ألف نصيحة ونصيحة
ليست الصداقة وحدها هي ما يجمعني بالمنتج الكبير وصديق العمر والرحلة الإنسانية والمهنية هشام سليمان، فالعلاقة بيننا تشكلت عبر سنوات من العمل المشترك، والمواقف، والاختبارات الحقيقية التي لا تصنعها الأيام السهلة بل اللحظات الفاصلة. هي صداقة قامت على تشابه القيم قبل تشابه الأحلام، وعلى إيمان راسخ بأن النجاح لا يُقاس بما نحققه لأنفسنا فقط، بل بما نتركه أثرًا في حياة الآخرين. من هذا العمق الإنساني تأتي أهمية الحديث عن كتابه الأحدث ألف نصيحة ونصيحة، لا باعتباره إصدارًا جديدًا فحسب، بل بوصفه خلاصة مسار طويل من التجربة والوعي، ومشروعًا إنسانيًا متكاملًا يترجم الصداقة مع الحياة إلى كلمة، ويحول الفكرة الصادقة إلى فعل مؤثر.
دعيت لحضور حفل توقيع الكتاب، وكان يشرفني أن أكون حاضرًا في هذا الحدث المهم، لكن ظروف السفر والخروج عن الإرادة حالت دون ذلك. ورغم الغياب الجسدي، فإن الحضور المعنوي كان قائمًا، خاصة أن لي نصيحة باسمي داخل هذا العمل، وهو ما أعتز به كثيرًا، لأن المشاركة في كتاب بهذا الحجم وبهذه الرؤية ليست مجرد مساهمة أدبية، بل شهادة على روح جماعية تؤمن بأن الخبرات حين تُشارك تتحول إلى طاقة حياة للآخرين.
كتاب ألف نصيحة ونصيحة ليس مجرد إصدار جديد، بل تجربة إنسانية فريدة تُسجل كأول كتاب من نوعه على مستوى العالم، إذ يجمع بين دفتيه خلاصة ما كتبه ألف وكاتب واحد، كل منهم أودع فيه جوهر تجربة، أو لحظة وعي، أو درسًا صاغته الحياة بصدقها وقسوتها وجمالها. هذا الكتاب لا يُقرأ على عجل، بل يُعاش على مهل؛ نصيحة واحدة كل صباح كفيلة بأن تصنع رفيقًا يوميًا يمتد حضوره بامتداد عدد نصائحه، ألف نصيحة ونصيحة، رحلة فكرية وإنسانية استغرق إعدادها وكتابتها عامين وتسعة أشهر. وبحكم الاطلاع عليه قبل صدوره، بدا لي وكأن القارئ يدخل في حوار طويل ومتصل مع عقول متعددة وتجارب متباينة، تتلاقى جميعها عند هدف إنساني واحد، أن نعيش بوعي أكبر، وأن يكون وجودنا أكثر نفعًا ومعنى.
الكتاب في جوهره موسوعة إنسانية، لا تفرض الوصاية ولا تتعالى على القارئ، بل تضع أمامه خبرات متنوعة، وتترك له حرية التأمل والاختيار. وهو في الوقت ذاته امتداد طبيعي لمسار اختاره هشام منذ كتابه الأول، مسار يؤكد أن الكتاب ليس سلعة ثقافية فقط، بل وسيلة للتغيير المجتمعي ودعم من هم في أمسّ الحاجة.
الرائع في هذا المشروع أن عائد الكتاب بالكامل تم تقديمه هدية لمؤسسة بهية لمحاربات سرطان الثدي، وهو اختيار يحمل دلالة عميقة، لأن بهية تمثل نموذجًا للكرامة والأمل والانتصار على الألم. هذه ليست المرة الأولى التي يربط فيها هشام بين الكتاب والعمل الخيري، بل يمكن القول إن هذه الفكرة أصبحت جزءًا أصيلًا من مشروعه.
كتابه الأول حدث بالفعل كان حدثًا حقيقيًا، حيث ذهب عائده إلى علاج أهل مصر من الحروق بالمجان، في رسالة واضحة أن الكلمة يمكن أن تنقذ حياة. أما كتابه الثاني نهارك سعيد ويومك بيضحك، فقد خُصص عائده لمؤسسة أولادنا لدعم ذوي القدرات الخاصة، تأكيدًا على أن الفرح حين يُشارك يصبح أكثر صدقًا. ثم جاء الكتاب الثالث مئة نصيحة ونصيحة، وذهب عائده لمؤسسة مصر الخير، باعتبارها واحدة من أكبر المؤسسات الداعمة لمجالات متعددة من العمل المجتمعي.
واليوم نحن أمام الكتاب الرابع ألف نصيحة ونصيحة، الذي يواصل نفس النهج، ويؤكد أن الاستمرارية في العطاء لا تقل أهمية عن العطاء نفسه. وما يلفت النظر أن المشروع لا يتوقف عند هذا الحد، بل هناك انتظار للكتاب الخامس مئة وخمسون نعمة منسية، الذي سيذهب عائده لبنك الطعام، في لفتة إنسانية تعيد تذكيرنا بقيمة النعمة في زمن اعتاد فيه كثيرون التجاهل.
أما الكتاب السادس، فهو مشروع ضخم بعنوان عشرة آلاف نصيحة، سيصدر في ستة مجلدات، ويذهب عائده لعشر مؤسسات خيرية مختلفة، من بينها مؤسسات تُعنى بالشلل الدماغي وغيرها من المجالات التي تحتاج إلى دعم حقيقي ومستدام. الأهم هنا ليس الرقم ولا الضخامة، بل الفكرة، وهي أن يكون هناك أكثر من وسيلة لدعم هذه المؤسسات، وأن تتحول الثقافة إلى شريك أساسي في العمل الخيري.
ما يفعله هشام يفتح بابًا مهمًا للتفكير في مفهوم المشاركة المجتمعية، ويطرح سؤالًا بسيطًا لكنه عميق: ماذا يمكن لكل منا أن يقدم؟ قد تكون الكلمة، وقد يكون الجهد، وقد يكون الوقت، لكن الأهم هو الإيمان بأن المشاركة مسؤولية وليست رفاهية. في زمن تتزايد فيه التحديات، يصبح دعم المؤسسات الخيرية ليس مجرد عمل تطوعي، بل ضرورة لحماية التماسك الاجتماعي.
اخيرا
هذا الكتاب، وما سبقه وما سيلحقه، يذكرنا بأن الخير لا يحتاج دائمًا إلى ضجيج، وأن العمل الصادق يفرض نفسه بهدوء. كما يؤكد أن النجاح حين يُشارك لا ينقص، بل يتضاعف، وأن الكلمة حين تُستخدم بصدق يمكن أن تكون جسراً بين الألم والأمل. من هنا، فإن ألف نصيحة ونصيحة ليس فقط كتابًا يُقرأ، بل تجربة تُعاش، ودعوة مفتوحة لأن نكون جزءًا من الحل، كلٌ من موقعه وبما يملك.
في الختام، لا يسعني إلا أن أتقدم بالشكر والتقدير للصديق العزيز هشام سليمان، ليس فقط على كتاب يضيف وعيًا وخبرة إلى القارئ، بل على مسار كامل اختار فيه أن تكون الكلمة وسيلة للعطاء، وأن يتحول النجاح الشخصي إلى مسؤولية مجتمعية. الشكر يمتد أيضًا لكل من يؤمن بأن دعم المؤسسات الخيرية ليس عملًا هامشيًا، بل ركيزة أساسية في بناء مجتمع متماسك وعادل، فهذه المؤسسات تقوم بدور بالغ الأهمية، تسد فجوات لا تستطيع الدولة وحدها أن تغطيها، وتصل إلى الإنسان في لحظات ضعفه واحتياجه، وتمنحه الأمل والكرامة قبل أي شيء آخر. ما بين كتاب يُقرأ، ويد تمتد بالمساندة، تتجسد فكرة المشاركة الحقيقية، تلك التي تصنع الفارق وتمنح للحياة معنى أعمق وأبقى.
مصطفي البلك
[email protected]