رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب


"إلى حدٍ يثير الريبة والشك، في صباحٍ بدا عادياً، استيقظ ذلك المسؤول وهو يشعر بأن قصيدةً ما تسكنه منذ الليل، تهمس له بأنه سيوقّع اليوم على شيءٍ لن يكون قرارا أو محضرًا... بل قدره نفسه.. حلم لم يفسر"
..
في مدينةٍ لا تتذكرها الخرائط إلا في دفاتر الإدارة وشكاوى المواطنين، راودته ليلة البارحة قصيدة غريبة ظلّت تطرق رأسه طوال الليل كحلمٍ لم يكتمل. حاول أن يكتبها، لكنها أفلتت منه كدخانٍ من نافذة مفتوحة.
كان يوقن ان ما يُدار من داخل ورقة "المحضر" لن يدار بغيره، وأن الشعر، للأسف، لم يُخصص له خانة رسمية بعد.
منذ شهرٍ وهو مطارد من قصيدة. ليست قصيدة عادية، شاردة، تأتيه في المواعيد التي لا يجب أن تأتي فيها القصائد: أثناء اجتماعات التموين، أو وهو يوقّع العقود، أو وهو يتلقى سبب تأخر الرصف.
كلما همّ بكتابتها، انقطعت كالكهرباء التي تنقطع في حي شعبي.
في هذا اليوم المجهول من شهرٍ مجهول، وصباحٍ رمادي عادي لا يختلف عن سواه، استيقظ كامل عبد المقصود، رئيس المدينة، على صوتٍ يقول له:
“قم، اكتب القصيدة.”
فتح عينيه فلم يجد أحدًا، لكن الكلمات كانت ترفرف في سقف الغرفة كعصافيرٍ محرّمة. لم يجرؤ أن يسكت صوت الرسالة الصوتية على هاتفه: معلومة مؤكدة عن نقص الدقيق في السوق. جلس على حافة سريره، شرب قهوته المرة، كما يستيقظ كل صباح على رائحة القهوة الحكومية. ليست القهوة التي تُشرب، بل التي تُسكب بالصدفة على ملفات القرارات.
وشعر فجأة بأن العالم كله يختزل في ذلك الكوب: الحقيقة، الجوع، والشعر... والضباب الذي يملأ الشوارع وباعةٌ يتشاجرون.
كانت المدينة في ذلك الصباح تتثاءب تحت غشاوةٍ من ضبابٍ باردٍ كأنها تعبت من تكرار نفسها، تمطّ جسدها ببطءٍ تحت شمسٍ متعبةٍ تحاول أن تصحو من سباتها. صباحٌ اختلط فيه البخار برائحة الخبز والبيروقراطية.
اليوم كان مقرّرًا لتنفيذ الحملة التموينية الكبرى منذ الصباح الباكر، اليوم الذي تتحول فيه العدالة إلى جولةٍ ميدانيةٍ مصحوبةٍ بالكاميرات.
ارتدى بدلته الرسمية وربط ربطة عنقه، وخرج من مكتبه محاطًا بوفدٍ من مفتشي التموين والمباحث ومراقبي الصحة. أمام مبنى رئاسة المدينة كانت السيارات الحكومية مصطفةً، رجالٌ بوجوهٍ متجهمة ودفاتر سميكة تشهد على أعمارٍ ضاعت بين توقيعٍ ومحضر.
في منتصف هذا الضجيج، كان هو مهندمًا شديد الوقار، يحمل في قلبه شاعرًا خجولًا وقصيدةً ضائعة لم يُكتب سطرها الأول بعد، رغم سنواتٍ من الحنين وشغفٍ يخنقه ضوء النهار والقرارات الرسمية.
كامل، الذي عرفه الناس صارمًا، كان في داخله شاعرٌ يكتب أبياتًا عن القمر ويخفيها في درج مكتبه بين الملفات الرسمية، كتراتيل سرية لا يجوز أن تُقال في زمنٍ يقدّس الإمضاءات.
انطلق الموكب وهو جالس في المقعد الخلفي للسيارة الحكومية، يحدّق في المارة كمن يقرأ قصيدةً لا يفهمها أحد سواه. رجلٌ يفعل ما يستطيع حتى يأتي قدره مع قصيدةٍ تمنحه بعض السلام قبل أن يموت.
كان الضباط يمسحون الوجوه بحثًا عن مشتبهٍ به، والمخبرون يتفقدون الضمائر، ومفتشو التموين يزنون الدقيق الناقص.
المخابز تصدر أصواتًا كأنها تتنفس، وأرغفة الخبز الهزيلة تتحرك بين الأكياس والرفوف مناظرةً أفواهًا جائعة. الناس تمشي ببطءٍ كأنهم شخصيات داخل محضرٍ رسميٍّ ينتظر توقيع رئيس المدينة، كأن كل خطوةٍ مراقبة من قوةٍ خفية، لكنه كان يرى ما لا يُرى.
عند المخبز الثالث، هبّت رائحة خبزٍ ساخنٍ تشبه اعترافًا قديمًا.
شعر بالكلمات تعود، وكتب في ذهنه على أفقٍ بعيد:
"الخبز... هو شكلٌ آخر للمدينة حين يحترق."
في ذلك المخبز الشعبي بدأت الحملة: الضباط يفتشون، العمال يرتجفون، والدقيق يتطاير كثلجٍ عجيب. في الخلفية كان يراقب المشهد كمن يلتقط موسيقى لا يسمعها سواه، كأن كل رغيفٍ يحمل قصةً عن الجوع، عن شيءٍ مفقود.
دوّن الضابط الوقائع بحيادٍ بارد، أما هو فوقف صامتًا يسمع نغمةً خافتة تولد في داخله، تكتمل أبياتها كأن العالم كله يكتبها معه. القصيدة التي ظلت تؤرقه ليلة أمس بدأت تكتمل. جاءت الكلمات كفيضٍ لا يُوقف، بينما يُحرَّر محضرُ ضبطٍ لصاحب المخبز المتهم بسرقة الدقيق المدعوم للفقراء، كان رجلا بدينا بوجهٍ يشبه رغيفًا خرج لتوه من الفرن، حاول أن يبتسم.
حدث المستحيل، لكنه لم يجرؤ على الكتابة.. هبط عليه الإلهام. القصيدة التي طاردته شهرًا كاملاً هبطت كحمامة على كتفه، تهمس له كلماتها.
بدأ يكتب شيئا من القصيدة..
– "اكتب يا فندم الوقائع!"
صرخ الضابط.
استيقظ كامل من حلمه. نظر إلى الورقة، فوجد نفسه كتب سطرين من القصيدة بدل المحضر.
ضرب كفّه على جبهته:
– "يا ساتر، هنسجن الراجل ولا نطبع ديوان؟!"
بدأ في تصحيح الورقة.
"ضُبط المذكور بحوزته كمية..."
لكن القصيدة لم تتركه.
كل كلمة يكتبها في المحضر، تتحول في رأسه إلى استعارة.
"كمية" تصير "قصيدة ناقصة".
قال في نفسه:
"وماذا لو قرأ أحدهم قصيدتي؟ سيقولون: رئيس مدينة يكتب شعرًا؟ ألا يكفيه القرارات؟"
هبّت ريشة نورٍ من عبق الخبز الساخن، كأن الرائحة نفسها تهمس له:
"الخبز... وجه العدالة حين يبتسم للجوع."
قال في سرّه:
"والجائع شاعرٌ لا يقرأه أحد..."
يده اليمنى أمسكت بالقلم.
هل يكتب القصيدة الآن؟
الضباط متحفزون، والعدسات مفتوحة،
الضابط أمسك كيس الدقيق كمن وجد كنزًا أثريًا.
المصور الحكومي صرخ: “تمام يا فندم، لقطة مهمة”.
ناداه الضابط:
– " يافندم، ندوّن المحضر؟"
الكلمات الرسمية تصطفّ ببرود:
"ضُبط المذكور بحوزته كمية من الدقيق المدعوم... بقصد التربح..."
رفع القلم، لكن الورقة كانت تطلب توقيعًا لا بيت شعر.
محضرٌ يقف بينه وبين القصيدة التي حلم بها.
تردّد: أيكتب المحضر أم القصيدة التي قد لا تأتي مرةً أخرى؟
في داخله حربٌ خفية بين الورقة والقلب.
كل حرفٍ يكتبه في المحضر يسحب بيتًا من القصيدة نحو العدم، وكل توقيعٍ رسميٍّ يوأد جملةً شعرية في مهدها.
ابتسم دون قصد، فالتفت إليه الضابط مستغربًا:
– "فيه حاجة تضحك يا فندم؟"
– "أبدًا... فكرة عدّت في بالي."
– "خليها تعدي، إحنا ورانا محضر مهم."
ناوله الورقة:
– "وقّع هنا يا فندم."
نظر إلى الورقة، فرآها بيضاء كقلبٍ لم يتعلّم الحذر بعد.
هل يكتب القصيدة أم المحضر؟
تردد، ثم وقّع.
بعدها سكت كل شيء.
القصيدة ذهبت.
نظر إلى القلم ثانيةً وشعر أن بينه وبين الورقة قصيدة لم تُكتب بعد.
كتب بخطٍ رسمي:
"ضُبط المذكور بحيازته كمية..."
لكن قلبه أكمل الجملة سرًّا:
"كمية من الأحلام الفاسدة التي تسرق الدقيق من فم العدالة."
وحين انتهى من توقيعه الأخير، نظر إلى صاحب المخبز المقيد أمامه، فرأى فيه وجهه هو، حين كتب أول قصيدةٍ له قبل عقود في غرفةٍ فقيرةٍ تشبه هذا المخبز.
كأن الوقت توقف.
المدينة انحنت حوله كأفعى قامت من سباتها.
الأرصفة تحركت، الأبنية تحدّثت، والملفات الرسمية همست كأنها تتنفس الصباح وتسأله:
“لماذا تحب الشعر أكثر من توقيعك الرسمي؟”
في تلك اللحظة، اختلطت القوانين بالأصوات في رأسه. صار المحضر شيئًا آخر: نصف محضر، نصف قصيدة، يتنفسان في الهواء بين الغبار وصرير الأقفال الرسمية، يراقبان المدينة التي تحولت إلى مسرحٍ للسخرية بين الشعر والقانون، بين الحلم والواقع.
كتب المحضر، ثم وقّع، بينما قال الضابط:
– “تمام يا فندم.”
خرج إلى الشارع، جلس في السيارة، والسماء تمطر بخفة.
لمعت ارصفة المدينة كصفحة ورقٍ مبتلة.
أخرج دفترًا صغيرًا من جيبه وكتب:
"القصيدة التي لم أكتبها... كتبتني."
ثم أغلقه ووضعه في جيب معطفه كمن يدفن سرًّا لا يريد أن يُكتشف.
من خلف نظارته السوداء راقب الشوارع التي يعرفها أكثر من نفسه.
الناس تمشي بلا هدف، كل وجهٍ يحمل سؤالًا لا يُسأل.
فكر في الخباز المسكين وفي القصيدة التي لن يكتبها أبدًا.
قال لنفسه:
"ربما هذه هي المأساة... مسؤولٌ يكتب محاضر ضد نفسه وهو لا يدري."
شعر أن المدينة تغيّرت دون أن يلاحظ.
الناس يهمسون بأشياء صغيرة كأنهم يقرأون أبياتًا غير مكتوبة، وجوهٌ بلا ملامح تلتفت إليه كأنها تعرف سرًّا لم يُكشف.
في المساء، بعد انصراف الجميع، جلس في مكتبه، فتح دفتره القديم وكتب بهدوء:
"خبز الحياة مفقود، والشعر جوع. ومن يملك القلم، يملك لحظةً واحدة ثم يفقدها."
طوى الورقة ووضعها في ملفٍ قديمٍ يحمل عنوانًا رسميًا:
"قرارات لم تُنفّذ."
نظر من النافذة فرأى الخباز الذي ضُبط اليوم يخلط الدقيق في الهواء، وضابط التموين يعبث بالقلم كأنه يعزف موسيقى صامتة.
المدينة كلها تتحدث وتضحك بصمتٍ، كأنها تعرف أن كل شيءٍ في النهاية مجرد قصيدةٍ لم تُكتب بعد.
في هذه المدينة، تعلّم أن الأشياء العادية جدًا قد تكون أغرب مما تبدو، وأن المفارقة وحدها قد تُبقي الشعر حيًّا حتى في قلب البيروقراطية.
أدرك أن الحقيقة قد تختبئ في رغيف خبز، أو في توقيع رئيس مدينة شاعر، مجرد وهمٍ لطيفٍ في صباحٍ عادي.
ومنذ تلك اللحظة، صار في المدينة شيءٌ غريب: أرغفةُ الخبز تتحدث بأبياتٍ شعرية، وأخرى محشوةٌ بالعدم، والموظفون يوقّعون المحاضر كأنهم يرددون مقطعًا شعريًا غير مفهوم.
صارت أجولة الوهم تمشي في الشوارع كأنها أبياتٌ من قصيدةٍ طويلة، والسماء تغطيها سحبٌ بيضاء تشبه الطحين.
هكذا، لم تُقتل القصيدة رغم توقيع المحضر، بل صارت قانونًا غير مكتوب، حكمةً تتنفس بين دفاتر الصمت.
وهكذا، بين الواقع والسخرية، بين الخيال والعبث الإنساني، بين القانون والقصيدة، تعلّم سكان المدينة شيئًا واحدًا: أن الحياة أحيانًا تسجل القصائد في أماكن رسمية، وأن الجمال والحقيقة قد يختبئان في ورقةٍ، أو رغيف خبز، أو توقيع رئيس مدينة شاعر على محضرٍ بسيط.
في الصباح التالي، جاء استدعاء النيابة لكل من شارك في تحرير ذلك المحضر. كانت التهمة واضحة:
"كيف دوّن في نموذج محضر سرقة دقيقٍ مدعوم... قصيدة شعر؟!"
وفي الليل، رأى القصيدة في حلمه.
كانت ترتدي ثوبًا من رماد، تجلس على مقعده الرسمي، توقّع الأوراق بدلاً منه.
سألها: “من أنت؟”
ابتسمت قائلة: “أنا المحضر الذي لم تكتبه.”
استيقظ فزعًا، والقلم في يده، والتوقيع على الورقة ما زال رطبًا.
ولا يدري...
هل هو من كتب القصيدة، أم هي من كتبته؟
ومنذ تلك الواقعة، صار الموظفون في الدوائر الحكومية الذين يعرفونه يقولون:
إن رئيسهم تغيّر.
صار أكثر هدوءًا، يبتسم حين يرى المخابز، ويُطيل النظر إلى الأفران كأنه ينتظر منها بيتَ شعرٍ جديد.
أما القصيدة، فلم تُنشر أبدًا.
لكن بعضهم يقول إنه حين تهبّ رائحة الخبز في الصباح،
تسمع من بعيدٍ صوته يهمس:
“القانون... أم الجوع للشعر؟”
ومنذ ذلك اليوم، صار كل محضرٍ يكتبه يحمل في داخله وزنًا شعريًا لا يراه أحد،
وكأن المدينة نفسها، في صمتها الموحش،
تكتب قصيدتها الكبرى على ظهر محاضر الضبط.
وحين أشرقت الشمس، لم يكن في الدفاتر أي محاضر…
فقط أبياتٌ بلا عنوان، كتبت نفسها ثم نامت.

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة