رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

نظرة


بعد أن دفعت البشرية ثمنًا باهظًا للحرب العالمية الثانية، والتي راح ضحيتها ما يقرب من 59 مليون إنسان، أدرك العالم أن استمرار منطق القوة لا يؤدي إلا إلى الدمار، وأنه لا بد من تأسيس نظام دولي يضع حدًا للفوضى والصراعات. ومن هنا جاءت الأمم المتحدة، وتبعها مجلس الأمن الدولي، كإطار مؤسسي يهدف إلى حفظ السلم والأمن الدوليين، ومنع تكرار مآسي الحروب الكبرى.
ورغم أن إيقاف الحروب بشكل كامل قد يبدو هدفًا بالغ الصعوبة، وربما مستحيلًا في ظل تعقّد المصالح الدولية، فإن القانون الدولي، والأمم المتحدة، ومجلس الأمن يظلون أدوات لا يمكن الاستغناء عنها من أجل الحد من النزاعات، واحتواء الأزمات، وحماية الإنسان من ويلات الحروب. فهذه المنظومة الدولية تمثل حصنًا يحافظ على أمن وسلامة الشعوب، وأي مساس بها أو تقويض لدورها يهدد بانهيار أحد أهم أعمدة الاستقرار العالمي.
وفي هذا السياق، تبرز نماذج خطيرة لانتهاك مبادئ القانون الدولي، من بينها استخدام القوة خارج إطار الشرعية الدولية، وطرح سيناريوهات تمس سيادة دولة مستقلة، وتصل إلى تهديد امنها و سلامتها. إن مثل هذه الممارسات، بغض النظر عن مبرراتها، تمثل انتهاكًا صارخًا لميثاق الأمم المتحدة، وتعيد العالم إلى منطق شريعة القوة بدلًا من قوة القانون، بما يهدد الأمن والسلم الدوليين ويفتح الباب أمام فوضى دولية لا يمكن السيطرة عليها.

إن فرض الإرادة بالقوة، من وجهة نظر أحادية، يؤدي إلا إلى إشعال بؤر التوتر وزعزعة الاستقرار العالمي. فعدم احترام القوانين والمواثيق الدولية لا يهدد دولة بعينها، بل يهدد البشرية جمعاء، ويشعل نيران الحروب، ويقوض الجهود الدولية الرامية إلى حل النزاعات بالوسائل السلمية.
و هنا اتذكر مبادرة الحوكمة العالمية التي دعا إليها الرئيس الصيني شي جين بينغ، والتي تقوم على تعزيز التعددية في اتخاذ القرارات الدولية، واحترام القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة، إلى جانب دعم تنمية دول جنوب الكرة الأرضية. وتكتسب هذه المبادرة أهمية خاصة في ظل التحديات العالمية الراهنة، إذ تسعى إلى تحقيق قدر أكبر من العدالة الدولية، والحفاظ على مقدرات الشعوب، وترسيخ مبدأ التعاون بدلًا من الصراع.

إن العالم اليوم يمر بمنعطف خطير، تتكاثر فيه الصراعات، وتعلو فيه أصوات المدافع على صوت العقل. وفي هذه اللحظة الفاصلة، يصبح من الضروري خفض صوت البارود، وإعلاء لغة الحوار، والعمل المشترك، لأن التفاهم والتعاون لم يعودا خيارًا أخلاقيًا فقط، بل مصلحة مشتركة لجميع دول العالم.
وفي النهاية، يظل احترام القانون الدولي، والحفاظ على دور الأمم المتحدة ومجلس الأمن، الطريق الأكثر أمانًا لحماية السلم والأمن الدوليين، وصون مستقبل الإنسانية من تكرار مآسي الماضي.

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة