رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

بالبنط العريض

في خطابه المطول الذي طال انتظاره في المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس بسويسرا,الأسبوع الماضي, جدد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب رغبته في الاستيلاء على جزيرة جرينلاند التابعة للدانمارك، زاعما أنها كانت في وقت سباق تحت السيطرة الأمريكية، وقال نصا: "بعد الحرب العالمية الثانية، التي انتصرنا فيها، لولا تدخلنا، لكنتم جميعا (قاصدا الأوربيون)تتحدثون الألمانية وقليلا من اليابانية,بعد الحرب أعدنا جرينلاند إلى الدانمارك, كم كنا أغبياء بفعل ذلك؟ كم هم ناكرون للجميل الآن؟".. "لنا حقفي الاستيلاء على الجزيرة، لذا نريد قطعة من الجليد لحماية العالم. وهم يرفضون منحنا إياها".

هكذا يصوع الرئيس الأمريكي -الأكثر جدلا في تاريخ الولايات المتحدة-خططه وأهدافه وطموحاته, كل شيء عنده على المقاس الأمريكي فقط, وما دون ذلك لا يعترف به, ومن أجل المقاس الأمريكي فهو يحبك السيناريوهات ويعقد الصفقات ويقبض "العرابين" مقدما أحيانا, ولا تخل صفقاته أحيانا من التراجيديا والملهاة معا, فالحقائق التاريخية لا تبدو حقائق في نظر الرئيس ترامب لو تعارضت مع خطته, والقانون الدولي لا يساوي شيء أمامالقانون الأمريكي, والمجتمع الدولي برمته لا يساوي شيء أمام الأمة الأمريكية, الكثير من منظمات المجتمع الدولي واتفاقياته ومعاهداته لا فائدة منها, في رأي ترامب؛ فسارع إلى الانسحاب منها لأسباب سياسية واستراتيجية واقتصادية، وبرر ذلك بالاعتراض على سياسات معينة، أوعلى أيديولوجيات وأجندات يعتبرها ضارة بالسيادة الأمريكية، أولما يراه ضعفا في كفاءة بعض هذه المنظمات في معالجة القضايا الأساسية، أوبسبب تكلفتها المالية الكبيرة التي تثقل كاهل الاقتصاد, وأدى انسحاب الولايات المتحدة من عدد من المنظمات والاتفاقيات الدولية إلى تأثيرات مالية وسياسية مباشرة على هذه المؤسسات، إذ واجهت بعض الهيئات عجزا في تنفيذ برامجها الحيوية خاصة في الدول النامية, ففي 7 ينايرالجاري وقّع الرئيس ترامب أمرا تنفيذيا يقضي بانسحاب الولايات المتحدة من 31 كيانا تابعا للأمم المتحدة و35 منظمة غير تابعة لها، مؤكدا أن هذه المؤسسات تعمل بما يتعارض مع المصالح الوطنية الأمريكية, لو تأملنا أبرز هذه الاتفاقيات والمؤسسات الدولية التي انسحب منها ترامب سواء في فترته الأولى أوالثانية سنجد منظمة الأمم المتحدة للتربية والتعليم والثقافة (يونسكو) ومجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة ومنظمة الصحة العالمية والاتفاقية الإطار للأمم المتحدة بشأن تغير المناخ واتفاقية باريس للمناخ وخطة العمل الشاملة المشتركة (الاتفاق النووي الإيراني) والمنتدى العالمي للهجرة والتنميةوصندوق الأمم المتحدة للسكان, ومع مطلع عام 2026 أعلن ترامب الانسحاب من 66 منظمة واتفاقية دولية، وشمل القرار وقف دعم واشنطن الكامل لصندوق الأمم المتحدة للسكان، مبررا ذلك بأن بعض سياسات وبرامج الصندوق تتعارض مع المصالح الوطنية الأمريكية وأجندتها الداخلية.

عودة إلى موضوع جرينلاند لنعرف كيف يفكر الرئيس الأمريكي, سنجده صاغ هدفه في خطايه الأخير بمنتدى دافوس بالحديث عن أن الجزيرة كانت تابعة في الأساس للولايات المتحدة الأمريكية وبعد الحرب واشنطن أعادتها للدنمارك وبالبحث في مدى دقة هذا الكلام تاريخيا سنجد رواية الرئيس الأمريكي غير دقيقة, فلم تكن جرينلاند تابعة للولايات المتحدة وما حدث هو أنه في العام 1941 أي خلال الحرب العالمية الثانية، وقّعت الولايات المتحدة والدانمارك اتفاقية تمنح الولايات المتحدة الحق في إنشاء قواعد عسكرية على الجزيرة للدفاع عنها في وجه ألمانيا النازية، مع الاعتراف بسيادة الدانمارك على الإقليم, وهذا بالطبع ليس معناه أن جرينلاند كانت مملوكة للولايات المتحدة, لكن الحقيقة أن الرئيس ترامب لا يكترث لأي شيء بما في ذلك سيادة الدول على أراضيها, كل ما يهمه هو أن يحصل على الجزيرة "بقوة الولايات المتحدة", فالجزيرة في موقع فريد يربط بين أمريكا الشمالية وأوروبا، وتتحكم فعليا بممرات جوية وبحرية حيوية في أقصى شمال الأطلسي, مما يجعلها نقطة ارتكاز لأي قوة تسعى للهيمنة على القطب الشمالي، مع تحول المنطقة إلى ساحة صراع مفتوحة بفعل التغير المناخي وذوبان الجليد.

السيطرة على جرينلاند تعني بالنسبة لترامب التحكم ببوابة جيوسياسية تمكنه من مراقبة التحركات العسكرية والاقتصادية بين القارات الثلاث, وهذا يتفق مع مبدأ
"أمريكا أولا" واهتمامه بجرينلاند لا يمكن فصله عن تصاعد نفوذ كل من الصين، وروسيا في المنطقة القطبية, لذلك يرى أن ترك جرينلاند خارج دائرة نفوذه المباشر قد يحولها مستقبلا إلى نقطة اختراق إستراتيجي من قبل خصومه.

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة