تسود حالةٌ من التخبط قمةَ هرم صناعة القرار في واشنطن وتل أبيب فيما يتعلق بالحرب على إيران؛ ففي أقل من 24 ساعة، انقلبت تصريحات المسؤولين في البلدين إلى النقيض تماماً. فرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي لم يخلُ أيُّ حديثٍ له من عبارة تؤكد على ضرورة تغيير النظام في طهران أو تحفيز الشعب للخروج عليه، عاد ليؤكد أن إزاحة النظام ليست من أولوياته في تلك الحرب. أما الرئيس الأمريكي، فحدث ولا حرج؛ فمنذ بدء الهجمات، يمكن بسهولة أن تكشف حجم التناقضات الصارخة في كل تصريحاته تجاه العملية العسكرية ضد إيران.
أولها: التخبط في الجدول الزمني للمهمة بين الأسابيع والأيام؛ فقد صرح ترامب وفريقه الإعلامي في البداية أن الهجمات ستستغرق ما بين 4 إلى 6 أسابيع، ثم عاد ليناقض ذلك بقوله إنه قادر على إنهاء الأمر برمته في "يومين أو ثلاثة".
ثانيها: التخبط بين الانتهاء والبداية؛ إذ ادعى ترامب أن الحرب "اكتملت إلى حد كبير" عسكرياً، بينما نشرت وزارة الدفاع في اليوم نفسه بياناً يؤكد أن ما حدث "مجرد البداية" وأن المهمة لم تنتهِ بعد.
ثالثها: الحوار والاستسلام؛ إذ صرح ترامب بأنه لن يقبل بأي اتفاق سوى "الاستسلام غير المشروط"، لكنه في الوقت ذاته لم يستبعد إمكانية الانفتاح والحديث مع القادة الإيرانيين.
رابعها: بين إعلان النجاح ومواصلة الضربات؛ فقد وصف النتائج الحالية بأنها "نجاح هائل" يمكن التوقف عنده، وفي الجملة نفسها تقريباً أكد أنه سيذهب "أبعد من ذلك" لتحقيق نصر نهائي.
خامسها: التناقض حول "تغيير النظام" وقيادة إيران؛ إذ تنفي الإدارة ووزير الدفاع رسمياً أن يكون "تغيير النظام" هدفاً للعملية، بينما صرح ترامب علانية بأنه يجب أن يتدخل "شخصياً" في اختيار الزعيم الإيراني القادم.
سادسها: بين دعم "حرية" الشعب والشروط المسبقة؛ إذ دعا الإيرانيين للسيطرة على حكومتهم من أجل "حريتهم"، لكنه عاد وربط مساعدتهم بشرط "التصرف بشكل لائق".
سابعها: ملف النفط بين طمأنة الأسواق والتهديد بالإغلاق؛ ففي الوقت الذي خففت فيه الإدارة العقوبات على النفط الروسي لتهدئة الأسواق، طرح ترامب فكرة "الاستيلاء" على مضيق هرمز وتهديد إيران بضربة أقوى بـ 20 مرة إذا أغلقته.
أدى هذا التضارب في الرسائل إلى حالة من عدم الفهم لدى الشارع الأمريكي؛ حيث يرى 33% فقط من المستجيبين أن ترامب أوضح غرض المهمة بشكل جلي، بينما ترى الغالبية الساحقة من المستقلين والديمقراطيين وربع الجمهوريين أن الأهداف لا تزال غامضة.
إن هذا التناقض في الرسائل بين الرئيس ترامب ومؤسسات دولته (البنتاجون والبيت الأبيض)، أو بمعنى أدق بين لغة "الدبلوماسية" ولغة "التصعيد العسكري"، له تداعيات استراتيجية وسياسية خطيرة؛ فحين يعلن ترامب أن الحرب "اكتملت" بينما يقول البنتاجون إنها "مجرد البداية"، فقد يفسر الخصم ذلك كعلامة على وجود انقسام داخلي في صنع القرار الأمريكي.
أيضاً، فإن اشتراط "الاستسلام غير المشروط" مع فتح الباب في الوقت ذاته للحوار، يجعل من الصعب على الطرف الآخر معرفة الثمن الحقيقي لإنهاء الصراع. وهناك أيضاً إصرار ترامب على التدخل في اختيار الزعيم القادم، الذي يتصادم مباشرة مع نفي وزارة الدفاع لنية تغيير النظام، مما يجعل القوات على الأرض تعمل دون استراتيجية سياسية موحدة.
أما فيما يتعلق بوصف العملية بـ "الغضب الملحمي" والادعاء بأنها تتجاوز أهدافها، في حين أن الرئيس يغير جداوله الزمنية باستمرار، فهو بالفعل ساهم في إضعاف موقف الولايات المتحدة أمام حلفائها الذين يحتاجون إلى رؤية استراتيجية ثابتة للمشاركة أو الدعم.
وفيما يخص التصريحات المتضاربة حول "النفط" ومضيق هرمز، فإنها تزيد من حالة عدم اليقين الاقتصادي؛ فالتهديد بضرب إيران "بقوة أكبر بعشرين مرة" إذا أغلقت المضيق، يتناقض مع محاولات الإدارة لتهدئة الأسواق عبر تخفيف عقوبات أخرى. هذا التذبذب أدى فعلياً إلى قفزات غير متوقعة في أسعار الوقود العالمية.
أدى هذا الغموض إلى تداعيات أبعد من مجرد سعر البرميل؛ حيث سجلت الولايات المتحدة خسارة 90 ألف وظيفة في فبراير، وارتفع معدل البطالة بالتزامن مع بدء العمليات، مما جعل 40% فقط من الأمريكيين راضين عن إدارته للاقتصاد. وحذر الخبراء من أن "الصدمة السعرية" بدأت تنتقل إلى السلع الأساسية والأدوية بسبب ارتفاع تكاليف الشحن وتأمين المخاطر بنسبة تزيد عن 28% منذ بدء التصعيد.
إن هذا التناقض الكارثي أدى إلى ما يسميه المحللون "علاوة المخاطر السياسية"؛ فالأسواق لا تسعر فقط الحرب، بل تسعر أيضاً "عدم القدرة على التنبؤ" بخطوات ترامب القادمة، مما جعل أسعار الطاقة ومصير الحرب رهينة تغريداته وتصريحاته اليومية المتقلبة.