل الذي يلوح في الأفق.
ختاماً.. إن نداء الرئيس السيسي للرئيس ترامب اليوم ليس مجرد مبادرة دبلوماسية بل هو "طوق نجاة" أخير لمنطقة تقف على حافة الهاوية، ورسالة واضحة بأن مصر التي استطاعت جمع قادة العالم خلف رؤيتها في شرم الشيخ والقادرة على فرض خطوطها الحمراء لحماية الأمن القومي العربي لن تسمح بتحويل الشرق الأوسط إلى رماد في صراع "الدمار الشامل" بين واشنطن وتل أبيب وطهران؛ فالتاريخ لا يذكر إلا الأقوياء الذين أوقفوا الحروب والرهان الآن على استجابة ترامب لهذا النداء المصري الصادق لنكتب معاً فصل النهاية لهذه المأساة، ونستعيد للخليج العربي أمنه وللعالم استقراره وللقاهرة دورها الأزلي كقلب نابض للسلام والحكمة في وجه العواصف العاتية، فهل تنجو المنطقة من "المحرقة"؟ الإجابة الآن في عهدة البيت الأبيض وبموجب الرؤية التي وضعتها القاهرة بوضوح وشجاعة أمام ضمير العالم أجمع.

مصطفى البلك
[email protected]

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة