لا تفهمونا غلط
تلقيت ببالغ التقدير دعوة كريمة من الأستاذ الدكتور سامي الشريف، عميد كلية الإعلام بالجامعة الحديثة للتكنولوجيا والمعلومات، للمشاركة متحدثًا في أعمال المؤتمر العلمي التاسع للكلية، إلا أن ارتباطي المسبق بموعد في نفس يوم انعقاد المؤتمر حال دون تلبية الدعوة، فاضطررت للاعتذار عن الحضور. ورغم ذلك، توقفت طويلًا أمام عنوان المؤتمر: الإعلام وصناعة الترفيه والمسؤولية المجتمعية، لما يحمله من دلالات عميقة ومضامين بالغة الأهمية تستحق التأمل والوقوف عندها، خاصة في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها الإعلام والفن ودورهما في التأثير على وعي الإنسان وسلوك المجتمع.
غيابي عن الحضور لم يكن غيابًا كاملًا، إذ جمعني اتصال هاتفي مطول بالأستاذ الدكتور سامي الشريف، دار خلاله نقاش معمق حول فكرة المؤتمر ومحاوره وأسباب اختيار هذا العنوان تحديدًا. لم تكن المكالمة مجرد تبادل معلومات، بل حوارًا فكريًا كشف لي عن وعي القائمين على المؤتمر بخطورة المرحلة، وإدراكهم لحجم التحديات التي يفرضها المحتوى الترفيهي في زمن المنصات الرقمية والسوشيال ميديا. وخلال هذا الحوار، بدا واضحًا أن اختيار عنوان المؤتمر لم يكن اختيارًا شكليًا، بل جاء انعكاسًا لأزمة حقيقية يعيشها الإعلام المعاصر، حيث تداخلت الحدود بين الترفيه والتأثير، وبين المتعة والمسؤولية.
انطلق المؤتمر تحت رعاية كريمة من الأستاذ الدكتور محمد أيمن عاشور وزير التعليم العالي والبحث العلمي، وبحضور ورئاسة الأستاذة الدكتورة ألفت كامل رئيسة الجامعة، وبمشاركة واسعة من نخبة أساتذة الإعلام والخبراء والباحثين وصناع الدراما. وقد ناقش المؤتمر نحو خمسين بحثًا علميًا تناولت أبعاد العلاقة المعقدة بين الإعلام وصناعة الترفيه والمسؤولية المجتمعية، في إطار سعي أكاديمي جاد لربط الإعلام بقضايا المجتمع وتحولاته.
تكمن أهمية هذا المؤتمر في أنه يطرح سؤالًا جوهريًا لم يعد من الممكن تجاهله: هل يمكن فصل الإعلام عن مسؤوليته تجاه المجتمع بحجة الترفيه؟ فالإعلام لم يعد مجرد ناقل للخبر، كما أن الترفيه لم يعد مجرد وسيلة لتمضية الوقت، بل تحولا إلى أدوات استراتيجية تشكل الوعي الجمعي وتعيد إنتاج القيم والمعايير. وفي ظل التطور التكنولوجي الهائل وانتشار وسائل التواصل الاجتماعي، أصبح الإعلام والفن في بعض تجلياتهما سلاحًا ذا حدين، قادرًا على البناء كما هو قادر على الهدم، وهو ما يفرض ضرورة وجود ضابط أخلاقي ومجتمعي يحكم هذه الصناعة.
العلاقة بين الإعلام وصناعة الترفيه علاقة عضوية لا يمكن فصلها، فالإعلام هو الوعاء الحاضن لهذا المحتوى، والترفيه هو الأكثر جذبًا واستهلاكًا وتأثيرًا لدى الجمهور. وهنا تبرز المسؤولية المجتمعية بوصفها صمام الأمان الذي يمنع تحول السعي وراء الربح ونسب المشاهدة إلى وسيلة لتزييف الوعي أو نشر أنماط سلوكية سلبية. الترفيه المسؤول، كما ناقشه المشاركون في المؤتمر، هو ذلك القادر على الجمع بين المتعة والرسالة، وبين الإبداع الفني والالتزام القيمي، دون مصادرة للخيال أو تقييد لحرية التعبير.
المؤتمر يأتي في إطار اهتمام الجامعة الحديثة للتكنولوجيا والمعلومات بتعزيز البحث العلمي وربط الإعلام بقضايا المجتمع، واعتباره منصة لمناقشة التحولات الكبرى في صناعة الترفيه وحدود المسؤولية المرتبطة بها. والترفيه يُعد من أبرز وظائف الإعلام التقليدي والجديد، ويتصدر ما يتابعه الجمهور بمختلف شرائحه، ما يضاعف من حجم تأثيره وخطورته في الوقت نفسه.
وأثر الثورة التكنولوجية في تطوير صناعة الترفيه من حيث الأدوات والانتشار وتحقيق العوائد الاقتصادية، مع التأكيد على أن هذه الطفرة صاحبتها تحديات حقيقية تتعلق بمستوى المحتوى ووظيفته، خاصة في الدراما السينمائية والتلفزيونية والأغاني وبرامج المنوعات، فضلًا عن المحتوى المتداول عبر منصات التواصل الاجتماعي. ومن هنا، يصبح دور المؤسسات الأكاديمية أكثر إلحاحًا في دراسة هذا المحتوى، ودعم صناعته، والارتقاء به بما يحمي منظومة القيم والأعراف والمعتقدات السائدة في المجتمع.
لم تغفل مناقشات المؤتمر الدور المتصاعد للذكاء الاصطناعي في صناعة الترفيه، حيث استعرض الباحثون كيف غيرت هذه التقنيات من آليات الإنتاج والتوزيع وتحليل تفضيلات الجمهور، مع التحذير من مخاطر استخدامها دون إطار أخلاقي واضح. فالذكاء الاصطناعي، رغم ما يتيحه من إمكانات، يضاعف من حجم المسؤولية المجتمعية، ويستوجب وعيًا نقديًا يضمن عدم توظيفه في التلاعب بالوعي أو تعزيز التحيزات أو تشويه الواقع.
ما استوقفني في هذا المؤتمر، رغم الغياب عن قاعاته، هو أنه لا يتعامل مع الإعلام والترفيه باعتبارهما نشاطين منفصلين، بل كقوة ناعمة تمس الأمن الثقافي والاجتماعي. فالمعادلة الحقيقية اليوم لم تعد في تقديم محتوى مسلٍ فقط، بل في إنتاج ترفيه واعٍ يساهم في بناء الإنسان، ويعزز الانتماء، ويرتقي بالذوق العام، دون التفريط في الإبداع أو الخضوع لسطحية السوق.
ولا يمكن في هذا السياق إغفال خطورة أن يُستغل الترفيه، ومعه الإعلام والفن، كأدوات ناعمة للغزو الثقافي أو الهدم الأخلاقي وتفريغ المجتمعات من قيمها الأصيلة. فالمحتوى الترفيهي حين ينفصل عن وعيه المجتمعي قد يتحول إلى وسيلة لتشويه الهوية، وتدمير صورة الرموز، وإعادة تشكيل الوعي الجمعي وفق أنماط دخيلة لا تعبر عن ثقافة المجتمع ولا تاريخه. هذه الممارسات لا تقل خطرًا عن أي تهديد مباشر، لأنها تعمل ببطء ونعومة على تفكيك منظومة القيم، وزعزعة الثقة في الذات، وتطبيع سلوكيات تتعارض مع الأخلاق العامة تحت لافتة الحداثة أو حرية الإبداع.
أخيرا
من هنا تتجلى أهمية هذا المؤتمر بوصفه محاولة جادة لدق ناقوس الخطر، والتنبيه إلى أن ترك الإعلام والترفيه دون ضوابط معرفية وأخلاقية يفتح الباب أمام فوضى ثقافية تهدد وعي الإنسان المصري على وجه الخصوص. فالارتقاء بالفن والإعلام والترفيه لا يعني تقييد الإبداع أو مصادرة الخيال، بل يعني إعادة توجيهه ليكون قوة بناء لا أداة هدم، ووسيلة لتعزيز الانتماء والوعي النقدي، وحماية صورة الرموز والقيم التي تشكل وجدان المجتمع. وهو ما يجعل من هذا المؤتمر خطوة ضرورية في معركة الوعي، ورسالة واضحة بأن المسؤولية المجتمعية لم تعد خيارًا، بل ضرورة وطنية في زمن تتصارع فيه الرسائل والصور والعقول.
إن مخرجات هذا المؤتمر، كما بدا من نقاشاته ، تتجه نحو صياغة توصيات عملية وميثاق عمل يربط بين الرؤية الأكاديمية والتطبيق المهني، ويعيد التأكيد على أن الإعلام لا يمكن فصله عن مسؤوليته تجاه المجتمع. وربما كانت هذه القناعة هي ما دفعني إلى الكتابة عن المؤتمر رغم عدم حضوري، إيمانًا بأن القضايا الكبرى لا تُقاس بالحضور المكاني، بل بمدى التفاعل الفكري معها. فالإعلام وصناعة الترفيه، حين ينفصلان عن الوعي والمسؤولية، يتحولان إلى عبء على المجتمع، وحين يلتزمان بدورهما الإنساني، يصبحان أداة للبناء والتنوير وصناعة المستقبل.
وبهذه المناسبة، لا يسعني في ختام هذا المقال إلا أن أتقدم بخالص الشكر والتقدير للصديق العزيز الأستاذ الدكتور سامي الشريف، عميد كلية الإعلام، على الدعوة الكريمة وعلى ما دار بيننا من حوار ثري كشف لي عمق الرؤية التي ينطلق منها المؤتمر وأهميته، كما أتوجه بالشكر للأستاذة الدكتورة ألفت كامل، رئيسة الجامعة، على هذا الجهد العلمي الجاد ورعايتها لمحفل أكاديمي يضع قضايا الإعلام والترفيه والمسؤولية المجتمعية في صدارة الاهتمام، ويؤكد أن الجامعة تؤدي دورها الحقيقي في تنوير الوعي ودق ناقوس الخطر في معركة بناء الإنسان.
مصطفي البلك
[email protected]