رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب


استقبلت خبر اختطاف الرئيس الفنزويلى نيكولاس مادورو بانزعاج شديد ، وأنا أتابع الانتهاك الصارخ لجميع القوانين والأعراف الدولية ، والعودة إلى قانون الغاب ، الذى يعترف بالبقاء للأقوى دون النظر إلى أى اعتبارات أخرى.

فما حدث فى فنزويلا لا يحمل دلالات محلية فقط ، بل هو حدث سيكون له العديد من الآثار على العلاقات الدولية ، ويعيد رسم خريطة التوازنات العالمية خلال الفترة القادمة وفى القلب منها منطقة الشرق الأوسط وأسيا وأمريكا اللاتنينية ، فى بداية ساخنة للعام الجديد الذى ربما يشهد عواصف سياسية شديدة.

إن مشهد ظهور رئيس فنزويلا مقيد اليدين، وكأنه خارج عن القانون، كما لو كان مجرما، لم يكن حادثا عرضيا،أو تمت إذاعته بطريق الخطأ بل كان مخططا له بعناية من الإدارة الأمريكية، التي تجاوزت دور المنظمات الدولية ولم تعد تمنحها أي وزن، والصورة كانت رسالة صريحة وواضحة أنه هكذا سينتهي الحال بكل من يجرؤ على تحدي النفوذ الأمريكي.

والحقيقة أن ما حدث مع مادورو ليس مجرد سياسة آنية لإدارة ترامب ، بل هى جزء من عقيدة راسخة تمتد عبر تاريخ الولايات المتحدة، تقوم على فرض إرادتها الدولية بالوسائل العسكرية والسياسية والاقتصادية.

فمادورو ليس أول حالات التدخل الأمريكي لتغيير أنظمة الحكم، فوفقا لمجلة "نيوزويك" الأمريكية، تمتلك واشنطن تاريخا طويلا في فرض سياسة الأمر الواقع على دول عدة، ليس بالاختطاف أو التدخل المباشر فقط. وتشير المجلة إلى أن هذه التدخلات لم تكن دائما بدعوى إسقاط ديكتاتور، بل جاءت أحيانا تحت عناوين حماية المصالح أو مواجهة الشيوعية، كما حدث مع الإطاحة بمحمد مصدق في إيران عام 1953، وجاكوبو آربينز في جواتيمالا عام 1954، وعبد الكريم قاسم في العراق عام 1963، ومحاولة إسقاط فيدل كاسترو في كوبا، ثم الإطاحة بنجو دينه ديم في فيتنام الجنوبية، وسقوط جان-كلود دوفالييه في هايتي، وغزو بنما واعتقال مانويل نورييجا عام 1989، ثم غزو العراق وإسقاط صدام حسين عام 2003، وأخيرا دعم الإطاحة بمعمر القذافي في ليبيا عام 2011، في نمط يكشف ثبات سياسة تغيير الأنظمة الأمريكية رغم اختلاف السياقات والذرائع.

ما حدث مع بداية يناير الجارى لم يكن حدثا عابرا، بل شكل نقطة تحول كبيرة في شكل العالم، بعدما ثبت أن من يمتلك القوة الفعلية هو من يفرض كلمته، رغما عن أنف قوانين الأمم المتحدة، وتحديدا المادة 2 (4) من ميثاق الأمم المتحدة، والتى تحظر بشكل قاطع التهديد باستعمال القوة أو استخدامها ضد السلامة الإقليمية أو الاستقلال السياسي لأي دولة، مما يجعل هذا المبدأ أساس العلاقات الدولية الحديثة لحفظ السلم والأمن الدوليين، والاستثناءات الوحيدة لهذا الحظر هي حق الدفاع الشرعي عن النفس (المادة 51)، أو عندما يأذن مجلس الأمن باستخدام القوة.


الولايات المتحدة تسعى بقوة إلى استعادة نفوذها العالمي، مستخدمة الضغط العسكري والاقتصادي لتحقيق مصالحها وإن كلفها ذلك دفع العالم للحرب ، بينما أوروبا أصبحت اسما على مسمى ،قارة عجوز، تبدو عاجزة ومتفرجة، غير قادرة على حماية مصالحها أو التأثير في مجريات الأحداث.
في المقابل، كانت الصين وروسيا تعتمد على فنزويلا كموقع مهم لمصالحهما، لكن التطورات الأخيرة كشفت أن هذه الحسابات لم تعد مضمونة، وأن القوة على الأرض هي العامل الحاسم.
الأزمة أظهرت ضعف أوروبا في ملف الطاقة، واعتمادها الكبير على أطراف أخرى، وفشل العقوبات وحدها في تغيير الواقع ،ومع تغير أسواق الطاقة وتراجع الثقة في الشركاء الدوليين، بات الاتحاد الأوروبي أمام اختيار مصيري ، فإما الاعتماد على نفسه ويبني قوة حقيقية تحمي مصالحه، أو يظل ضعيفا ويتحمل نتائج صراع الكبار دون أن يكون له رأي مؤثر.

ولا شك أن اعتقال الرئيس الفنزويلي له انعكاسات مباشرة على الأوضاع في الشرق الأوسط، حيث يرى المراقبون الدوليون أن التحليلات العربية والإقليمية ربطت العملية بتراجع نفوذ حلفاء إيران خارج المنطقة، وهو ما قد يضغط على شبكات التمويل والدعم التي تعتمد عليها طهران في سوريا ولبنان والعراق واليمن.
كما أن العملية كانت بمثابة تحذير استراتيجي حول مدى القدرة على تحريك الملفات الدولية بالقوة، ما يدفع صناع القرار في المنطقة إلى إعادة تقييم تحالفاتهم واستراتيجياتهم.
وبالإضافة إلى ذلك أثارت العملية تساؤلات حول استقرار النظام الدولي وأثره على توازن القوى بين الولايات المتحدة، روسيا، والصين، فاعتقال رئيس دولة ذات سيادة من عاصمته، من دون غطاء أممي سابقة خطيرة قد تستخدمها قوى كبرى أخرى، وعلى رأسها الصين، في صراعاتها الإقليمية، خصوصا تجاه تايوان، وروسيا تجاه أوكرانيا .

وأخيرا، أكثر ما جال بخاطري أثناء متابعة مشاهد الإذلال السياسي التي أذاعتها الإدارة الأمريكية بحق مادورو، هو درس عنوانه "من يملك إرادته وقدرته على الدفاع عن سيادته يفرض مكانته"، ومن يترك نفسه عاجزا يصبح عرضة للإذلال، وهنا تتجلى رؤية الرئيس عبدالفتاح السيسي، عندما قال: "العفي محدش يقدر يأكل لقمته"، وتظهر الحكمة في تحديث الجيش المصري وتجهيزه بأحدث الأسلحة، ليصبح ضمانة حقيقية لحماية الإرادة الوطنية ووضع خطوط حمراء لا يمكن لأي طرف تجاوزها.

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة