بالبنط العريض
حالة الحرب أبعد من كونها مواجهة محصورة بين عواصم وجيوش, فالمتضرر الأكبر منها هم الشعوب, الذين يدفعون ثمنها من حياتهم واستقرارهم وقوتهم ومقدراتهم ومستقبلهم, فكل حرب لها كلفتها حسب نظاقها وأطرافها, وهذه الحرب الدائرة بين إسرائيل والولايات المتحدة من ناحية وإيران من ناحية أخرى, ظهرت سريعا تداعياتها على منطقتنا العربية, فإلى جانب اعتداء إيران على دول الخليج والعراق والأردن -وهو ما نراه خطأ استراتيجيا- وتوسعيع رقعة الحرب جغرافيا بدخول حزب الله في لبنان, تشير لغة الأرقام إلى أن حركة الطاقة العالمية باتت تحت التهديد, وصاحب ذلك موجة ارتفاع في أسعار المحروقات وتضررت سلاسل الإمداد وما تبع ذلك من ارتفاع كبير في أسعار السلع, تسبب فيه دخول مضيق هرمز في المعادلة الصعبة والمعقدة.
ثمة كلفة أخرى لهذه الحرب يدفع ثمنها المدن الحزينة في غزة والضفة الغربية وبيروت, كلفة تقاس بعدد النازحين والجائعين والمرضى المحرومين من الدواء أوهؤلاء الذين تركوا يواجهون مصيرهم على هامش حرب لا ناقة لهم فيها ولا جمل.
في غزة، أغلقت المعابر و تسبب ذلك في ذعر اقتصادي وصحي تحوّل سريعًا إلى موجة إرباك في الأسواق في قطاع لم يتعافَ بعد من آثار المجاعة والدمار, ورغم أن الغزيين تطبعوا مع الجوع ولم يعد جديدا عليهم, لكن هذا لا يمنع من وجود أزمة حقيقية في الأسواق والأسعار وحجم المعروض، خلفها إغلاق المعابر, فتراجعت الكميات لدى التجار وقفزت الأسعار إلى أكثر من ثلاثة أضعاف في بعض الحالات، فيما تراجعت القدرة الشرائية للسكان بشدة مع انهيار الاقتصاد المحلي, وامتدت تداعيات الحرب إلى القطاع الصحي، فأثرت على عملية الإجلاء الطبي, حيث ينتظر أكثر من 18 ألف مريض في غزة المغادرة للعلاج خارج القطاع، بينهم نحو 4 آلاف طفل,وميدانيا لم تهدأ يوما غزة التي تحولت لمدينة أشباح رغم سريان اتفاق وقف إطلاق النار منذ أكتوبر الماضي, فمازال القصف الإسرائيلي مستمرا يترافق مع الحرب على إيران, أعلنت السلطات الصحية في غزة نهاية الأسبوع الماضي مقُتل 14 فلسطينيا منذ بدء الحرب على إيران، مما رفع إجمالي عدد القتلى منذ بدء وقف إطلاق النار إلى 648 شهيدا.. بجانب كل ذلك يعد القلق الأكبر للغزيين أن يؤدي اتساع الحرب على إيران إلى تراجع الاهتمام الدولي بغزة، بما يمنح إسرائيل هامشا أوسع لمواصلة القصف أوتشديد الحصار بعيدًا عن الأضواء, ناهيك عن أنه لا أحد الآن يتحدث عن متى أوكيف ستبدأ فعليا المرحلة الثانية من خطة ترامب لغزة.
الضفة الغربية ليست أفضل حالا من غزة, فاستغل المستوطنون انشغال العالم بحرب إيران ليزيدوا من حملتهم الشنيعة لقضم الأراضي وتسجيلها باسمهم تحت توصيف "أراض دولة"والتوغل الاستيطاني والقضاء على أي أمل في الأفق لإقامة دولة فلسطينية مستقبلية
على الجبهة اللبنانية التي أصبحت فعليا طرفا في الحرب وحتى نهاية الأسبوع الماضي تشير الأرقام إلى مقتل ما لا يقل عن 570 شخصا منذ بدء الضربات، بينما أجبر نحو 700 ألف شخص على النزوح، بينهم قرابة 100 ألف خلال 24 ساعة فقط, حيث اتسعت موجة النزوح الجماعي من الضاحية الجنوبية -التي يقطنها نحو نصف مليون شخص- إلى العاصمة بيروت، بعد فتح الجيش الإسرائيلي جبهة جديدة ضد حزب الله، في سياق الحرب الأوسع المتصلة بإيران, ونقلت الشاشات صورا مؤلمة لآلاف العائلات التي غادرت منازلها تحت وقع الإنذارات والغارات ليجدوا أنفسهم فجأة في ملاعب و مدارس ومخيمات مؤقتة بعدما كانوا في بيوتهم قبل ساعات فقط, و قالت وزيرة الشؤون الاجتماعية اللبنانية إن الحكومة تستعد لاحتمال أن تتجاوز موجة النزوح الحالية ما شهده لبنان في الحرب السابقة، عندما نزح أكثر من مليون شخص، في ظل تراجع الموارد المتاحة للاستجابة الإنسانية.
رغم تصريحات الرئيس دونالد ترمب عن احتمال انتهاء الحرب على إيران، قريبا إلا ان تداعيات هذه الحرب في تصوري لن تنته مباشرة بانتهاء الحرب, فتلك المدن الجريحة لن تلتئم جراحاتها سريعا والتعافي يأخذ وقتا فيما يخص الأسواق وسلاسل الإمدادات وأسعار الطاقة التي أربكت الاقتصادات المنهكة في المنطقة.
تلك فاتورة تدفعها الشعوب من حياتهم وقوتهم وصحتهم بين مطاردة غلاء وانتظارعلاج, ومدن فقدت ملامحها بين قصف وقضم ونزوح؛ بسبب صراع إقليمي غيرمحسوم تجاوز حدودهم ولايملكون القدرة على إنهائه.