سؤالُ ما إذا كانت مصرُ على الطريقِ الصحيحِ تعليمياً لا يُجابُ عنه بنعمٍ أو لا، بقدر ما يُجابُ عنه بتفكيكِ المسار ذاته: من أين بدأنا؟ وإلى أين نتجه؟ وما الذي نغفله ونحن نظن أننا نُصلح؟
في السنوات الأخيرة، دخل ملفّ التعليم دائرة الضوء بوصفه أولويةً وطنية، وراحت الدولة تُلوّح بشعارات التطوير والتحديث والانتقال إلى معايير الجودة العالمية. غير أن جوهر الإشكال، كما أشار بوضوح د. مهاب مجاهد، يكمن في ترتيب الأولويات لا في غياب النوايا. فإصلاح التعليم ليس مشروع أوراقٍ وكتبٍ ومناهج جديدة بقدر ما هو مشروع إنسان؛ والمعلم هو هذا الإنسان الذي تُقام عليه المدرسة كما تُقام العمارة على أساسها.
التجارب الدولية الرائدة في التعليم—من فنلندا إلى سنغافورة وكوريا الجنوبية—لم تبدأ ثوراتها التعليمية من الكتاب المدرسي، بل من المعلم: انتقائه، تأهيله، منحه مكانة اجتماعية لائقة، وأجراً يحفظ كرامته ويحرره من هاجس البحث عن دخلٍ إضافي. هناك، لا يُنظر إلى التعليم كخدمة استهلاكية، بل كاستثمار طويل الأجل في العقل الوطني. أما في الحالة المصرية، فقد ظل المعلم لسنوات طويلة الحلقة الأضعف في منظومة يُطلب منها الكثير ويُعطى لها القليل، فكان من الطبيعي أن تختلّ المعادلة بأكملها.
وحين ننتقل إلى الكثافة الطلابية، فإننا لا نتحدث عن رقمٍ في فصل، بل عن بيئة تعليمية كاملة تُصاب بالاختناق. الفصل المكتظ لا يقتل فقط فرص التفاعل والتفكير النقدي، بل يُعيد إنتاج أنماط اجتماعية وسلوكية لا تمت للتعلم بصلة: ضجيج، توتر، عنف كامن، وغياب شبه تام لفكرة “المجتمع المدرسي”. في هذه الظروف، يصبح التعليم فعلاً ميكانيكياً، وتتحول المدرسة من فضاء للمعرفة إلى محطة إجبارية لعبور الامتحان.
أما المناهج—وهي أكثر ما يُثار حوله الجدل—فالمشكلة لم تكن يوماً في تحديثها، بل في الفلسفة التي تحكم هذا التحديث. فحشو المناهج، تحت وهم “مجاراة العصر” أو “اللحاق بالمعايير الدولية”، أفرغ العملية التعليمية من معناها. المعرفة لا تُسكب في العقول سكباً، ولا تنتقل من الورق إلى الذهن تلقائياً. المنهج الذي يتجاوز القدرة العمرية للطالب لا يرفعه، بل يكسره؛ فيفقد شغفه، ويتحول التعلم إلى عبء، ويبحث الطالب—ومعه ولي أمره—عن طريق مختصر: الحفظ، ثم النسيان.
هنا تتكامل الأزمة: معلمٌ مثقل، فصلٌ مزدحم، ومنهجٌ متخم؛ فتكون النتيجة هجرةً جماعية إلى الدروس الخصوصية، حيث يُعاد اختزال التعليم إلى مهارة اجتياز الامتحان. وهكذا، يتراجع دور المدرسة الرسمية، لا لعجزٍ ذاتي، بل لأن المنظومة بأكملها بُنيت رأساً على عقب: بدأ الإصلاح من القمة، لا من القاعدة.
إذا قارنّا موقع مصر بمؤشرات الجودة التعليمية العالمية، سنجد أنها ما زالت في منطقة الوسط أو ما دونها، لا لضعف القدرات البشرية، بل لغياب التكامل بين عناصر الإصلاح. فالدول التي أمسكت بناصية العلم لم تفعل ذلك عبر قفزات شكلية، بل عبر تراكم هادئ: ربط التعليم بالبحث العلمي، تشجيع التفكير لا التلقين، وإتاحة بيئة مدرسية تُنتج المعرفة بدل أن تستهلكها.
ما ينقص مصر اليوم ليس الذكاء ولا الطموح، بل رؤية شاملة تعيد تعريف السؤال: لماذا نُعلّم؟ فإذا كان الهدف هو بناء إنسان قادر على الفهم والتحليل والإبداع، فإن الطريق يبدأ حتماً من المعلم، ويمرّ بمدرسة إنسانية منخفضة الكثافة، وينتهي بمنهجٍ ذكيّ يُعلّم الطالب كيف يفكر لا ماذا يحفظ.
التعليم ليس سباقاً قصير النفس، ولا مشروعَ لافتاتٍ براقة، بل هو معركة وعي وصبر. ومصر، إن أرادت أن تتقدم في مؤشرات الجودة وتلحق بركب الدول المتقدمة، فعليها أن تُعيد ترتيب الهرم من جديد: أساسٌ صلب من المعلمين، وبناءٌ متوازن من القيم والمعرفة، وقمّة لا تُزخرف الشكل، بل تُتقن الجوهر.