رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

بالبنط العريض


في حين تلتزم إسرائيل بإستراتيجية تقوم على مواصلة الضغط العسكري لإضعاف إيران تدريجيا، تميل الولايات المتحدة إلى استخدام هذا الضغط كأداة للعودة إلى التفاوض وتفادي تصعيد أوسع قد ينعكس سلبا على الاقتصاد العالمي المأزوم, ورغم تأكيد مسؤولي إسرائيلي أن إدارة ترمب تشارك تل أبيب الأهداف نفسها فيما يتعلق بإيران، فإن اختلاف المقاربات يظل قائما، خصوصا في ما يتعلق بمدى الاستعداد للمضي في التصعيد العسكري أوالانتقال إلى تسوية سياسية
بناء على المعطيات الأخيرة وبتفسير تصريحات الرئيس الأمريكي الأخيرة يبدو أنه سيجد نفسه مضطرا إلى إنهاء هذه الحرب في أقرب وقت سواء بالتفاوض أو بدونه, فقد بدا واضحا للرئيس ترامب أن كلفة هذه الحرب أكبر بكثير من مزايا الانتصار فيها, بحسب الأهداف التي وضعتها واشنطن, الضغط على الاقتصاد العالمي بإغلاق مضيق هرمز والحنق الداخلي الأمريكي وتنصل حلفاء أمريكا الأوربيين منها, وإعلانهم عدم المسؤولية عن هذه الحرب العبثية, كلها ضغوط على الرئيس ترامب لينهي هذه الحرب حتى لا يجد نفسه يعيد تجربة ريتشارد نيكسون الفاشلة في فيتنام, ومن ثم يسعى ترامب إلى تحقيق مكاسب سياسية ودبلوماسية من خلال ما يمكن وصفه بالدبلوماسية القسرية، أي الجمع بين الضغط العسكري والانفتاح على التفاوض.
كل السيناريوهات التي أعدتها إدارة ترامب لهذه الحرب لا تصلح, فلم تستطع واشنطن إنهاء مهمتها في ثلاثة أسابيع, ولم تستطع إسقاط النظام الإيراني باغتيال المرشد, ولم تنجح في تأجيج الاحتجاجات بالداخل الإيراني, ولم تستطع الوصول إلى اليورانيوم عالي التخصيب, ولم تتوقف إيران عن إطلاق الصواريخ على إسرائيل بل وسعت أهدافها باستهداف جيرانها العرب في خطأ استراتيجي غير مبرر عزلها عن محيطها, وعليه فلم يتبق غير سيناريو وحيد وهو إعلان الانتصار والترويج له ثم الانسحاب, وقد بدأ التمهيد لهذا السيناريو بالفعل,الرئيس الأمريكي يقول أنه دمر إيران تماما و انتصرعليها ولم يتبقى أي أهداف لاستهدافها, كل هذا في رأيي تمهيد للانسحاب في غضون أيام قليلة.
المثير للدهشة أنه بينما يعلن ترامب أنه انتصر وقضى على إيران, يخرج الإيرانيون ليقولون أنهم انتصروا ولن يتفاوضوا ولن يوقفوا اطلاق الصواريخ من دون ضمانات وأنهم مستعدون لمواصلة الحرب إلى أجل غير مسمى, والمثير للاستغراب أيضا أن الرئيس ترامب لا يكترث لما يقوله الإيرانيون أو بالأحرى "يعمل حاله لا يسمعها".
أما إسرائيل فتتحرك إستراتيجيا لمتابعة تصريحات ترامب عن المفاوضات و تبدي قلقا من إمكانية إنهاء ترامب لهذه الحرب بفرض السيناريوعليها, إسرائيل قلقة من أي اتفاق محتمل يتعارض مع ما تعتبره يمس أمنها القومي, وأجرى نتنياهو اتصالا هاتفيا مع ترمب، عبّر خلاله عن ثقته في أن أي اتفاق محتمل يمكن أن يبني على إنجازات الحرب ويحمي المصالح الحيوية لإسرائيل، فالأخيرة لا تريد أن تُفاجأ بصفقة أمر واقع لا تلبي مطالبها بالكامل وقد تترك ثغرة لإيران للعودة مستقبلا, و في رأيي بحسب شخصية الرئيس ترامب هذا وارد جدا أن يحدث"صفقة أمر واقع".
بالنسبة لنتنياهو، تُشكِّل إيران تهديدا وجوديا لإسرائيل والنصر في هذه الحرب يتطلب استنزاف قدراتها على المدى الطويل، حتى لو استدعى ذلك جولات متكررة من التصعيد, لذلك تسعى إسرائيل إلى توسيع نطاق العمليات لتحقيق أهداف إستراتيجية أوسع، بينما تحاول الولايات المتحدة ضبط وتيرة التصعيد بما يتماشى مع مصالحها العالمية، خاصة في ظل تأثير الحرب على أسعار النفط وحركة الملاحة في مضيق هرمز, الذي تسبب إغلاقه فعليا في ارتفاع أسعار الطاقة، وزيادة الضغوط على الإدارة الأمريكية، في حين لا تواجه الحكومة الإسرائيلية الضغوط الاقتصادية نفسها بالدرجة ذاتها, وهذا العامل، يفسّر جزئيا رغبة واشنطن في تسريع التوصل إلى اتفاق يخفف من حدة التوتر ويعيد الاستقرار إلى الأسواق.
يريد ترامب الحفاظ على صورته كصانع صفقات قادر على تحقيق إنجازات دبلوماسية، دون أن يظهر بمظهر المتراجع أمام إيران أو غير القادر على ضبط حلفائه, ولايريد أن توضع صورته في نفس الإطار الذي وضعت به صورة ريتشارد نيكسون,
في ضوء هذه المعطيات، يبدو أن المرحلة المقبلة من الصراع ستتحدد إلى حد كبير وفق الإجابة عن سؤال محوري: من يكتب كلمة النهاية؟ فبينما تريد إسرائيل إطالة أمد العمليات العسكرية، تظل الولايات المتحدة الطرف الذي يملك الأدوات الحاسمة لتحديد مستوى الانخراط النهائي، سواء عبر التصعيد أو وقف الحرب.

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة