رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب


تتسارع دقات طبول الحرب في منطقة الخليج، بينما تقود القاهرة حراكاً دبلوماسياً ماراثونياً لنزع فتيل مواجهة وشيكة بين واشنطن وطهران ستؤدى بالمنطقة إلى حالة من عدم الاستقرار، وتداعيات كارثية يمتد أثرها لسنوات طويلة. وفي مشهد يعيد للأذهان سياسة "حافة الهاوية"، يواصل الرئيس دونالد ترامب حشد قدراته العسكرية في المنطقة، تاركاً في الوقت ذاته ثقباً ضيقاً للدبلوماسية؛ ليس حباً في السلام، بل بحثاً عن صيغة تضمن تنازلات إيرانية تاريخية ترضي طموحات حليفه رئيس وزراء اسرائيل بنيامين نتنياهو، وتنزع مخالب طهران الإقليمية.
شروط واشنطن التي تلوح بها لتجنب الحرب تبدو مستحيلة وتمس الكرامة الوطنية لأي دولة. الأمر هنا يتعلق ببرامج إيران النووية والصاروخية وسياستها الإقليمية التي قد يتفق البعض أنها لا تتوافق مع آليات التعاون الإقليمي، إلا أن طهران في نهاية المطاف ليست فنزويلا. والنتيجة أن طهران "أبلغت الإدارة الأمريكية برفضها التام لهذه الشروط"، لكن الجانب الأمريكي يصر على استجابة فورية لشروطه وأيضاً قبول فوري للتنازلات. وعادة يتم وضع شروط غير مقبولة في أي مفاوضات كمبرر لشن الحرب أو فرض عقوبات من الطرف الأقوى على الأضعف، وهذا ما نراه الآن.
حتى الآن لا تزال الأبواب مفتوحة بين طهران وواشنطن لخفض مستوى التصعيد، على الرغم من أن ترامب الذي يجيد سياسة "حافة الهاوية" والتفاوض تحت النار يميل بشكل أو بآخر إلى توجيه ضربة محدودة لطهران. وقبل أيام بدأت القوات الأمريكية التي تستكمل حشودها قرب مياه الخليج العربي مناورات جوية واسعة النطاق في خطوة ربما تستخدم نفس السيناريو الخادع الذي طبقته مصر في حرب أكتوبر عام 1973، عندما انتقلت من المناورات والتدريبات العسكرية التي كانت تجريها في ذلك الوقت إلى حرب حاسمة أدت فيما بعد إلى حصولها على سيناء كاملة.
ترامب الذي يجيد لعبة العصا والجزرة قال: "لدينا قوة بحرية كبيرة بالقرب من إيران، أكبر مما كان لدينا في فنزويلا"، في إشارة إلى مستوى الانتشار العسكري الأمريكي الحالي في المنطقة. لم يستبعد إمكانية التوصل إلى حل دبلوماسي مع طهران. والوجود الأمريكي في منطقة الخليج يتيح مرونة عملياتية لا تعني بالضرورة وقوع هجوم عسكري، بل قد يؤدي ذلك إلى فرض حصار على إيران. كما أن حالة عدم اليقين التي تحيط بالقرار الذي سيتخذه الرئيس الأمريكي، تزيد من تعقيد الموقف وتطرح المزيد من الأسئلة... هل يريد استخدام هذا الحشد غير المسبوق للقوى لإحداث تغيير في نظرة النظام الحالي، أم أنه يريد قيادة تحرك واسع النطاق يؤدي إلى الإطاحة بالنظام؟
واقعياً لا أحد يعلم ما ينوي ترامب فعله. لكن لو انتقلنا من النوايا إلى النتائج، فإن أي هجوم حالياً سيؤدي إلى إضعاف الحكم في إيران وربما يعيد الزخم إلى التظاهرات الشعبية ويوسع من دائرة العنف والعنف المضاد في البلاد التي تشهد انهياراً حاداً في سعر عملتها المحلية الريال الذي وصل إلى أكثر من مليون مقابل الدولار الواحد.
بالطبع اختلفت الحروب اختلافاً جذرياً في السنوات العشر الأخيرة بسبب تطور المسيرات وتكنولوجيا الذكاء الاصطناعي. وخلال عام 2025، شنت إيران هجمات واسعة النطاق تضمنت إطلاق أكثر من 1000 طائرة مسيرة باتجاه إسرائيل، هذا بالإضافة إلى التوسع في استخدام الصواريخ البالستية، والطائرات الشبحية، وكلها أدوات تقلل من طول مدة الصراع والاشتباك أو الاحتلال المباشر للأرض وما يستتبع ذلك من أعباء عسكرية واقتصادية مرهقة على دولة الاحتلال. والتفسير المنطقي يؤكد أن الاهتمام بمستوى معيشة السكان والاعتماد على التجارة الدولية المشتركة بين جميع البلدان لم يعد يسمح بوجود حروب طويلة مثل الحروب العالمية في القرن الماضي… لذا فإنه حتى في حال توجيه ضربة أمريكية لإيران ستكون على غرار حرب 12 يوماً التي تمت في 2025.
ونظراً لما تقوم به إدارة ترامب على مختلف الأصعدة السياسية والعسكرية عالمياً سيكون من الصعب فهم ما تخطط له بالنسبة لإيران، فضلاً عن مقومات النجاح والفشل التي عادة لا يمكن قياسها خاصة في التجارب التي خاضتها الإدارات السابقة في مناطق النزاع في العالم بداية من حرب فيتنام مروراً بأفغانستان والعراق وانتهاء بفنزويلا.
بمعنى أنهم قد ينجحون في إخضاع طهران لشروطهم، لكن الأمر لن ينتهي عند هذا الحد لأن إضعاف السلطة سيؤدي في النهاية إلى تجرؤ الشارع وربما إسقاط النظام نفسه ومعه ما تم الإذعان له... والنتيجة معروفة مسبقاً هي ان الحرب علي إيران لن تفرز نصراً عسكرياً كما يتوهم البعض في واشنطن أو تل أبيب، بل ستخلق فرغا للقوة في قلب الشرق الأوسط يغري الطموحين والمتسلقين. كما إن إضعاف الدولة المركزية في طهران دون بديل وطني متماسك لن يعني الديمقراطية، بل يعني 'أفغنة' الهضبة الإيرانية، وتحول آبار النفط وبقايا البرنامج النووي إلى ساحة حرب للمليشيات والعصابات العرقية. حينها، سيكتشف العالم متأخراً أن كلفة السلام -مهما بلغت- كانت أرخص بكثير من فاتورة حربٍ لن يخرج منها أحدٌ منتصراً."

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة