نظرة
لسنوات طويلة، زرعت بعض المسلسلات والأفلام في عقولنا صورة ذهنية خاطئة عن صاحب "الحرفة" أو "المهنة اليدوية". أظهروا لنا "الأسطى" أو "الفني" كشخص يتهرب من التعليم، أو يكسب رزقه بالفهلوة. ولكن، لو نظرنا حولنا بعين الحقيقة، سنكتشف أن هؤلاء الرجال والنساء هم "العمود الفقري" الذي يستند إليه الوطن، وأن التقليل من شأنهم هو أكبر خطأ وقعنا فيه.
في دول العالم المتقدم، لا يقاس الشخص بلقبه الوظيفي، بل بما تستطيع "يداه" إنجازه. فالعمل الفني في ألمانيا أو اليابان يُنظر إليه كخبير، لأنهم أدركوا مبكراً أن المهندس لا يستطيع بناء مدينة بدون بناءٍ محترف، وأن أعظم المبرمجين يحتاجون لفنيين بارعين تشغيل الخوادم والآلات. المهارة، سواء كانت اى مهنة تقليدية أو في البرمجة والذكاء الاصطناعي، كلهما هو المحرك الحقيقي للاقتصاد.
السر الذي نحتاجه اليوم هو "التكامل". فالشاب الذي يمتلك مهارة يدوية ويصقلها بالدراسة والعلم، يتحول من مجرد "عامل" إلى "مبتكر". العلم يعطي المهارة نظاماً، والمهنة تعطي العلم روحاً وتطبيقاً. عندما يجمع الشخص بين ذكاء اليد ونور المعرفة، يصبح قادراً على إدارة مشروعه الخاص، وتطوير أدواته، والمنافسة في أي مكان في العالم.
إن أول خطوة في طريق النهضة. يجب أن نربي أولادنا على أن قيمة الإنسان في "إتقانه" لما يفعل، وليس في "برواز" الشهادة المعلق على الحائط فقط. صاحب الحرفة المخلص هو كنز وطني، وخبرته التي اكتسبها بالعرق والتعب هي مدرسة حقيقية لا تقل أهمية عن أي مدرج جامعي.
لذلك، يحتاج المجتمع اليوم إلى تصحيح مفاهيمه حول المهن والمهارات، وإعادة الاعتبار لها وفهم أن كل مهنة لها دورها في بناء الاقتصاد وصناعة المستقبل. الاحترام والتقدير للمهن ليس خيارًا، بل ضرورة، فالأمم التي تقدّر أصحاب المهارات هي التي تنهض وتستمر في التطور، بينما تلك التي تقلل من شأنها تتأخر عن الركب.
إلى كل شاب يمتلك مهارة أو حرفة ارفع رأسك فخراً، فأنت من تصنع الحضارة. وإلى مجتمعنا لن نتقدم خطوة واحدة للأمام ما لم نقدر "اليد التي تبني"، لأن ا المجتمعات التي لاتقدر صناعها وتجارها وفنييها، تظل دائماً في مؤخرة الركب.
"إنّ العلم والمهنة ليسا مسارين متقاطعين، بل هما خطان متوازيان يرسمان معاً طريق النهضة. فالعلم بلا مهارة يظل حبيس الورق، والمهارة بلا علم تظل محدودة الأفق. حين يمتزجان، تتحول الحرفة من مجرد وسيلة لكسب الرزق إلى قوة دافعة للمجتمع؛ فالمهارة و العلم في عصرنا الحالي هما السلاح، و القوة للمستقبل.