رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

ماذا بعد ؟

لقد شهد هذا الموسم زخماً درامياً غير مسبوق، حيث تسابقت أكثر من أربعة أعمال درامية كبرى للاشتباك مع قضية إنسانية وحقوقية بالغة الحساسية، وهي محنة الأب في أعقاب الطلاق. فمن خلال مسلسل "كان يا مكان"، غاصت الدراما في أعماق الصراعات التشريعية لتعلن مواجهة صريحة مع عيوب قوانين الأحوال الشخصية، بينما سلطت أعمال أخرى الضوء على تلك المنطقة الرمادية القاتمة بين كيد النفوس ومقصلة المحاكم، واضعةً "الابنة" وغيرها من الأبناء، الذين استعرضت تلك الأعمال قضاياهم، في لحظات اختيار قاسية تمزق وجدانهم الصغير وتضعهم في مواجهة صراعات لا ذنب لهم فيها. وصولاً إلى ذروة الاشتباك في مجموعة متكاملة من الأعمال التي أحدثت دوياً واسعاً، وكان كل منها بمثابة "بلاغ للرأي العام" ضد قوانين كسر الأب وتصفية الحسابات؛ مما يؤكد أن دراما 2026 لم تعد تكتفي بمجرد رصد الوجع، بل تحولت إلى شريك فاعل ومحرك أساسي لصياغة وعي جمعي يطالب بضرورة تعديل التشريعات، بما يضمن سيادة روح الإنصاف لا غريزة الانتقام، ويحمي مصلحة الصغار الفضلى من الضياع في زحام المعارك الكيدية.

وهنا يبرز سؤال جوهري يفرض نفسه على صدارة المشهد: ماذا بعد هذا التوحد الدرامي غير المسبوق في مناقشة هذه القضية الشائكة؟ وهل يمتلك هذا الحراك الفني القدرة على تجاوز عتبة الشاشة ليحدث أثراً ملموساً في الواقع التشريعي والاجتماعي؟ أما السؤال الثاني والأكثر إلحاحاً فهو: هل تنجح دراما الأحوال الشخصية حقاً في صناعة وعي قانوني حقيقي لدى الجماهير وصناع القرار، أم أنها تكتفي بمجرد رصد الوجع الإنساني وتجسيد الآلام دون تقديم رؤية إصلاحية قادرة على كسر دائرة المعاناة التي يعيشها الأب والأبناء في ردهات المحاكم؟ إن الإجابة على هذه التساؤلات هي التي ستحدد ما إذا كانت مسلسلات هذا العام مجرد صرخة عابرة في فضاء الدراما، أم أنها كانت حجر الزاوية في بناء واقع قانوني أكثر عدلاً ورحمة.

ولعل المتأمل في مسيرة الدراما المصرية والعربية يدرك جيداً أنها لم تكن يوماً مجرد أداة للتسلية، بل كانت دائماً بمثابة المجس الأخلاقي الذي يتحسس مواضع الألم. ومن هنا تأتي أهمية الاشتباك الحالي مع قضايا الأحوال الشخصية، وهو ما تناولته شخصياً في سلسلة مقالات سابقة حاولت تفكيك هذه العلاقة الملتبسة بين الواقع والشاشة؛ ففي مقال "كان يا مكان" استعرضنا كيف تصبح الحكايات مرآة لعيوب تشريعية تسببت في ضياع حقوق أسر بأكملها، ثم انتقلنا في مقالات أخرى لنكشف عن الصراع الإنساني الذي يتجاوز حدود النصوص الجامدة ليشمل الأبعاد النفسية للأبناء، وصولاً إلى مقالي الأخير "بلاغ للرأي العام ضد قوانين كسر الأب"، حيث صار الفن صرخة احتجاج ضد استغلال الثغرات في معارك تصفية الحسابات التي يدفع ثمنها الأطفال أولاً وأخيراً.

إن هذا التراكم في الطرح يضعنا أمام تساؤل عن دور الفن الصادق كقوة ناعمة لا تكتفي بوصف الحالة، بل تسعى لتغيير الواقع عبر إحداث صدمة وعي لدى الجمهور وصناع القرار؛ فالمسألة في جوهرها واجب أخلاقي ومسؤولية اجتماعية تقع على عاتق المبدع. وعندما نتأمل الفجوة الشاسعة بين "المتخيل الدرامي" وبين "الواقع الإجرائي"، نجد مفارقة مؤلمة؛ فالدراما تختزل الزمن وتكثف الأزمة، بينما يضطر أصحاب الحقوق للعيش في دوامة المحاكم لسنوات. إن تسليط الضوء على بطء إجراءات التقاضي هو رسالة محورية لضمان العدالة الناجزة، فالزمن في حياة طفل ينتظر حضانة أو أب يبحث عن رؤية هو نزيف مستمر من أعصابهم ومستقبلهم.

