رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب


محدّقا في عدسة الكاميرا كما لو كانت مرآة اعترافٍ أكثر منها أداة عمل. أصابعه تتحرك على المفاتيح ببطءٍ متردّد، كمن يخشى أن يوقظ ما يختبئ خلف الزجاج. منذ زمن لم يعد يلتقط الوجوه ليراها، بل ليتأكد أنه ما زال موجودًا بينها. في الصباحات الباهتة، يحمل كاميرته إلى الأرصفة، إلى القطارات، إلى وجوهٍ لا تعرفه، كأنه يبحث في ملامحهم عن ظلّه القديم. كان يعرف أن كل لقطة تترك فيه أثرًا أكثر مما تتركه في فيلم. أن كل صورة تُقَرِّب وجهه من الغياب أكثر. ربما لم يكن مصوّرًا كما يظن الناس، بل شاهِدًا على اختفائه البطيء في كادرٍ بداية مشهد لم يكتمل بعد.
لم أكن أعلم أن الكاميرا لا تلتقط ما نراه، بل ما سنراه بعد أن يفوت الأوان.
في زاوية كاميرا لا يراها أحد، تتكشف الحياة بأسرارها الصغيرة. الوجوه تبوح بما لا يجرؤ الكلام على قوله، وبين حركة القطار وصمت الركاب، تتجمّد اللحظة، كأن الزمن نفسه توقف لينصت. زاوية كاميرتي تلتقط أسرار الحياة التي لا يراها سوى القلب. كل وجه، كل خطوة، كل وهم، يتكوّن في الكادر ليحكي قصة لا يسمعها أحد سوى الصمت.
الصورة عندي ليست فناً، بل اعتراف. فكل لقطة، إضاءة، ظل، مونولوج، أو حتى صمت، هو محاولة لتبرير وجودي بين هؤلاء الذين يمضون. الزمان؟ نهار أو ليل لا يهم. المكان.. عربة قطار، ميدان، شارع، أو حتى ذاكرة. لا يهم. كل ما يهم أن الكاميرا ما تزال تراقب، تختار: تقترب، تتجوّل، تثبت، أو تهتز. ولا يبقى من كل هذا سوى زاوية كادر صامتة تراقب الزمن. تشهد على الحياة التي لم نعشها، على الوجوه التي مرّت ولم نعرف أسماءها، على اللحظات التي أضعناها ونحن نبحث عن الصورة الأجمل. تلك الزاوية، البسيطة، الغافلة، هي التي تحتفظ بالحقيقة. لأن الكاميرا في النهاية لا تكذب. هي فقط تهمس بما لم يستطع أحد قوله. ولست أدري، حين أغمض عيني، هل أسمع همسها؟ أم هي التي تنظر إليّ الآن من داخل الكادر؟ أم أنني أنا الذي أصبحت جزءًا من كل صورة؟
كم من الوجوه اختصرت عمرًا في نظرة واحدة، وكم من دمعة علّقت حكاية على حافة الضوء. في القطارات، صوت حياة لمن يسمع همسها فقط. أصوات، منولوجات، نداءات، كلها تصبّ في مشهد واحد، لا نهار فيه ولا ليل، بل زمن معلّق كحلم لم يُفسَّر بعد.
كلّ عينٍ تلتقط ما تراه... إلا هذه الكاميرا، كانت تلتقط ما يُخفيه الناس عن أنفسهم. وكلما التقطت وجوه الآخرين، شعرت أنني أختفي فيهم. القطارات. الطرق. المباني.. الزمن نفسه. كلها تدور حول زاوية كاميرا لم تعد تعرف من يراقب من.. من ينظر لمن؟!
وفي كل ابتسامة، دمعة، أو نظرة خافتة، أجد نفسي، أختفي، وأعود مرة أخرى في زاوية جديدة من الضوء والظل، محاصرًا بين وجوه تتكرر بلا نهاية.. وجوه أراها ليست سوى انعكاساتٍ لي. وجوه تعود في كل زمن.. مرايا الزمن لا تكف عن إعادة نفس الوجوه.
أظن أنني مجرد ظل يمر بين لحظات لم تُسجَّل بعد.. كأن الكاميرا تهمس: "لا شيء يحدث إلا كما أريد."
هدير قطار الحياة أم الصمت يهمس في أذني: هل أرى العالم، أم أن العالم يراقبني؟. أنني مجرد جزء من صورة أكبر، صورة لم تُلتقط بعد. أشياء تمضي، وأرصفة تختفي تحت أقدام الناس.. قطار يعبر المدينة كحلمٍ قديم، ينعكس على وجوه العابرين، لأكتشف أن العدسة لا تحفظ الصور فحسب، بل تعيد صياغة زمن يتلوى حول الكادر، يحبسني في ظلاله.
والرحلة لم تبدأ، ولم تنتهِ،... والحقيقة؟ الحقيقة تتوارى في العدسة.
أحيانًا أظن أن العدسة هي التي تراني، لا أنا. كلما ضغطت زر الالتقاط، شعرت أنني أنا الملتقط، وأنا الملتَقَط أيضًا. عالم كامل من البشر والأحلام يختبئ في زاوية الكادر، ينتظر قطارًا يمضي بلا عودة، وزمنًا يتلاشى في الضوء والظل.
أحيانًا، أشعر أن وجوههم هي وجهي، والقطار الذي أركبه هو الزمن نفسه الذي يراقبني.. وجوه تتغير، أم أنا الذي أختفي في كل صورة أراها؟.
أركب القطار الأصفر كثيرًا. أحيانًا يصبح ركوبه طقسًا غريبًا، كأنني أوسم به نفسي. حين يندفع يشق بطن المدينة، أشعر أني أخرج من جلدي، أتحول إلى جسدٍ آخر يسير داخل الزمن، لا خارجه. أحب آخر مقعد قبل الممر، بين عربة وأخرى؛ هناك زاوية كاميرا ممتازة، أرى منها الوجوه تصعد وتهبط، تتبدل، تتكرر، كأنها مشاهد من حياةٍ واحدة.
هذا عجوز يشبه آخرَ رأيته بالأمس. ذاك شاب يحمل ذات النظرة القديمة في عيني طفل. رجال، نساء، أجساد مشحونة بملح الحياة وعصفها. قلّما تجد من يتفرّس الوجوه مثلي. حفظت كل الوجوه ورتبتها في ألبومات؛ ألبوم الأطفال يستهويني أكثر: براءة، ابتسام، بكاء... كلها لقطة واحدة لحياةٍ لا تعرف ما ينتظرها.
هذا الصباح إلتقطت صورة لوجهٍ مألوف بشكل مريب.. وجه يشبهني تمامًا، بنفس النظرة، بنفس تفاصيل التعب حول العينين.. نفس ملامحي.. ربما شبحي.
وحينما عدت إلى منزلي أتفحص الصور واتأملها كلوحات زيتية ما جفت ألوانها بعد، وجدت جميع الصور التي التقطتها اليوم تحوّلت تدريجيًا إلى وجهي هو.
الوجوه كانت لآخرين، لكنها بدأت تأخذ ملامحي.
وفي لقطة أخيرة رأيت صورتي والكاميرا في يدي، تنظر إلي مباشرة من داخل الصورة... هكذا ألفيت نفسي في كل الصور..، رغم تغيّر الأزمنة والأماكن والقطارات..تجعل الكاميرا نفسها شاهد على خللٍ، أم أنا أحلم؟
هكذا كان ذلك المساء الغريب. بعد سنوات من التصوير، أجد كل الصور التي التقطها، أجمعها في ألبومٍ واحد، لكن أثناء الترتيب، إكتشفت شيئًا لا يمكن تفسيره.. كل الصور مهما اختلفت الأزمنة والوجوه والقطارات تحمل الوجوه نفسها بالضبط. الطفل هو نفسه الذي كان عجوزًا في صورةٍ سابقة، والمرأة التي ضحكت ذات صباح، هي ذاتها التي بكت في مشهدٍ آخر، والرجل الذي جلس خلف النافذة في رحلة الشتاء، هو نفسه الواقف أمام الباب في الصيف.. الباعة أنفسهم.. بضاعتهم ذاتها.. نفس العيون، نفس الملامح، تتكرر في كل لقطة كأن الزمن يدور في حلقة مغلقة. كأن الكاميرا لا ترى إلا وجوهًا واحدة بأقنعة مختلفة.
في المساء وكان طويلا، جلست أرتّب ألبوماتي القديمة. مئات الوجوه، آلاف اللقطات .. لكن شيئًا غريبًا بدا يتسلّل إلى وعيي، شيئ لم أرَه من قبل: الوجوه تتشابه. لا، ليست تتشابه.. هي نفسها. نفس العيون.. نفس الالتفات. نفس الحزن الصامت خلف العدسة. الوجوه نفسها تتكرر في كل مكان وزمن. كل صور الحياة تتشابك، والوجوه تتكرر بلا نهاية، تتلوى في الألبوم وكأنها تعلم شيئًا لا أعلمه. ظننت أنني أتوهم، لكن الصور لا تكذب. في كل لقطة، الوجوه نفسها، تتبدل أماكنها فقط، كأن الزمن يدور في حلقة موصدة بلا توقف.. عندها فقط أدركت أن الكاميرا لم تكن توثق الرحلة.. كانت تعيدها.
شعرت بالرعب: الوجوه لم تعد مجرد صور، بل كائنات حية، تنظر إليّ، تهمس بما لم يُكتب، تتحرك في الظل، وتعيد ترتيب الزمن حولها. الكاميرا، تلك الزاوية الصامتة، لم تعد مجرد أداة، بل بوابة. كل لقطة التقطتها صارت نافذة إلى واقعٍ آخر، حيث أنا المراقَب والمراقب وجه واحد، مقيد بالعدسة، محاصر بين الضوء والظل. كل صورة كانت تحاكي وجودي، تعيد خلقه، تهمس لي بأنني لم أكن أبدًا خارج المشهد... بل جزء منه منذ البداية.
وبينما أقلب الألبوم الأخير، انزلقت من بين الصفحات صورة لم أرها من قبل. لم ألتقطها قط. صورة تحمل وجهي. كنتُ فيها أقف عند محطة لا أعرفها، لم أزرها.. وخلفي وجوه أعرفها جميعًا.
على الهامش بخط يشبه خطي.. كُتب التاريخ: مارس ٢٠٣٥.
نظرتُ حولي. الغرفة كما هي، الألبومات كما كانت. لكن تاريخ لم يأت بعد.. الصورة... لم تكن قد التُقطت بعد.
وضعتها جانبًا، وعدتُ أقلب الصور الأخرى، فإذا بالوجوه تبتسم للمرة الأولى.
من خلف عدستي، لم أعد أعلم من ينظر: أنا أم العالم كله؟. كل عينٍ التقطتها تعود إليّ في النهاية، كل وجه التقطته لم يكن سوى مرآة لي كأنني لم أغادر قط القطار مسافرا. كأن الرحلة لم تبدأ ولم تنتهِ، وكل شيء يحدث في حلقة واحدة لا مخرج لها. كل لقطة تعيد ترتيب الوجوه نفسها، كأن العدسة لا ترى إلا انعكاسًا واحدًا يتبدل موقعه.
ربما لم تكن غائبة أبدًا بل كنت أنا الذي أختفي، وحيدا بين كل ما التقطته العدسة. لم تغلق الكاميرا عينيها أبدًا… ربما كانت هي التي اختارت أن أعيش في كل صورة، بلا نهاية.. في كل وجه رأيته، وفي كل صورة التقطتها، أدركت أن الرحلة لم تبدأ أبدًا… وأنني محاصر في زمنٍ لا يمر إلا في زاوية الكادر.
أغلقْتُ عيني… فوجدت وجهي ينظر إليّ من كل صورة.
ربما كانت تلك اللقطة المؤجَّلة، تنتظر أن أختفي تمامًا كي تكتمل.. كأن العدسة لم تكن توثّقني، بل كانت تنتظر اللحظة التي أتلاشى فيها تمامًا.
تركت الكاميرا على المنضدة جانب كتاب لم أنتهي من قرائته، والعدسة ما زالت مفتوحة كعينٍ لا تعرف النوم. نظرت إليها للحظة، رأىت وجهي يتكوّن في زجاجها ليتلاشى ببطء، كما لو أن الضوء تخلّى عني. مددت يدي لأغلقها، لكن الصورة سبقتني، أطبقت عليه أولًا، واحتوته داخلها. في الصمت الذي تلا، بدا كأن الغرفة خالية إلا من صوتٍ خافت يشبه ارتعاشة زرّ الالتقاط.
على الجدار المقابل، كانت صورته الأخيرة تتكوّن ببطءٍ في انعكاس العدسة، ملامحه غائمة، وعيناه تحدّقان نحوه من الداخل... كأن اللقطة المؤجَّلة قد التُقطت أخيرًا.
أغلقتُ عيني، فسمعت الكاميرا تفتحها بدلاً عني.

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة