رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

أخذتنى خرافة أنى ولدت، فى أوج شهور الصيف، فلن أتذكر منه شيئا. دائما شتاء غائم. وبحر عاصف. وشهور البرد والريح. بالكاد نذهب لطرف خيال ما، فتختطفنا لحظة جميلة، ننقاد لها. كسحابة بيضاء، تتهادى فى سماء زرقاء. كنسيم يداعب زهرة فى فردوس النفس، فتهبنا من أريجها، الهدوء والسكينة. لكنها الحياة نفسها، ترينا ما لم نكن نتوقعه أو نرتقب حدوثه، من عواصف، فلا نرى هدوءا ولا سكينة. لماذا لا أتذكر نسمات ربيع، تهتزّ لها أوراق الشجر، على أغصانها. ألم أرى هذا..؟!
ومع ذلك، لا أدرى أنغمض أعيننا، فى غيبوبة، نفرضها على أنفسنا، لنتحرر من الوعى. نتذكر ما نشاء، أو ننسى ما نريد. ربما ونحن غائبين، عن كل منطق، يكون أجمل ما نكتبه. بشئ من مغامرة عبور هذه المسافة البعيدة، إلى الخيال. نتسائل أنصف نظرات رقيقة أم زائفة..؟!
أنصف نبضات قلب، من دهشة تتلألأ، فى الروح، أم فزعة ألم فى صدر، يتلقى ما يتلقاه..؟!
إبتسامة أم دمعة..؟!
سرور أم حيرة..؟!
حقيقة أم كذب..؟!
إنها أحاسيس، تنتاب كل كاتب، حينما يمتلكه الخيال. ولا يكون إلا ما فى نفسه، ملكا له وحده. فإذا كتب، ضاع كل شئ. وضاعت الحقيقة، إلا من نفسه. لا يعرفها أحد، إلا قلبه. حبّا كان أم ألما. ولو كان هناك عدم يقين:
هل تتضمّن الكتابة ما يدور فى أنفسنا، أم تذهب فيها..؟!
وإلا كيف يشعر كاتب، دون أن يعرف لذلك سببا، أنه طفل أو شاب أو شيخ كبير، فى ذات الوقت. كيف يحسّ بمَ يألمون به. كيف يحبّون.. كيف وكيف..؟!
كيف يدرك ما عليه أمره، فى الواقع، دون أن تميته برودة ريح شتاء، تسكن ذاكرته. تجمدها. دون أن تصهره حرارة مشاعر وأحاسيس، بقلبه، وتهرب منها روحه. كيف يتحرر من تلك القيود.. فيكون حسبما يريد. كيف يروى أو يحكى ما يحدث، أكثر عمقا فى الخيال، ويراه واقعا. أو رأه فى الواقع، فيصيّره خيالا..؟!
كنت فى حالة إستثارة إستثنائية وانفعال شديد
متذكرا رواية "آلام فارتر' وهى رواية رسائلية وشبه ترجمة ذاتية للأديب الألماني يوهان جوته وهي أول رواياته، نُشرت للمرة الأولى في عام 1774 ثم نُشرت طبعة منقحة منها في 1787. وتعتبر الرواية ذات أهمية في حركة العاصفة والاندفاع في الأدب الألماني، وكان لها أيضاً تأثيرٌ في الحركة الرومانسية في الأدب..
كانت أمامى صفحة البحر تومض على البعد، فى قلب الليل. وعدا بصباح، ربما لن يأتى. كحقيقة محيرة لا أعرفها.. فلم تعد الاسكندرية ولا البحر ولا الشاطئ ولا تلك البقعة حيث أخلو بنفسى، من حين لآخر، كما عهدت. كل شئ تغير فى عينى، أم أنا الذى تغيرت. أم كل شئ صار كفكرة زائفة، أصابت رأسى. لم أكن لأحجم، عن التفكير. لما كل شئ لا كما أراه، فى الواقع، الآن. أم أنا لم أكن قد رأيت نفسى بعد، وأن كل شئ فعلا كما هو..
لم أجد صعوبة كبيرة فى التهكم على نفسى، ولن تنجح الحيل النفسية فى رؤية غير تلك. شعور كئيب صادم، كفيل بأن يضع قدميك، على الطريق الصحيح، أو إلى منفى نفسى وعزلة. انقسمت أفكارى إلى نصفين، فى رأسى، تماما. بين مدينة وبحر، وبقعة على شاطئ، وأشياء باتت تنكرنى، وأنكرها. هراء واضطرابات حياة، لا يجدى معها شئ، سوى أن أغمض عينى قليلا، لأرى ما لم أكن أراه. فالحقائق، ربما لا نراها، إلا أغمضنا أعيننا، قليلا. تبدو واضحة جلية، بينما نتلاشى فى البحث عنها، وهى داخلنا ساكنة. نولد ليكون مصيرنا الموت. وبين ميلاد وموت، حياة ربما لن يتذكرها أحد. ذكريات تضيع بذهاب روح، فى لحظة إحتضار. وما كان ممكنا قريبا، يصير بعيدا مستحيلا. كاستحالة أن تعيش حياتين. أن يكون لك روحين. فى الواقع، لا أعرف كثيرا عن تلك الفلسفة والأفكار التى تجعلنى، أعيد التفكير فيما كان مسلمات، وأصبح أقل إقناعا. أستمتع بهذا الإغراء الذى يشدنى إلى إصرار مع نفسى غريب. أنه لن يبقى غير لحظات نحاول فيها، إدراك أنفسنا، وسط عبث الحياة، وعدم معقوليتها. هذا العالم الذى نحيا به داخلنا، أكثر مما نعيشه ونحياه، فى هذا العالم الكبير. لا يهم أن لوّحه البحر، بالتحرر من قيود وأغلال، تضربها عواصف الحياة وتكسرها. ليبقى لنا مساحة إرتياح داخل النفس، وفى أعماقها. وحينما أفكر بهذه الطريقة لأفهم ما يستغلق علىّ فهمه، يصبح الأمر مثل تلك البقعة على شاطئ خال، وقد إختفت. ضاعت، كخيط قصة محكوم بفشلها. لن تكون إلا فى رأسى. فى مكان ما، وسط تفاصيل كثيرة، يبدو معها المستقبل مجهولا، وعين الحزن مسهبة رهيبة. ونتمّ المسافات بين أماكن متباعدة، برحلة ذهنية، حين نخلو بأنفسنا، نائين عن اضطراب حياة، ربما تعود إلى كل شئ. وفى اجتياز هذه المسافات، نعجز عن وصف أصداءها، حين نمضى لشأننا، ونسير بلا توقف. لا نكاد نبلغها، حتى نلقى شيئا كثيرا، من حيرة. لا تفارق أعيننا ما تثيره فينا حوادثها، فنلقي إلى الورق، ما يملأه بين متعة ومرارة، إلى أقصى درجات شدة. وأبدا، لا يستقر ما كان مضطربا، ولا يملأ القلب إلا روع. نتبع فى آخر الأمر، ما لا يصدق، كمن يدفع بردا قارسا عن يديه، فيضعها، فى النار. بكل تأكيد، يختار البعض طريق الهروب كما اختاره "جوتة" فى رائعته "آلام فارتر". وقبل وقوع مثل تلك الحوادث العارضة للتفكير، والأسئلة التى تدور بدون إجابة، فقد لا يكون هناك ما يذكر، فى حياتنا. حتى تبدأ سلاسلها تشدنا، إلى ما لا نتوقع، كبّحار لا يعرف أين يذهب، إلا بمقامرة على حظ وأمل. ومغامرة قد تنتهى إلى الوعى بالذات، أو إلى ضياع وتلاشى. مثل هذا ما جعل "جوزيف كونراد"، أديبا. مسافرا فى البحر، على متن سفن محملة بأكوام الفحم، ومحاولا أن يقدم حلولا ممكنة لحياته الصعبة، ورفقته حقيبة كتب كبيرة، فى مسافات رحلات غامضة. المعنى الحقيقى، أنه اضطر أن يحيا. يجرب كل إمكانيات نفسه، متمردا، طوال حياته كلها. أنفق سنوات عمره، يحاول أن يفهم. ليغادر مرافئ آلامه. ولا شك فى أن أعرف جيدا، فعادة مبكرة، فشلت دوما، فى الإلتزام بها. إنما أحظى فقط ببرهات باهرة نادرة، عبر مسار فوضى صعب. أتلاشى بين أفكارى المنقسمة أو أنكر نفسى، فى لحظات مثيرة، يعجز الوصف عنها، فأستطيع أن أكتب أو أحلم، إلى حد مدهش. حينما يبتسم الحظ لخيالنا، دون سبب معقول. هذا كل ما فى الأمر. وربما لم يحدث مطلقا، فى الواقع، أن أدركت شيئا، مثلما أدرك الآن. الحقيقة الأكثر إثارة، أن تكون الحياة على مدارها، حياة رديئة، دوما. هذا إن لم تكن شيئا آخرا، ننكر أنفسنا معه..
حصادا غريبا، للحظات غريبة. فتنة، تجول معها الروح بين تفاصيل. ربما مرّ عليها زمن طويل. أو ربما ما لم يحدث أو يكون، قط. لِمَ، لم يكن قد رآه، أبدا. هذا الغموض الآسر، الذى يكتشفه الكاتب، فى مجهول نفسه أولا، ويطارد فيه الخيال، ويطارده. سرّ ما، ما زال مستغلقا، لا يعرف له، حل. حتى يظن أنه من الممكن جدا، أن يظل أسيرا لمخيلته، وربما عليه أن يكون، على الحافة، بين العقل والجنون، حتى يكتب. ولا يعرف ما خلفها، من رؤى وهاجة، أو ما وراءها، من عالم، أبعد من هذه الحياة. وفي شدة توتر وقلق، كان كل ما أكتبه ولا أفكر إلا فيه، أسوأ حالا، من إرهاصات نفسية وتمزق شخصيات قصص، تطارد مخيّلتى. ربما كان هناك شئ خاطئ، فيما يدور فى رأسى. لكن بلا شك، وبأي حال من الأحوال، كان تمهيدا لفقدان ذاكرة إرادى. وليس معروفا لى بالضبط، متى بدأت أعانى من هذه الحالة المثيرة، مع الموت.. لأعرف كم هو جميل. ومن الأفضل، أن أراه فى عينىّ بطل أو بطلة، أموت فى أحدهما. أن تعرف كيف تخلو، بنفسك. تطرق برأسك، مفكرا، كيف تمضى، فى خبايا نفوس وشخصيات قصة، إلى درجة بعيدة.. ولا ينغص الحياة، غير كوابيس، لا يُعلم متى تظهر، فى عناد وإصرار. لا يفزع فيها، إلا ما يصطخب، فى النفس، من هواجس غريبة. يبدو لى أن أشباحا، تطاردنى ليلا ونهارا، فى ظلمة حالكة دامسة، تترامى أطرافها، ولا تنتهى، إلا بالكتابة. ولا يخلو الأمر، من غرابة شرود وحيرة. محاولة إعتبارالمسألة كلها، مجرد حلم مروع، يجب إجتياز أثره. إعتبار الأمر كأن لم يكن، حينما ننتهى من الكتابة. نشعر فى هذه اللحظة، أننا ألقينا نظرة فاحصة، إلى السراب. كل ما أستطيع تذكره، فى النهاية، أن هناك نّصّا، حمل من النفس شيئا، من هذا الإحساس المسمّى الكتابة. ولم يكن هناك مبررا معقولا، إلا الموت، ليعطيه هذه القوة. موتا، يكشف لى شيئا، من وجه حقيقة غائبة، من اضطراب الحياة، فيحيا النصّ. حقا، أمر غريب. للأسف، حينما تظهر هذه الحقيقة إلى حيز الوجود، فى النّصّ، نكون، قد تلاشينا. وربما ذهبنا، إلى أجل غير مسمى. لا نعرف متى نعود، من لحظة، تتجاوز بنا غرابة الحياة. وتتجاوز شعور بقلق وضيق وتوتر. تخلص من كل شئ، حتى الحياة نفسها، فى فضاء نص أدبى. ولا أعرف كم مرّ من وقت، منذ أن إنقضت ليلتى الأخيرة. بشكل مدهش، إذ حرتُ مع أسئلة، لا تنتهى أبدا. دائما، بلا إجابة. بينما البعض الآخر منها غامض، والأكثر، أسئلة غريبة الأطوار معى. تظهر لتختفى. وتختفى لتظهر. إدراكا لحقيقة، قد تدفع بى أكثر، إلى رؤى نفسية، أكثر منافاة للعقل والمنطق. هكذا حللت مشكلتى، بسهولة. ببعض جماليات الموت، فى جوهرها. برغبة شديدة، أن أكتب الموت، قبل أن أموت. بحثا عن فرصة تتاح، لتخطى تناقضات الحياة. أحاولا يائسا، تحقيق إستنتاجات ممكنة، عن وجود ملموس. أو رؤية تفاصيل واقع غريب ومؤلم، فى تلك المسافة الرمادية، من النفس. وهكذا ألفيتنى، فى مساء قصة "صوت الحياة"، لا أعرف إلى الآن، كيف أنتهى منها. فلا أدرك لها بداية، إنما سيطرت علىّ نهاية غريبة. الموت من جديد، كفرصة للكتابة. فبعض الموت، حياة. وبعض اليأس، أمل. إحتفاظ، بهواجس النفس، فنكتب عن أشياء، كالموت. أمام حيرة مثيرة، وإجابات غائبة. غموض، لعلى أعرف له تبريرا أو سببا، عن كيف نكتب، للخروج، من هذا الظلام. كمن يروح فى إغفاءة، فيرى ما يرى. أن نعمد إلى التخلص، من أفكار غريبة بالية، تكاد تحطم الأعصاب. غموض مبهم، يحجب رؤية الحقيقة. حالة، لا ندرك معها ما يحدث أو يستغلق الأمر كلية. نحار فى إستجلاء سرّ شئ ما. أن يدركنا شئ، من جنون، لم نكن نعرفه أو نعلم عنه كثيرا، حتى نشرع فى الكتابة..
والكتابة ليست مجرّد فعلٍ لغويٍّ أو انفعالٍ لحظةٍ عابرة، بل رحلة عبورٍ في المجهول، نحو جوهرٍ خفيٍّ يسكن النفس. وربما نكتب لنتطهّر من ظلال الحياة أو خفايا النفس، لنمسك بتلك اللحظة التي يتقاطع فيها الخيال بالحقيقة، والموت بالحياة. فكل نصٍّ يُولد من رماد ألمٍ قديم، أو ربما من نورٍ لا نراه إلا حين نغمض اعيننا. هكذا ندرك أن الكتابة ليست هروبًا من الحياة، بل هي مواجهتها في أصفى صورها؛ أن تموت قليلاً في كل سطر أو نص، لتُبعث من جديد في آخره.
وثمة لحظة خفية، تتجلى فيها الكتابة كفعل صامت، ينفرد فيها الكاتب بروحه أمام مرآة الكون. يكتب لا ليُعبّر، بل ليكشف الحجاب عن سرٍّ غامض يسكنه. فكل كلمة تُكتب، ليست سوى أثرِ روحٍ تفتّحت على ضوءٍ داخلي، وجرحٍ لم يندمل. وهكذا، تصبح الكتابة حالة من حالات خوف الوعي وحنين الفناء في ظلال قديمة.
وكل كتابة، في جوهرها، شاطئٌ يعيدنا إلى أنفسنا. هناك، بين الموج والسكينة، نسمع صوت الحياة مختلطًا بأطياف الذاكرة. نكتب لأننا لا نعرف كيف نصمت، ونصمت لأن الكتابة وحدها تفهم لغتنا حين تضيع. في غموضها خلاص من الحيرة، وفي ألمها حياة آخرى في طريقٍ لا نهاية له. هناك، تتجلى الحقيقة كوميضٍ بعيد، ندركه في لحظة ويفلت منا أخرى. وربما، لا تكون الكتابة إلا محاولةً للنجاة من العدم، والبحث عن معنى في فوضى الحياة والوجود.. هنا تكون الكتابة ليست فعلاً، بل حضورٌ يتنزل من مقامٍ غيبيّ، حيث تمتزج النفس بالسرّ، والحرف بالروح. حين يكتب الإنسان، لا يكتب وحده؛ فثمة يدٌ أخرى تُمسك بالقلم من وراء الغيب، تُملي عليه ما كان مكتوبًا فيه منذ الأزل. فهل نحن نكتب، أم يُكتَب بنا؟
فى النهاية كم مرة جلسنا أمام الورق، نبحث عن أنفسنا بين السطور.. ربما نكتب لأننا نخاف أن نموت بلا أثر. وربما لأن الكتابة وحدها تمنحنا حياة ثانية، نطلّ بها على العالم بعد الرحيل. في كل نصٍّ يولد شيء من أرواحنا، ويُدفَن شيء آخر. وهكذا، تظل الكتابة ضربًا من البقاء، في وجه ما يفنى.
وربما نكتب لعلنا نجد مَن كنّا، أو نكتشف مَن صرنا لعلنا ندرك اين تسري أرواحنا القديمة، واين ذهبت الذكريات. تلك هي الكتابة؛ بعثٌ صغير، من جوهر الروح.
ونكتب لكى نحب. أم نحب كى نكتب. فتلك مفارقة غريبة. لكننى أعتقد الآن وبوعى وفهم، أن الكتابة تقينى من الألم والحزن والتعاسة.. حينما، يختارنى موضوع أو فكرة تنساب، فى العقل، ما لأكون قريبا، كل القرب من التخيّل الجميل. ورغم ذلك يظل الأدب، نتاجا لتأثير خبراتنا الأساسية، ولتجاربنا الحسية، في الحياة. التى تخلق تلك الرغبة الحقيقية والحاجة الملحة للكتابة، بطريقة غامضة وبقدر ما يعنى الأمر، ليأسرنا. وهذا يعتمد على طريقة، ندرك بها، ما يقرّ فى الذاكرة، ويفرض نفسه علينا، ليتمثل أمامنا، بشكل مرئى. لا مجرد نقلا، لواقع. أن نفتش في الذاكرة. لنصوغ، من أحداث حياتية عادية جدا، ما يسمى بالأدب المبهر المتألق. وربما تكون إختياراتنا، لأفكارنا بطريقة لا عقلانية، لمَ تفرضه علينا الحياة نفسها، فتتوالد أفكار أخرى، نجد معها روح حميمية، مع تجاربنا الذاتية، حينما نكتب. فتثيرنا لحظة، أن نجد ما نكتبه، وقد دّبّت فيه الحياة. كرواية تجذبنا. قصة تسحرنا. تصل إلى العقل، بمنطق يأخذنا إلى عالمها، تأويلا للواقع، وليست مرآة له، تعكس تناقضاته. وتصل إلى الوعى بالضرورة. هذا ما ننهل منه أفكارنا، عبر علاقتنا، بالحقائق، من حولنا. سواء موضوعات تطارد مخيلتنا، أم هروب، من واقع إنسانى نحياه. تمرد على عالم، لتصبح الكتابة حقيقية وأصيلة، بهذا الخيال والإختلاق، الذى يعطى قوة الإقناع والإيهام..
وفي النهاية، لا نكتب لننقذ أنفسنا من الموت، بل لنختبره ببطءٍ على الورق. نُسائل الحياة فلا تجيب، فنصنع لها أصواتًا من الحبر كي تصمت معنا. كل نصٍّ هو موتٌ مؤجل، وكل فكرةٍ هي فيها وعينا. وحين نضع النقطة الأخيرة، ندرك متأخرين… أننا كنا نحن المكتوبين لا الكاتبين. فما نكتبه ليس عن العالم، بل عن الفراغ الذي يتركه فينا.. وفي لحظة الصمت الأخيرة، حين يسكن الحبر وينطفئ الخيال، نكتشف الحقيقة:
أن الكتابة ليست ما يبقينا أحياء… بل ما يكشف ما كنا قبل أن ان نكتب.
في النهاية، لا نكتب لنهرب من الواقع، بل لنعرف كم نحن غارقون فيه. نكتب لأن الحياة، على اتساعها، تضيق بنا كلما حاولنا فهمها. نكتب كي لا نفقد توازننا.. وفي كل مرة نظن أننا أمسكنا الحقيقة، تفرّ منا كطيفٍ في ضوءٍ راحل. ربما ليست الكتابة ما ننقذه من الغرق، بل هي البحر نفسه… ونحن الموج الذي لا يتوقف عن العَوْد.
نكتب لنرى ما لا يُرى، ونموت في كل سطرٍ لنحيا في آخره.
فالكتابة ليست نجاةً من الحياة، بل أثر روحٍ بين الخيال والواقع، الحياة والموت، الألم والتحرر.
وهكذا، تبقى الكتابةُ محاولةً لفهم ما لا يُفهم، واحتواء ما لا يُحتوى. نكتب لأننا نحيا، ونحيا لأن في الكتابة خلاصًا مؤقتًا من وجع الوجود. لا ننجو منها، بل بها. فكل نصٍّ يولد، يترك فينا أثرَ حياةٍ جديدة، ويمحو أثرَ موتٍ كنا نظنه الأخير.
وما بين أول حرفٍ يُكتب، وآخر سطرٍ يُختم، يمرّ الكاتبُ بمعراجٍ خفيٍّ نحو ذاته. يكتب ليقترب من الحقيقة، فلا يجدها إلا حين يتلاشى فيها. وإذا كان الموتُ نهايةَ الحياة، فإن الكتابةَ بدايتُها الأخرى.
وربما يكتب الكاتب مواساة لنفسه في غربتها فلا تصبح الكتابة حينها يقينًا، بل إعادة ترتيب فوضي داخلية، لعلنا نصل إلى سلامٍ مؤجل، لا يتحقق إلا حين نغيب.
وحينما نتمعن أكثر نجد أحيانًا أننا لا نحتاج أن نفهم الكتابة، بل أن نستسلم لها. أن نتركها تأخذنا حيث تشاء، كما تفعل الريح بورقةٍ سقطت من شجرة ذاكرةٍ بعيدة. وفي رحلة الكلمات هذه ندرك أن الحياة ليست سوى نصٍّ طويل، نكتبه ثم نختفي بين هوامشه.
حيث كل كتابة أو نص هو موتٌ صغير، لكن فيها أيضًا حياةٌ لا تنطفئ. فحين نكتب، نُسلّم أرواحنا إلى المعنى، ليبعثنا من جديد في نصٍّ آخر، وسماءٍ أخرى. وربما يكون هذا هو الخلود الوحيد الممكن: أن تظلّ أرواحنا تتكلم بحروفنا وكلملتنا بعد أن نصمت أو نموت.
وهنا يبدو أن الكاتب لا ينجو من شيء، بل يغوص أكثر فيما يخشاه. يكتب ليقترب من ذاته، فيكتشف أنه يبتعد عنها كلما ظنّ أنه بلغها. ومع ذلك، لا يملك سوى أن يكتب لأن الكتابة، رغم عجزها، هي الطريق الوحيد للعبور بين الحياة والموت دون أن نفقد المعنى مثل مقطوعة موسيقية، تحمل ظلال الحزن والجمال في آنٍ واحد.. تُخاطب روح الكاتب حين يتأمل المعنى الأخير لما يكتبه، وتغلق نصه بإحساس هادئ ومتسامٍ.
وربما لم أكتب يومًا لأُجيب عن أسئلتي، بل لأصغي إلى صداها وهي تتلاشى في أعماقي. فكل حرفٍ سطرته كان امتدادًا لأنينٍ قديم، وكل نصٍّ كتبتُه، كان وجهاً آخر لروحي وهي تتبدّل. صرت أؤمن أن الكتابة ليست خلاصًا من الحياة، بل وجهها الآخر — حياةٌ تهمس من وراء الغياب، وتترك أثرها على الورق كضوءٍ عابرٍ في عتمة. وعندما أغلق الصفحة، لا أنتهي منها، بل أبدأ من جديد، في حوارٍ لا ينقطع بيني وبين ظلي.. فالكتابة، في حقيقتها، ليست ما نكتب… بل ما يبقى فينا بعد أن نكتب.
وهكذافي لحظةٍ ما، لم أعد أفرّق بيني وبين ما أكتب. تماهى الحرف بالروح، وانطفأ الوعي في سكونٍ.. أدركت أن الكتابة ليست فعلًا من إرادتي، بل إستعارة من الغيب، تمرّ بي ثم تختفي. كل نصٍّ يولد، يسحب منّي شيئًا لا يعود، ويمنحني ما لا يُقال. كأنني أكتب لأتطهّر من أثر العالم، ولأقترب من حقيقةٍ لا اسم لها. وحين يسكن الحبر، وتغلق الصفحة، لا يبقى سوى أنا… ظلٌّ لحرفٍ كتبته ثم مضى.

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة