همس النيل
من يصدق أن مليون وظيفة تقليدية سوف تختفى تماما من العالم عام 2030 ليحل محلها 170 مليون وظيفة جديدة تعتمد على التكنولوجيا الحديثة والرقمنة والذكاء الاصطناعي هذه الحقيقة كشفها تقرير للمنتدى الاقتصادي العالمي WEF - صدر في يناير 2025
إنها حقيقة تثير الاهتمام - ولا أقول القلق وتفرض على كل من يهمه أمر هذا الوطن وأمر شبابه وأطفاله أن يتوقف كثيرا وكثيرا جدا فإن عام 2030 ، ليس ببعيد فضلا عما يشهده العالم كله من تفاؤل كبير لفرص العمل التقليدية في الوظائف والمصانع، كثيفة العمالة، ليحل محلها الكمبيوتر والتحول الرقمي بوظائف أقل عدداً وبالقطع اكثر راتبا ودخلا.
إنها حقيقة تفرض مراجعة شاملة لكل مؤسسات الدولة المصرية ومؤسساتنا الوطنية لبناء جيل مصرى قادم لا يناسب فقط الوظائف المصرية القادمة وإنما يتم تصديره للخارج بأعلى كفاءة.
إن نظرة على وظائف المستقبل تؤكد أن وظائف الذكاء الاصطناعي سوف تتصدر الوظائف ومعها الأمن السيبراني وتحليل البيانات وقطاعات الطاقة النظيفة والرعاية الصحية المتقدمة ووظائف التصنيع المتطور في المنسوجات والالكترونيات وتجهيز الاغذية ووظائف الهيدروجين الاخضر والطاقة الشمسية بل إن الاتحاد الأوروبي قام بأبحاث واسعة لزيادة فعالية الابتكار الرقمي وتهيئته لسوق العمل والاغرب ما قرره الاتحاد الأوروبي من تدريب شبابه وكوادره على تعزيز المعارك الرقمية لتأهيلهم لمواجهة الحروب السيبرانية وحماية البنى التحتية الرقمية.
وفي تقرير فإن أكثر الوظائف طلبا ستكون على اخصائيي البيانات و مهندسی التكنولوجيا المالية ومطوري البرمجيات وصناعات توربينات الرياح والأدوية والمستلزمات الطبية وفي تقرير آخر تظهر مهنة التمريض، بوصفها مهنة جاذبة في المستقبل ومعها الفنيين خاصة في مجالات تركيب الالواح الشمسية وفني توربينات الرياح ومحللو أمن المعلومات وهذا ما أكده مكتب العمل الأمريكي.
إن نظرة على العالم تؤكد أن %78% من المؤسسات العالمية صارت تعتمد على استخدامات الذكاء الاصطناعي عام 2034 مقابل 55% عام 2023 وأن ما تم انفاقه على الذكاء الاصطناعى يفوق 200 مليار دولار عام 2025
وفي وقت سابق أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب انه سوف يستثمر 500 مليار دولار على البنية التحتية للذكاء الاصطناعي واعلنت شركة آبل رصد 100 مليار دولار لصناعة الرقائق.
فيما تكشف الارقام أن أعلى الدول اتفاقا على الذكاء الاصطناعي أولها أمريكا تليها الصين تليها انجلترا - بما يؤكد قناعة هذه الدول بأن تقنية الذكاء الاصطناعي لا تقل ابداً عن اختراعات الكهرباء والإنترنت وانه لا شيء في العالم سيكون بعيدا عن هذا المجال.
إن دولاً في منطقتنا قد اخذت الذكاء الاصطناعي على محمل الجد فقد اطلقت السعودية مبادرات تهدف لتمكين 50 الف مواطن من المهارات الرقمية والتقنية وجاهزون للوظائف المطلوبة لسوق العمل بحلول العام القادم واطلق في دافوس شراكة استراتيجية للابتكار والذكاء الاصطناعي ومثلها الإمارات التي اطلقت مبادرة 7 أعوام للتمكين الرقمي والابتكار وبرنامج مبادرة الجيل السادس لتأهيل ابنائها.
إن العالم من حولنا وهو يشهد هذه التحولات والطفرات الثورية نحو الرقمنة والذكاء الاصطناعي فإن عوالم ومعطيات تحيط هذا العالم تجعلنا ندفع في اتجاه تصدير ابنائنا للخارج فإن أوروبا ، مثلا امام تحد كبير فإن تراجعها الديموجرافي، يفرض عليها حتمية الاعتماد المتزايد على المهاجرين التعويض نقص العمالة وتدريبهم على مهارات المستقبل وبفضل الله وجودة ابنائنا فإن دولاً مثل المانيا وايطاليا يفضلون العامل المصرى إذا توافرت فيه الكفاءة والقدرة اللازمة.
إنهاء معطيات تفرض علينا شحد اقصى الهمم واجتذاب أكبر الخبرات والخبراء العالميين والاستعانة بالمصريين ممن فرضوا وجودهم على المستوى الدولي لكي ترسم لمصر استراتيجية واضحة المعالم تلتزم بها كل وزارات الدولة وكل مؤسساتها الإنتاج وتخريج المصرى المؤهل فنيا وتكنولوجيا كي يكون الأفضل في العالم، بما يلبي طموحات الوطن في داخله واحتياجات العالم من حولنا فإنه صراع عالمي مفتوح والغلبة فيه للأكثر يقظة والاقدر على الوصول المنتج شاب الأفضل عالميا.
والحقيقة فإننا لا ننطلق من فراغ وإنما نملك الكثير والكثير جدا من المقومات التي تعطى مصر والمصريين الأفضلية عالميا أهمها إرادة المصريين التي لا تقهر وذكاؤهم الفطرى وقدرتهم على التحليق في سماء العالم وليس الدكتور أحمد زويل و نجيب محفوظ و مجدى يعقوب وفاروق الباز وغيرهم كثيرون فإنهم ليسوا إلا أمثلة لمئات بل الآلاف والملايين من مصريين صاروا نجوما في سماء العالم.
لا تنطلق من فراغ فإن ما قاله الرئيس عبد الفتاح السيسي في دافوس 2026 يؤكد هذا المعنى فقد أكد الرئيس أن مصر رغم ما صادفته ولا تزال من تحديات حقيقية ترتبط بضغوطات خارجية وتقلبات الاقتصاد العالمي وتراكمات داخلية فرضتها سنوات من الأزمات المتلاحقة فإن مصر تحول المحنة إلى منحة بل إن الرئيس اعتبر هذه التحديات عوائق للتنمية، بل هي دوافع للإصلاح. لا تنطلق مصر من فراغ فإن جهودا حقيقية تبذلها الدولة المصرية ومؤسساتها الوطنية وجامعاتها ومراكز الأبحاث فيها تسير في هذا الاتجاه آخرها مبادرة منحة علماء المستقبل والتي أطلقتها وزارة التعليم العالي برعاية السيدة قرينة السيد رئيس الجمهورية باعتبارها المبادرة الوطنية لدعم الطلاب المتميزين بالجامعات المصرية وتمكين الشباب من فرص تعليمية عادلة ومتكافئة وبناء جيل جديد قادر على المشاركة في مسيرة التنمية الشاملة وبناء مستقبل الوطن لا تنطلق من فراغ فإن مبادرات وزارة الاتصالات مثل مبادرة بناة مصر الرقمية والرواد الرقميون و مجتمع رقمي آمن، وغيرها جميعا تصب في خانة بناء جيل من الشباب والخريجين وتمكينهم في تخصصات الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني.
وبعد فإن العالم من حولنا يتسابق لنيل أكبر مساحة من كعكة التكنولوجيا الرقمية ونفق عشرات ومئات المليارات من الدولارات لكي يكون الأعلى والأفضل والمصدر لهذه التكنولوجيا الرقمية والذكاء الاصطناعي.
إننا ونحن نقدر - بكل الاحترام . جهودا مصرية حثيثة في هذا الاتجاه فإننا بحاجة إلى الارتقاء بالوعي المجتمعي والمؤسسى بوصف هذه المهمة مشروعاً وطنياً تدلى فيه كل مؤسسات الدولة بما تملكه.
نضع أمامنا إستراتيجية وطنية واضحة المعالم هدفها في النهاية إنتاج جيل مصرى شديد التميز قادر على المنافسة وتخطى العالم كله للوصول إلى قمة هذا العالم في التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني فإن التجارب علمتنا أن مصر القوية القادرة التي حطمت كل دعاوى الفتن والمؤامرات والأكاذيب والشائعات قادرة أيضا على أن تقود العالم وتفرض إرادتها ويعلو أبناؤها إلى قمة وظائف العالم. وفي ذلك فليتنافس المتنافسون.