رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

نظرة

شهد العالم في السنوات الأخيرة تغيرًا كبيرًا في شكل الصراعات بين الدول. فلم تعد المنافسة تعتمد على السلاح، بل أصبح التأثير على العقول وتوجيه الرأي العام أحد أهم أدوات الصراع في العصر الحديث. وهنا ظهر الإعلام كوسيلة قوية قادرة على تشكيل الأفكار وبناء الصور الذهنية لدى الشعوب.

اليوم، لم يعد الهدف هو السيطرة على الأرض، بقدر ما أصبح التأثير في طريقة التفكير، من خلال رسائل إعلامية منظمة تهدف إلى خدمة مصالح معينة، وتسهيل تمرير مواقف سياسية واقتصادية، عبر تقديم الأحداث من زوايا محددة وإخفاء زوايا أخرى.

بل أصبح الاستحواذ على العقول والتأثير في الإدراك الجمعي عبر مدخلات إعلامية مدروسة تغزو العقول ، تهدف إلى إنتاج مخرجات و تصرفات و افكار تخدم مصالح طرف بعينه، وتُسهّل تمرير سياساته ورؤيته للعالم، من خلال إعادة تعريف المفاهيم وتوجيه الزوايا التي يُنظر من خلالها إلى الأحداث.

ويُعد الإعلام الموجه من الدول الغربية أكثر النماذج وضوحًا في استخدام هذا الأسلوب، حيث يوظف مختلف الوسائل، مثل مواقع التواصل الاجتماعي، والسينما، والمسلسلات، والموسيقى، والإعلانات، للتأثير في المتلقي، غالبًا دون أن يشعر بأن ما يتلقاه يحمل أبعادًا سياسية.
و كثير من هذه المواد الإعلامية لا تُقدَّم بوصفها أدوات سياسية، بل تُغلف في صورة ترفيه أو إبداع فني، بينما تحمل في جوهرها رسائل محسوبة، تسهم في ترسيخ صورة ذهنية لبعض الدول و خاصة الغربية باعتبارها نموذجًا مثاليًا للحياة، ومركزًا للقيم الإنسانية،وصاحب الحق في تحديد ما هو صواب وما هو خطأ، وما هو إنساني وما هو غير ذلك.



لكن الصورة التي ينقلها الإعلام عن تلك الدول غالبًا ما تكون منقوصة وغير حقيقية، ولا تعكس الواقع كما هو. إذ يتم التركيز على مشاهد الرفاهية والنجاح، مع تجاهل كثير من التفاصيل اليومية التي تشكّل الحياة الحقيقية هناك. فالإعلام يقدّم نموذجًا مثاليًا بعيدًا عن الواقع، ما يخلق انطباعًا مضللًا لدى المتلقي، ويجعل الصورة أقرب إلى التجميل منها إلى نقل الحقيقة الكاملة.

ومن خلال هذا الأسلوب السردي، نجح الإعلام الغربي في التأثير على وعي قطاعات واسعة حول العالم، ليس بالقوة، بل بالإقناع البصري والقصصي، حتى بات يُقدَّم في بعض الأحيان بوصفه المرجعية الأخلاقية الأعلى، التي تمنح أو تنزع صفة «الإنسانية» وفقًا لمعايير تتداخل فيها السياسة مع المصالح الاقتصادية.

ولا يعني هذا التقليل من الإنجازات العلمية والتكنولوجية التي حققها البعض ، لكن المشكلة تكمن في الاختيار الانتقائي للمعلومات، حيث يتم إبراز ما يخدم صورة معينة، وتجاهل أو تشويه ما يتعارض معها. اى ينقل الصورة بعينه هو إلى ذهن المتلقى.

في النهاية، تبقى المعركة الحقيقية هي معركة الوعي. فالإعلام لم يعد مجرد ناقل للأخبار، بل أصبح أداة للتأثير وصناعة

القناعات. ومع تعدد مصادر المعلومات، يصبح من الضروري امتلاك عقل ناقد قادر على التمييز بين الحقيقة والصورة التي

تُرسم لنا، حتى لا نقع أسرى لما يُقدَّم إلينا دون تفكير.

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة