رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب


"استيقظتُ متأخرًا… ليس من النوم، بل من حياتي، بل من وجودي ذاته.. من واقع لم أعد أستطيع البقاء فيه، لأجد العالم قد تراجع.. وأنا أقف في صمت يلتهم كل ما أعرفه، وكل ما أملك وكأنني مجرد ظل يراقب نفسه وهو يتلاشى تدريجيًا بلا أثر، حيًّا بما يكفي لأختفي دون أن يلاحظني أحد. كأنني لم أكن أبدا"
في كل حياة، هناك صمت يتسلل بين الناس لا يسمعه أحد، ليس غياب الصوت، بل غياب الحاجة لسماعه.. أشبه بروح تمر عبر الذكريات كما لو كانت تئن بلا صدى.. صمت يتركك وحدك أمام فراغك الخاص، متسائلًا: هل أنت هنا لتعيش، أم لتراقب نفسك وهي تتلاشى تدريجيًا؟ في هذا الصمت، تبدأ الأسئلة بالظهور كأشباح، والذكريات تتقاطع مع احتمالات لم تُعش، فتجد نفسك في حيرة دائمة بين ما يمكن أن يكون وما فاتك، وبين البحر الذي يرمقك بلا اكتراث، وبين المدينة التي لم تمنحك شيئًا سوى الانعكاس الصارخ لذاتك.. كأن حياتك كلها مجرد انعكاس لروحك المخبأة… لم تُكتب بعد، وربما لن تُكتب أبدًا.
هكذا كان قبل أن يتذكر اسمه، كان يتذكر الصوت…
صوتٌ يشبه احتكاك الورق القديم ببعضه، أو ربما موجًا خافتًا يجرّ ذاكرته إلى حافةٍ لا يراها.
لم يكن متأكدًا إن كان هذا الصوت يأتي من البحر… أم من داخله.
كل ما يعرفه أنه كلما حاول أن يكتب، سبقه شيءٌ غامض، كأن الكلمات لا تُولد، بل تُستعاد من مكانٍ نسيه، أو ترفض أن تُقال لأنها قيلت من قبل… لشخصٍ لم يعد هنا.
وفي لحظةٍ لا يمكن تحديدها، بدأ يشعر أن ما يطارده ليس فكرة، بل غيابها… وأنه لم يأتِ إلى الإسكندرية ليكتب، بل ليكتشف أنه لا شيء يستحق أن يُكتب عنه… أو أن كل شيء قد كُتب، ما عدا حياته.
لم يكن البحر يشبه نفسه، أو لعل عينيه هما من تغيّرتا… أو لأنه لا يستطيع كتابة رائحة البحر.
كان يبدو كصفحة كتابٍ قديم، تُقلبها الريح بلا اكتراث، فيما الكلمات تبهت وتتشقق، كأنها كُتبت بماءٍ مالح لا بالحبر.
كان يجلس كل مساء على مقعدٍ خشبيٍّ مائل في شارعٍ جانبيٍّ قريب من البحر، يحمل دفتراً بنّي الغلاف، وقلمًا فقد لمعانه منذ سنوات.
لم يكن يكتب كثيرًا، رغم أنه يُعرّف نفسه — حين يُسأل — بأنه كاتب.
لكن أحدًا لم يكن يسأله.
في مسكنه، كانت الجدران تتقشر بصمت، مثل ذاكرةٍ تُمحى تدريجيًا كما مروحة تدور ببطء، كأنها تفكر في التوقف، وهو يراقبها، لا لأنه مهتم، بل لأنه لا يجد ما هو أحق بالاهتمام.
كان قد جاء إلى الإسكندرية قبل سنوات عديدة، هاربًا من مدينةٍ داخلية لا بحر فيها ولا احتمالات.
ظن أن البحر سيمنحه شيئًا… معنى، أو على الأقل، ضجيجًا يغطي على صمته الداخلي.
لكنه اكتشف — متأخرًا — أن البحر لا يعطي شيئًا، بل يعكس فقط ما بداخلك.
اعتاد الجلوس في مقهى صغير منزوٍ. كان المقهى فضاءً يحوي صمتًا حيًا، كأنه من عالمٍ آخر، يختزن الوقت كما لو كان صدىً للحظات لم تُعش بعد. الضوء الخافت من المصابيح القديمة يرسم ظلالًا طويلة على الأرضية الخشبية، تمتد كأنها تلامس وجوه الجالسين دون أن تستأذن.
المناضد متباعدة، تمنح كل شخص مساحة صغيرة للاختفاء، وكأن المكان لا يجمع الناس… بل يترك كلًّا منهم وحيدًا بطريقته.
وهو بكل مرة لا يغير مشروبه.. ولا يسأله النادل عن قهوته التي يعرفها فهي دوما " سكر زيادة".. يحتسيها بينما من النافذة، كان البحر دوما أيضا يمرّ كخفقٍ خافت، يذكّر بأن الحياة في الخارج لا تتوقف. صوت الأوراق وهي تُقلب، وخدوش الأقلام على الصفحات، يشبه همسًا داخليًا لا يُقال.
لكن في الزاوية كان هناك عدة مرات إمرأة تجلس.. رآها، وبدا المكان كأنه يتوقف قليلًا… لا لشيء، إلا لأن شيئًا ما كان يمكن أن يبدأ، ولم يفعل.
كان النادل يعرف طلبه دون أن ينظر إليه: بن ثقيل، وسكر زائد، وصمت.
أحيانًا، يفتح دفتراً، يكتب جملة، ثم يتوقف.
يقرأها، يشطبها، ويظل ينظر إلى الصفحة كأنها خذلته.
في إحدى الليالي، كتب:
"الغربة ليست أن تكون بعيدًا… بل أن تكون زائدًا عن نفسك."
محادثًا نفسه:
لم تكن الوحدة كما يظنها الناس… لم تكن غياب الآخرين، ولا صمت الغرف، ولا حتى الفراغ الذي يملأ الوقت.
الوحدة… كانت أن أكون حاضرًا… لكن دون ضرورة.
أن أختفي دون أن يختل شيء.
أن أمرّ في يومٍ كامل، دون أن يترك وجودي أثرًا.
كنت أعيش كما لو أن حياتي مسودة… شيء يمكن تأجيله، تعديله، أو حتى تجاهله، دون عواقب حقيقية.
الوحدة لم تكن سجني… كانت الحيلة التي أخفيت فيها ضعفي.
لكنها، مع الوقت، لم تعد تخفيني فقط… بل بدأت تمحو الحدود بيني وبينها.
حتى صرت لا أعرف: هل أنا وحدي… أم أنني اختفيت، ولم يتبقَّ سوى هذه الوحدة، تعيش مكاني.
بينما يلوح في الأفق البعيد طيف هذه المرأة كأنها تناجيه:
الوحدة لم تكن غياب الناس من حولي…
بل أن أكون كل شيء محتمل، ولا شيء مُؤكد.
كنت أراقب العالم كلوحة لم تكتمل… كل وجه، كل حركة، كل ابتسامة…
جزء منها مكتمل، والجزء الآخر خافت يختفي قبل أن يُدركه أحد.
كنت أعرف أن أي اتصال حقيقي، أي ابتسامة صادقة…
يمكن أن يوقظ شيئًا في الداخل… شيئًا لم أعد أستطيع تحمله.
لكن، بطريقة ما… كنت أراقبك…
كأنك تذكرني بشيء لم أكتب بعد، شيء من حياتي، شيء لم أجرؤ أن أكونه.
كل مرة تلتقي عينانا… أرى احتمالًا، وأرى حدودًا…
الوحدة ليست عقوبة… هي فرصة.
فرصة أن أكون كل شيء محتمل، وأن لا أكون أي شيء مُلزم.
هذه هي الحرية الحقيقية… وكل لحظة، أختار أن أحميها كما لو كانت نفسي.
هكذا رآها.. امرأة تملك حضورًا يشبه ضوءًا خافتًا في غرفةٍ مظلمة؛ لا يُبهر، لكنه يُطمئن.
كانت تجلس دائمًا في المنضدة المقابلة، تقرأ كتابًا، ولا ترفع عينيها إلا نادرًا…
في مرةٍ نادرة، التقت عيناهما.
ابتسمت ابتسامة صغيرة، كأنها اعتذار عن شيءٍ لم يحدث.
لم يرد الابتسامة.
ليس لأنه لم يعرف كيف…
بل لأنه أدرك — دون أن يفكر — أن أي استجابة، مهما كانت صغيرة، ستورطه في أن يكون حاضرًا… وهو لم يكن حاضرًا حتى في نفسه.
تراجع داخليًا، كمن يلمس دفئًا بعد بردٍ طويل، فيسحب يده فورًا… لا لأنه لا يريده، بل لأنه لم يعد يحتمله.
لم تكن امرأة بقدر ما كانت احتمالًا مؤجلًا للحياة… وهذا ما أخافه.
في إحدى الأمسيات الشتوية، هاج البحر فجأة، وامتلأ الشارع بالهواء المالح، وأصوات النوافذ المرتجفة.
جلس في شقته، ممسكًا بدفتره، بينما الضوء ينقطع ويعود، كنبضٍ متردد.
فتح صفحة جديدة.
كتب:
"أريد أن أكتب عن شيءٍ حقيقي… لكنني لا أشعر بشيء."
توقف.
ثم أضاف:
"ربما هذه هي الحقيقة."
ظل ينظر إلى الجملة، حتى انطفأ الضوء تمامًا.
في اليوم التالي، لم يذهب إلى المقهى.
مرّ يوم، ثم آخر.
رفعت عينيها نحو الباب أكثر من مرة…
لكنها لم تكن تنظر بقلق، بل بشيءٍ أقرب إلى التحقق الصامت… كأنها تعرف، مسبقًا، النتيجة.
ثم كانت تعود لكتابها، كما لو أن ما يحدث خارج الصفحة… لا يمكن إصلاحه من الداخل.
النادل تساءل، لكنه لم يسأل أحدًا.
بعد أسبوع، صعد صاحب العقار إلى الشقة.
طرق الباب. لم يُجب أحد.
فتح بالمفتاح الاحتياطي.
وجده جالسًا على الكرسي، في نفس وضعه المعتاد… كأنه ينتظر جملة لم تأتِ.
لكن الجلسة لم تكن انتظارًا… بل عادة أخيرة، حركةٌ بقيت بعد أن انسحب منها كل معنى.
لم يكن موتًا مفاجئًا… بل اكتمال غياب.
كأن الجسد ظلّ في مكانه، فقط لأن لا أحد أخبره أنه انتهى.
العينان — إن كانتا مفتوحتين — لم تكونا تنظران، بل بقيتا عالقتين عند آخر شيء لم يُكتب.
الدفتر مفتوح على المنضدة.
آخر ما كُتب فيه كان:
"الكتابة لا تُنقذ أحدًا… لكنها تؤجل الغرق."
لم يكن ذلك اعترافًا… بل خلاصة معركةٍ صامتة انتهت بلا صوت.
في المساء، عاد البحر هادئًا كعادته، كأنه لم يغضب يومًا.
المقهى امتلأ بالرواد، وعاد الضجيج طبيعيًا، كما لو أن شيئًا لم يحدث.
أغلقت المرأة كتابها، ونهضت.
اقتربت من منضدته الفارغة، لمست حافتها بأصابعها، كما لو كانت تتأكد من وجود شيءٍ كان هنا واختفى… توقفت لحظة، ثم همست:
"كان يمكن أن تكتبني…"
ثم خرجت.
ظل المقعد الخشبي في الشارع مكانه، يتلقى البحر كل مساء.
وبين حينٍ وآخر، كان أحدهم يجلس عليه، يفتح دفتراً، يكتب جملة، ثم يصمت.
كأن الغربة… لا تخص شخصًا واحدًا، بل تنتقل، بهدوء، مثل رائحة الملح.
وفي بعض الليالي، حين يهدأ الضجيج فجأة، يبدو — لمن ينتبه — أن هناك جملةً ناقصة، تدور في الهواء… تشبه صوت امرأةٍ لم تُكتب في وقته.
والآن، كل شيء صار ساكنًا، والهواء يمر بلا صدى، والبحر ينظر كما لو لم يعرف أحدًا، والكرسي الخشبي فارغ لكنه ممتلئ بكل ما لم يُكتب، وبكل الاحتمالات التي لم تُعش، والفراغ يبتسم بصمت كأنه يهمس بأن الحياة لم تنتهِ حقًا… بل ربما لم تبدأ أبدًا.
"ظلّ المكان صامتًا، والبحر يتنفس بلا اكتراث، والكرسي الخشبي يلتقط الصدى الأخير لكل حياة لم تُعش. لم يبقَ أحد، ولم تُكتب جملة جديدة، سوى صدى أنفاسٍ معلقة في الهواء، كأن كل شيء انتهى، وكأن الحياة نفسها لم تبدأ بعد…
نسى أن يكتب قبل أن يرحل: " وفي تلك اللحظة، أدركت أن الغياب أحيانًا يكون أصدق من الوجود، وأن الاحتمالات وحدها هي التي تبقى حية، تتسلل بين العيون دون أن يراها أحد."

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة