رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

الخط المفتوح


تشكل القيم الأخلاقية الدعامة الأساسية لبقاء المجتمعات واستقرارها، فهي التي تضبط سلوك الأفراد، وتمنح العلاقات الإنسانية معناها السوي، وتُعلي من شأن الفضيلة على المصلحة، والضمير على الهوى. غير أنّ المتتبع لأحوال كثير من مجتمعاتنا، ولا سيما في العالم العربي والإسلامي، يلحظ حالة من الانحدار الأخلاقي المقلقة، ظهرت في السلوك العام، وفي طريقة التفكير، وفي أنماط التعامل بين الناس، حتى بات ما كان يُستنكر بالأمس يُتقبّل اليوم، بل ويُروَّج له أحيانًا باسم الحرية أو التطور.
ويمكن رصد الانحدار في القيم الأخلاقية في أكثر من مجال، ولعل أبرزها انتشار الكذب والتزييف في القول والعمل، وتراجع الأمانة في المعاملات، وانحسار قيمة الصدق والإخلاص في المهن، كما تفشّت ظواهر الغش في الدراسة والتجارة، واللامبالاة بالمسؤوليات العامة، فضلًا عن ضعف احترام الكبير، وغياب الحياء في القول والسلوك، وازدياد مظاهر العنف اللفظي والجسدي في البيوت والمدارس والشوارع وبعض وسائل الإعلام.
ومن أبرز صور هذا الانحدار أيضًا انهيار منظومة الحياء والعفة في كثير من وسائل التواصل الاجتماعي، حيث يُعرض ما يخدش الذوق العام، ويُروّج لمحتوى بعيد عن القيم، في ظل غياب الرادع الذاتي والرقابة الأسرية. كذلك أصبحت المصلحة الشخصية لدى بعض الناس مبررًا مقبولًا لتجاوز القوانين، أو خيانة الأمانة، أو الكذب من أجل "الذكاء الاجتماعي"، وهو في الحقيقة شكل من أشكال الخداع والأنانية.

هذا التدهور لم يأتِ فجأة، بل له أسبابه العميقة، التي يمكن تلخيصها في أربعة محاور من أهمها:
ضعف الوازع الديني: فحين يبتعد الإنسان عن تعاليم دينه التي تُذكّره بمراقبة الله، ويغفل عن محاسبة نفسه، يصبح سهلًا أن يبرر الخطأ، ويتنازل عن المبادئ في سبيل الشهوة أو المصلحة.
وتأثير الإعلام ومواقع التواصل: إذ ساهمت كثير من المنصات الإعلامية في ترويج أنماط سلوك غريبة عن ثقافتنا، عبر دراما تُطبع الرذيلة وتُهوّن الغش أو الكذب أو الخيانة، حتى ترسّخ في الوعي الجمعي أن هذه التصرفات أمر طبيعي في "الواقع الجديد".
كذلك تراجع دور الأسرة والمدرسة: الأسرة كانت ولا تزال المؤسسة الأولى لغرس القيم، لكن ضعف التواصل بين الآباء والأبناء، وانشغال الوالدين عن التربية، جعل النشء يتلقى قيمه من الشارع أو الإنترنت. أما المدرسة، فقد انشغلت بالمقررات والدرجات، على حساب التربية الأخلاقية.

ومن النماذج التي تعكس هذا الانحدار، انتشار ظاهرة التنمر الإلكتروني بين الشباب، والاستهزاء بالآخرين على أساس الشكل أو اللهجة أو الرأي، وهي سلوكيات تُناقض التعاطف والرحمة التي دعا إليها الإسلام.
كذلك نجد الغش التجاري الذي يُمارَس بطرق مختلفة، من التلاعب في الأسعار أو الجودة، مما يفقد المجتمع ثقته في الأسواق والمعاملات. وهناك أيضًا تزييف الوعي من خلال نشر الشائعات والمعلومات المضللة على مواقع التواصل، دون وازع أخلاقي أو تحقق من الصدق.
وفي الميدان المهني، نشهد أحيانًا اللامسؤولية الوظيفية أو الإهمال في أداء العمل، فيضيع الوقت والمال العام، وينهار الإحساس بقداسة الواجب، وكأن القيم الأخلاقية لم تعد مقياسًا للتفوق أو التقدير.

ومواجهة الانحدار الأخلاقي ليست مهمة جهة واحدة، بل مسؤولية مشتركة بين الأسرة، والمؤسسات التعليمية، والدينية، والإعلامية، والمجتمع المدني بأسره. ويمكن رسم ملامح المواجهة في عدة محاور أساسية من أهمها
إحياء الوازع الديني والضمير الداخلي عبر برامج تربوية ودعوية تُعيد الإنسان إلى نفسه، وتربطه بمراقبة الله لا برقابة الناس. فالإيمان هو أقوى حاجز أمام الانحراف الأخلاقي.
وتفعيل دور القدوة الصالحة، فالنماذج الأخلاقية الحقيقية هي التي تُلهِم الشباب، وتغرس فيهم الإحساس بالكرامة والشرف في التزام القيم، في الأسرة أو التعليم أو الإعلام أو دور العبادة
إنّ القيم الأخلاقية ليست ترفًا اجتماعيًا، بل هي روح الأمة وضمان استمرارها. وكل انحدار في هذه القيم يُعدّ تهديدًا مباشرًا للأمن الاجتماعي والهوية الثقافية. ولذلك، فإنّ الإصلاح الأخلاقي يجب أن يسبق كل إصلاح آخر، لأن بناء الإنسان هو الأساس. ولن تستقيم الحياة في مجتمع مهما بلغ من التقدم، إذا فقد أفراده ضمائرهم، وتهاوت القيم في سلوكهم.
وما أحوجنا اليوم إلى أن نُعيد الاعتبار للأخلاق التي جاء بها الإسلام، وأن نربي الأجيال على أن قيمة الإنسان ليست فيما يملك، بل فيما يتحلّى به من صدق، وأمانة، ونزاهة، ورحمة.

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة