في كل مدينة قديمة، هناك قلبٌ لا يزال ينبض رغم صمت الجدران، وروحٌ تتجوّل بين الكتب والذكريات، كأنها لم تقبل فكرة الفناء بعد.
في هذه القصة، لم أكتب عن صديقي الراحل بقدر ما تركته يكتب نفسه من جديد بين السطور؛ فكل جملةٍ فيها محاولة لإنقاذ صوته من الغياب، واستعادة ضحكته التي كانت تعلم كيف يمكن للحزن أن يكون هادئًا، وللفقد أن يكون جميلاً.
لم يكن “قارئ القلب” مجرّد أديبٍ غريب الأطوار، بل كائنًا يرى بالعاطفة أكثر مما يرى بالعقل، ويفهم الناس بالصمت أكثر مما يفهمهم بالكلمات.
حين يكتب، تشعر أن الحبر يتحوّل إلى نبضٍ، وأن النصوص تستيقظ من سباتها لتعيش معنا.
وحين رحل، ظلّت أرواحه مكتوبة في دفاتره الصغيرة، تتنفّس بين الحروف، وتذكّر أن الكتابة شكلٌ آخر من أشكال البقاء.
هذه القصة إذن ليست رثاءًا، بل زيارة أدبية لقلبٍ لا يزال يبتسم في مكانٍ ما من الذاكرة.
ابتسامة قارئ القلب… التي لا تشرح شيئًا، لكنها تقول كل شيء.
.....
حين غادرنا صديقي الأديب راحلًا للعالم الآخر، شعرت أن المدينة القديمة نفسها فقدت نَبضها العتيق الهادئ؛ كأن كل الحروف التي كتبها كانت أسوارًا صغيرة تحرس قلوبنا، وقد انهارت فجأة.. كانت وفاته موتًا أنيقًا. رحل كنسمة ذبلت على غصنها. بكيناه مبتسمين راضين لأنه نال الراحة التي ينشدها أخيرًا. ذهب في الستين من عمره، لكن وجهه كان محتفظًا بملامح براءة الطفولة.
شعره فضيّ خفيف عند الجانبين، لكنه يتركه دائمًا غير ممشّط تمامًا، كأنما خرج لتوه من جلسة كتابة أو من حلم طويل.
يكتب كأنه يلمس القلوب بيديه. يسمع نبض الكلمات قبل أن يكتبها. يداه ممتلئتان قليلاً، وحين يتحدث، يحرّك يده كما لو كان يخطّ جملة في الهواء. يعرف بالضبط كيف يخلق نغمة للنص. فوضاه مقصودة، تشبه فوضى الفنان الذي يعرف ما يفعل.
عيناه واسعتان، بريقهما ساكن، كأنهما تقرآن ما وراء الوجوه، لا ما أمامها. لذلك لُقّب بـ"قارئ القلب"؛ لأنه يفهم الناس بالحدس، لا بالعقل. من يحدّق فيه يشعر أنه يُقرأ لا يُرى.
دائمًا، كان يرتدي جاكيتًا رماديًا أو معطفًا داكن اللون، قديمًا بعض الشيء، يحتفظ في جيبه بدفتر صغير أو قصاصة ورق. لا يهتم بالأناقة بمعناها السطحي، بل بهيئة تشبه فكرته عن ذاته: متقشّف نبيل.
يمشي بخطوات متأنية، وكأنه يجرّ ذاكرة العالم وراءه. من يراه يظنه شارداً، بينما هو يُعيد تركيب مشهد أو جملة في رأسه.
صوته عميق، خفيض النبرة، يحمل موسيقى القراءة أكثر من الكلام، كأن كل جملة عنده تأتي من كتاب قد قُرأ منذ زمن بعيد.
يعيش كمن أتى من زمن آخر، متصالح مع انعزاله. يأنس بالكتب والأرواح القديمة أكثر من الأحياء. متجاوزًا حدود الزمن، يعيش بين الحاضر والماضي كمن يتجول في متحف لا يغلق أبوابه أبدًا. يحمل في داخله أرواح مَن قرأهم وكتبهم... كأنه وعاءٌ يحمل صوت ابن إياس، وظلال ابن خلدون، وضحكة نجيب محفوظ، وسكون توفيق الحكيم.
ربما لو كان حيًا الآن كان ليقول: "الأعمار التي تُكرّس للكتابة ليست حياة ضائعة، بل حياة مضاعفة."
كان ليضيف بصمته الساخرة، مبتسمًا بحزن: "أما نحن، فلا نملك سوى الضحك على فراغات الكلمات التي تركها."
ربما لو كان ماثلاً في هذه اللحظة لهمس في الخلفية، متأملًا الأزقة والرصيف القديم:
"كل نصٍّ تركه، هو شهادة على زمن اختفى، وعلى حياة الناس التي لا تُسجّل في التاريخ إلا بصوت الأحياء.. من ظلوا على قيد الحياة."
أتذكره دائمًا، بابتسامته الغريبة، يضيف لمسة السحر الواقعي.
لقد كتب لي صديقي حياةً كاملة في دفاتر صغيرة، تاركًا لي أشخاصًا أعيش معهم بعد رحيله، كأنهم يطفون على نهر من الضباب والذكريات، في بلدة يختلط فيها الماضي بالحاضر بلا فواصل.
في غرفة مزدحمة بأرفف الذكريات يحتفظ بجميع أفكاره على الأرفف نفسها الذي يحتفظ فيه بأكواب الشاي المكسورة؛ لا فرق بينهما في رأيه.
عقله يشبه درج مكتبٍ قديم؛ كل فكرة فيه كأنها تعود لزمنٍ آخر.. يعيش بنصف قلبٍ في الحاضر، والنصف الآخر معلّق في الهامش أسفل الصفحة. وحين يمدح نفسه، يفعل ذلك بأسلوبٍ يجعل القارئ يشك أنه يعتذر.
كان يقرأ القلوب قبل الوجوه، ويمنح الأرواح أسماءها، كما لو كان يستعجل الزمن ليعلّمنا كيف نحب ونفهم ونغفر.
واليوم، بعد أن غاب، أجد أن كل صفحة من نصوصه صارت مرآة، أرى فيها نفسي وأراه هو، معًا في صمتٍ لا ينتهي، مبتسمين على قهوة لم تُسكب بعد، في ركنٍ من الزمان لا يعرفه أحد.. لذلك كتبت في رثائه "قارئ القلب".
راويًا كيف ورث عن جَدّه الأكبر، المذكور في وقائع الدهور، ما سطّره ابن إياس.
وكيف أخبرني عن رصيف الفحم وحكاياته، والميناء القديم وأحداثه، وساحته التي تنبض بالحياة في قلبه. كما كان يحرسه في أكتوبر.
ليتني أنسى كم أحببتُ أمه دون أن أراها، حين رأيت (أم عبده) تجذب "ودان الخرشوف" بين سطوره، وتُعدّ صينية بطاطس ساخنة... ودونها طواجن الأسماك التي لا أنساها.
لم يكن ببغاءً يردّد قصة كفاح أمه ومسيرتها بين أوحال الغابة ساعيًا إلى النور..!
"دع تيار الوعي ولا تقطعه" — كانت نصيحته الأولى، قبل أن يقف بي على بائع مفارش التريكو على الرصيف.
أخبرني أنه سمع من ابن خلدون مقدمته، ولم أكذّبه.
طالبه نجيب محفوظ بزيارته في الدور الثلاثين بصحيفة الأهرام.
بل وألقاها ضاحكًا:
– "إيّاك أن تكتب الرواية يا كراوية!"
خشاه توفيق الحكيم في صمته.
وسّع قلبه من حملهم على ظهره، فالتهموه!
لم يصلوا إلى قلبه، لم يستسيغوا حلاوته.
تسلّقوه كما القِرَدة، ونقّبوا أخاديده كما الفئران.
رغم أنه جعلهم يرون (نوال) خلف السور الحجري في جبل ناعسة، ووقف بهم أمام مئذنة العارف بالله سيدي المرسى.
كان يكتب كمن يحاول أن يُخلّص العالم من سوء الفهم، وهو نفسه أكثرهم سوءًا في الفهم.
يخاف أن يُشفى من الكتابة، رغم أنه قال لي مرة: "كل الكتّاب يموتون شبابًا... حتى وإن عاشوا لسنّ التقاعد."
كان يعتقد أن الفوضى نظامٌ أعلى لم يفهمه. وفي كل مرة يحاول فيها ترتيب أوراقه، يكتشف أنه هو الورقة الزائدة.
ولا يحب النصوص الكاملة؛ يتركها معلّقة ليشعر أنه ما زال قادرًا على العودة، كعاشقٍ لا يغلق الباب خلفه، أو كأنه ينتقم من الحياة بلُطف.
يؤمن أن الكلمات لها حرارة الجسد، لذلك لا يترك جملة تبرد دون أن ينفخ فيها دفئه.
إذا قرأت له كثيرًا، تكتشف أن نصف عبقريته من سوء خطه.
يكتب كمن يطبخ، دون وصفة ولا توقيت، لكنه يخرج دائمًا بطبقٍ لا يمكنك إعادة فهمه.
يظل مسافرًا بين الذاكرة واللحظة الراهنة، ليكشف ما تبقى مخفيًا بين الناس والزمن.
يقولون إن ذاكرته خارقة، لكنه في الحقيقة فقط لا يملك القدرة على النسيان، لا للأشخاص ولا للأخطاء.
لذلك لم يكن يتحدث عن الحب إلا ليؤكد أنه لم يتفرغ له بعد.
وفي لحظات الصمت، يبدو وكأنه يستمع.. لا يقرأ ليعرف، بل ليضحك من نفسه كما يضحك الطبيب من مريض يعرف أن مرضه معدٍ.
ورغم صمته الطويل، كم سخر من نفسه وكم تهكم على الحياة والكتابة.
يعرف عبثها لكنه لا ينفصل عنها.
يضحك ساخراً من نفسه ومن الزمن معاً.
يتظاهر بالحكمة، فقط ليُخفي خيبته القديمة من العالم.
قال لي مرة:
"كل الكتّاب يموتون شبابًا... حتى وإن عاشوا لسنّ التقاعد."
كانوا سُكارى ممّا منحهم من رأسه، مثل الخواجة (مخاليدِس كليدِس) على باب محلّ التصوير في محطة الرمل، أو في بار قهوة النيل بـ المنشية الصغرى!
تلا عليهم ما قرأه في لفائف الأحلام ولم يفهموا، ثم جلسوا يلعبون الطاولة.
لفظتهم شواطئ الإسكندرية عراة.
أهداهم ورق توت، فوجد نفسه مع عبد الرحمن بدوي... وجمال حمدان... !!!
ذات مرّةٍ حدثني عن إدجار آلان بو، وعرّج على تشارلز ديكنز، وعن جامع المهملات في موسكو.
سمعته راشفًا قهوتي، فرأيته يستحيل فيهم.
سكنوا وجهه المكتنز ببراءة طفل.
وصفه أديب آخر قائلًا:
"أفكار هذا الأديب مثل حجمه؛ حتى تستوعبوه، وتستوعبوا ما يكتب، يجب أن تقرأوه كلّه على بعضه!"
كان يعيش بنصف قلبٍ في الحاضر، والنصف الآخر معلّق في الهامش أسفل الصفحة.
يقولون إن ذاكرته خارقة، لكنه في الحقيقة فقط لا يملك القدرة على النسيان؛ لا للأشخاص، ولا للأخطاء.
وفي لحظات الصمت، يبدو كأنه يُصغي إلى صفحاتٍ لم تُكتب بعد.
لا أعرف لماذا وصف لهم مستشفى العمال بـ كرموز وهم ليسوا بأبطال.
عمود السواري في يشهد عليهم بجوار المقابر!
ولا أحدثك عن بطنه؛ تُشعرني دائمًا أنه في حالة مخاض.
أقرأ له إحدى روائعه، وكأنه يحمل فيها الأدب الروسي!
يأتي بما يريد، والحمد لله، لم يصل النقرس إلى البطون!
كان يقول إن الأدب مثل القهوة: "مرّ بما يكفي لتذكّرك أنك ما زلت حيًّا".
كان يعتقد أن الفوضى نظامٌ أعلى لم يفهمه بعد موظفو رصيف الفحم في الميناء.
يكتب كمن يطبخ دون وصفةٍ أو توقيت، لكنه يخرج دائمًا بطبقٍ لا يمكنك إعادة تسخينه.
وحين يصمت، لا يفعل ذلك تواضعًا، بل ليمنح الآخرين فرصة أن يخطئوا بوضوح.
يصبّ كلماته على أبطاله فيمنحهم حياة: (أم عبده)، والخالة (أم سلامة)، وجدّته التي أتاه خبر موتها، و(مرسي ابن الفرطوس)، و(محمد الإدكاوي)، حتى بائعة الحلوى.
ولا أدري ما هي قطرة العسل المصفّى التي أهدى إليها إحدى قصصه!!
تاهت كل الوجوه من بطله (عبد الرحيم). كتب:
"له، ليس له من يُراسله."
كما عرفته دومًا، لا يحب أن يقف على علامات الترقيم والتنقيط، وكتابته بميل الصفحة دائمًا.
يحتفظ بجميع أفكاره وذكرياته كجوائز على الرفّ نفسه الذي يحتفظ فيه بأكواب الشاي المكسورة كأصيصات الزهور الفخارية الفارغة — لا فرق بينهما في رأيه.
أضحك من كل قلبي وأستحضر روحه، لكنني أصطدم براويته قارئ الوجه، فأتذكَّر قارئ القلب!
..
أحسب أنه لم يكن يكتب عن الناس بقدر ما كان يكتبهم، كمن يفرز قلوبهم في دفترٍ قديم، يضع الحب في خانة، والخذلان في أخرى، ويترك البقية للغبار.
كان يؤمن أن كل إنسان كتابٌ ناقص الصفحة الأخيرة، وأن مهمته في الحياة أن يملأ هذا الفراغ بالحروف التي لم يُجرؤ أحدٌ على نطقها.
لم يكن قارئ وجوه كما ظنّوه، بل قارئ أرواحٍ تُخفي وراء الابتسامات قسوتها.
قال لي في إحدى نوباته الساخرة:
"الناس تظن أني أكتب لأُعبّر عنهم... وأنا في الحقيقة أكتب لأتخلّص منهم."
ضحكت يومها، وقلت له إن القلوب لا تُقرأ بالكلمات.
فأجابني وهو يسكب قهوته ببطءٍ:
"بل تُقرأ بالسكوت... فقط اصغِ جيدًا لما لا يُقال إلا بالصمت."
ثم أدار وجهه ناحية النافذة، وظلّ صامتًا طويلًا، كأنه يُنصت لنبض المدينة العجوز.
وحين التفت إليّ أخيرًا، كان يبتسم... تلك الابتسامة التي لا تشرح شيئًا، لكنها تقول كل شيء.
ابتسامة قارئ القلب.
....
أعرف أن “قارئ القلب” لم يمت، لأنه لم يكن يعيش بالجسد، بل بالكلمة — والكلمة لا تُدفن.
ربما لو قرأ هذه السطور، لاكتفى بابتسامةٍ خفيفة، وقال بطريقته التي لا تخلو من السخرية:
“ها أنت أيضًا وقعت في الفخ... ظننتَ أنك تكتب عني، بينما أنت تكتبني.”
لهذا، لا أودّ أن أودّعه، بل أتركه يواصل حديثه في القلوب التي لم تلتقِ به بعد.
سيظلّ ذلك الراحل يمشي بيننا، كلّما قرأ أحدهم جملة تشبهه.