وهنا يبرز ذكاء الطرح في استغلال الثغرات القانونية لتوضيح الحاجة الماسة لتعديلات عاجلة تضمن الإنصاف؛ فملفات الرؤية والاستضافة أو الولاية التعليمية لا تحتمل المواربة، بل تحتاج لمشرع يدرك أن استقرار المجتمع يبدأ من استقرار الأسرة. والتحدي الحقيقي هنا هو الهروب من فخ المباشرة الفجة؛ فالمشاهد يريد إنساناً يشبهه يشعر بوجعه، والسبيل الوحيد لذلك هو "أنسنة القضية" عبر عرض أثر القانون الجامد على مصائر البشر. فحين نرى طفلاً يفقد استقراره بسبب صراع على الولاية، نلمس جوهر المشكلة دون خطابة منبرية، ويصبح البطل الحقيقي هو "الموقف الإنساني" الذي يقودنا لاستنتاج أن هذا القانون قد عفا عليه الزمن.

الفن ليس مجرد وسيلة للترفيه، بل هو أداة قوية للتغيير الاجتماعي. لا يغير القانون بضغطة زر، ولكنه يخلق رأياً عاماً يضغط على المشرع السياسي لاتخاذ خطوة الإصلاح. وفي المنطقة العربية، وتحديداً في مصر، كانت هناك محطات سينمائية ودرامية فارقة أدت بشكل مباشر إلى تحريك المياه الراكدة وتغيير قوانين دامت لعقود. ومن أبرز تلك الأعمال فيلم "أريد حلاً" عام 1975، الذي يعتبر أيقونة التغيير التشريعي؛ حيث سلط الضوء على معاناة المرأة في المحاكم للحصول على الطلاق للضرر والسنوات الطويلة التي تقضيها دون جدوى، مما ساهم في صدور قانون الخلع رقم 1 لسنة 2000 رغم تحفظي عليه، ومهد الطريق لتعديلات قانون الأحوال الشخصية. وكذلك فيلم "جعلوني مجرماً" عام 1954، الذي قدم قصة إنسانية مؤثرة عن شاب يحاول التوبة لكن الصحيفة الجنائية تلاحقه وتمنعه من العمل، وناقش الوصمة الاجتماعية التي تلاحق السجناء السابقين، مما أدى لصدور قانون ينص على محو السابقة الأولى للمخطئ لأول مرة، ليعطيه فرصة لبدء حياة جديدة. كما لعب الفنان فريد شوقي دوراً محورياً في فيلم "كلمة شرف" عام 1972، الذي ناقش رغبة سجين في زيارة زوجته المريضة بضمان كلمة شرفه، وأدى لتعديل لوائح السجون ليُسمح للسجين بالخروج في زيارات استثنائية بضوابط معينة، وهو ما يُعرف بالخروج المؤقت. وفي العصر الحديث، أثار مسلسل "فاتن أمل حربي" عام 2022 جدلاً واسعاً بمناقشة قضايا الولاية التعليمية وسقوط الحضانة وصعوبات النفقة، مما تسبب في تحرك برلماني وتسهيل إجراءات الولاية التعليمية للأم، وسرّع من وتيرة مناقشة قانون الأحوال الشخصية الجديد. بالإضافة لفيلم "678" عام 2010، الذي ناقش قضية التحرش الجنسي وساهم في تغليظ عقوباته وتحويله من جنحة إلى جريمة. ويؤكد لنا التاريخ السينمائي أن الفن كان دائماً المحرك الأول للثورات التشريعية الصامتة؛ فإذا كانت هذه الأعمال قد هزت أركان المجتمع وانتزعت حقوقاً تاريخية، فإن ما نراه في دراما 2026 يمثل امتداداً لهذا الدور، حيث يمكن لهذا الحراك أن يكون المفتاح لإنصاف الأب وحماية الأبناء من تحويل حقوقهم لأسلحة دمار شامل، مما يعيد التوازن المفقود للأسرة المصرية. ولا يمكن تحقيق ذلك دون ربط الفن بالواقع عبر لجان استشارية قانونية ترافق الكتاب لضمان دقة الطرح، مع ضرورة الحفاظ على التوازن والموضوعية؛ فلا ينبغي الانحياز لطرف على حساب الآخر، بل يجب أن يكون الانحياز الأسمى لمصلحة الطفل الفضلى التي تضمن له حياة سوية.

إن دراما الأحوال الشخصية مطالبة اليوم بأن ترتقي لمستوى التحديات، وتكون أكثر جرأة وعمقاً لكي لا تظل صرخات المظلومين صدى في وادٍ، بل جسراً نحو مستقبل تشريعي يراعي كرامة الإنسان ويحفظ حقوق الأجيال القادمة بعيداً عن كيد النفوس الذي هدد السلم الاجتماعي. ونحن اليوم أمام هذا المشهد الاستثنائي، ننتظر بشغف وتوجس: ماذا بعد هذا التوحد الدرامي غير المسبوق؟ وهل ستظل هذه الصرخات الفنية حبيسة الشاشات، أم ستجد طريقها لمكاتب صناع القرار؟ إن التساؤل الجوهري هو: كيف سيتعامل المشرع المصري مع تلك القضايا التي طرحتها دراما 2026 بكل مكاشفة؟ هل سنجد استجابة تشريعية توازي حجم الوجع وتضع حداً لاستنزاف الأبناء؟ إن الكرة الآن في ملعب الجهات التشريعية لترجمة هذا الوعي إلى نصوص منصفة تنتصر لإنسانية الأب وحقوق الصغار.

مصطفي البلك
[email protected]

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة