صوت مجلس الأمن الدولي على قرار أمريكي سيشكل مستقبل قطاع غزة في اليوم التالي للحرب. مناقشات مطولة استمرت لأسابيع حول النص النهائي للقرار بين الولايات المتحدة وإسرائيل ومصر، تمحورت حول محاولة إنشاء إطار أمني وإداري للفترة الانتقالية في قطاع غزة.
ينصب القرار على بند أمني مهم يصف ، لأول مرة ، مخططا تفصيليا لنزع سلاح حماس. ووفقا للنص، فإن القوات الفلسطينية بالتنسيق مع إسرائيل ومصر، جنبا إلى جنب مع القوة الدولية التي ستشارك مؤقتا في تثبيت وقف اطلاق النار لتحقيق الاستقرار، ستكون مطلوبة للتعامل مع نزع السلاح الكامل من القطاع، وتدمير الانفاق، ومنع إعادة تشغيلها.
ووفقا للقرار، سيتم إنشاء إدارة انتقالية في قطاع غزة تحت إشراف عربي ودولي والتي ستستند إلى لجنة فنية مهنية فلسطينية مستقلة سياسيا تتألف من سكان غزة، وستكون مسؤولة عن تشغيل الأنظمة المدنية في الفترة الانتقالية.
بالإضافة إلى الجوانب الأمنية، يدعو القرار إلى دعم دولي واسع لإعادة إعمار قطاع غزة، لكنه ينص صراحة على أن الأونروا لن تكون جزءا من الآلية الجديدة. ووفقا للصياغة، سيتم استبعاد أي منظمة انسانية تعاونت مع عناصر حماس.
توقيت مناقشة مجلس الأمن ليس من قبيل الصدفة حيث جاء قبل يوم واحد من اجتماع دبلوماسي مهم في البيت الأبيض بين الرئيس الأمريكي وولي العهد السعودي. ودفعت المملكة العربية السعودية، التي شاركت بنشاط في المناقشات حول النص، إلى تسليط الضوء على القضايا السياسية، وفي مقدمتها المسار المستقبلي لإقامة دولة فلسطينية.
على الجانب الاخر، خاضت إسرائيل صراعا دبلوماسيا مكثفا خلف الكواليس لمنع تقديم القرار بموجب المادة 7 من ميثاق الأمم المتحدة – التي تمنح مجلس الأمن علي الاطراف المشاركة في القرار سلطة تنفيذه، وهو ما نجحت فيه تل ابيب.
فعليا وعلى الارض فان قطاع غزة حاليا ينقسم إلى كيانين - أحدهما تحت سيطرة إسرائيل والآخر تحت سيطرة حماس - مع تعثر تنفيذ خطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب فإن عدم إحراز تقدم قد يؤدي إلى تكريس هذا التقسيم انطلاقا لما هو اسوأ!
الشرارة الاولي لتقسيم القطاع، كان في اللقاء الصحفي الذي عقده ترامب، بالبيت الأبيض، في21 أكتوبر الماضي مع مجلة "تايم"، حيث قال، انه في حال عدم التزام حماس بنزع سلاحها، سنقوم بإعادة اعمار القطاع في المناطق التي لا تخضع لسيطرة الحركة. وقبلها بيوم واحد فقط عندما سئل نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس حول اعمار غزة. قال: انه لن يتم إعادة الاعمار في المناطق التي تخضع لسيطرة حماس.. هذا ما أكده أيضا صهر الرئيس واحد مبعوثيه للمنطقة جاريد كوشنر.
الان وبعد تعثر الدخول في المرحلة الثانية من اتفاقية شرم الشيخ، بسبب تعنت الطرفين، الحمساوي واسرائيل على تفاصيل وآليات نزع السلاح وتأخير استلام ما تبقي من جثث الرهائن، تدرس واشنطن وتل ابيب مسألة تقسيم غزة إلى مناطق منفصلة بين تلك التي تسيطر عليها قوات الاحتلال، والأخرى التي تقع تحت سيادة حركة حماس، بما يساعد على القفز فوق الازمات الراهنة مع تنفيذ إجراءات إعادة الإعمار فقط في المناطق الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية كوسيلة لضمان عدم انتشار اي سلاح فيها خارج بنود الاتفاق.
"نزع سلاح حماس" الشرط الاساسي الذي وضعته الدول العربية لتمويل اعادة اعمار القطاع، لكن في الوقت نفسه فان فكرة التقسيم تسبب لها العديد من المخاوف المشروعة، منها على سبيل المثال تكريس احتلال اسرائيل مناطق واسعة من القطاع، فضلا عن انها تضع كل الاستثمارات المفترضة تحت يد تل ابيب بما في ذلك عوائد المشروعات المقرر تنفيذها هناك، بالإضافة الي ان التقسيم سيعنى بقاء قضية السلاح المنفلت دون حل الامر الذي يمكن ان يعيد الجميع الي المربع رقم صفر والدخول مرة أخرى في مواجهات عسكرية وايضا تكاليف اعمار اخرى. هذه المخاوف هي التي دعت بعض الدول في الاعراب عن شكوكها بالمشاركة سواء بالتمويل او في قوات حفظ السلام المقترحة.
مسؤول كبير في الإدارة الأمريكية أكد لصحيفة "وول ستريت جورنال" أن الخطة مازالت في مراحلها الأولية وسيتم الكشف عنها في الأيام المقبلة. الامر الذي يؤكد أن خطة ترامب التي تم اقرارها وتوقيعها كانت مجرد اعلان مبادئ وليس خطة متكاملة ذات بنود متفق عليها، لكنها عبارة عن خطوات يتم تنفيذها بعد الاتفاق عليها بما يتناسب مع كل طرف.
من بين أحد اكثر المعضلات التي تعيق الذهاب الي المرحلة الثانية، آلية ادارة القطاع، وتعتقد الدول العربية أن السلطة الفلسطينية يجب أن تدير غزة بدعم من قوات حفظ السلام ، لكن رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو يعارض ذلك بشدة. في مقابل ذلك فان الادارة الامريكية التي تسعي الي انجاح خطتها بكل السبل لا تمتلك فهما حقيقيا لما يدور في المجتمع الغزاوي الذي ظل لأكثر من عقدين تحت سيطرة حماس، وتخشي ايضا من ان يحاول نتنياهو افساد الامر برمته من خلال فصل القطاع وفرض قبضته الحديدية تمهيدا لإعادة السيطرة عليه مجددا حينما تحين الظروف المناسبة... وهو ما اضطر بكوشنر، وستيف ويتكوف المبعوث الامريكي الخاص للمنطقة في طرح اقامة قاعدة عسكرية امريكية في غزة مهمتها الاساسية ضبط الايقاع وتحجيم نتنياهو من إطلاق يده هناك.
موقع "شومريم العبري" كشف نقلا عن مصادر إسرائيلية مطلعة أن تكلفة بناء تلك القاعدة سيبلغ نحو 500 مليون دولار، وستكون قادرة على إيواء عدة آلاف من الجنود. من المؤكد ان إنشاء القاعدة سيقلص بالفعل حرية عمل إسرائيل في قطاع غزة، لاسيما فيما يتعلق بإدخال المساعدات الإنسانية، التي استخدمتها إسرائيل كوسيلة ضغط. ويعكس اصرار ترامب علي انجاح خطته وصمود وقف اطلاق النار ،فضلا عن انه يكشف حجم التدخل الامريكي في صناعة القرار داخل تل ابيب. بالإضافة لذلك فهي تشكل تحولا في مستوى الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة، الذي كان سابقا محدودا وهو حاليا على يزيد عن نحو 200 جندي يعملون من مركز القيادة الأمريكي في كريات جات، وقد يكون له آثار داخلية في واشنطن، حيث يعارض عدد من أعضاء الحزب الجمهوري توسيع التدخل العسكري الأمريكي خارج حدود البلاد، معتبرين أن ذلك يزيد من الالتزامات العسكرية ويؤثر على الموارد المحلية.
وفقًا للمرحلة الأولى من الخطة، تسيطر إسرائيل حاليًا على حوالي 53% من أراضي غزة، بما في ذلك مناطق زراعية واسعة، ورفح جنوبًا، وأجزاء من مدينة غزة. وقد أُجبر جميع سكان غزة تقريبًا، البالغ عددهم مليوني نسمة، على العيش في مخيمات وأنقاض الأحياء المدمرة التي لا تزال تحت سيطرة حماس.
تتضمن المرحلة التالية من خطة ترامب انسحابًا إضافيًا للجيش الإسرائيلي إلى ما وراء الخط الأصفر، وتشكيل سلطة حكم انتقالية، ونشر قوة متعددة الجنسيات لتحل محل القوات الإسرائيلية، ونزع سلاح حماس، وبدء إعادة الإعمار. لكن لم يُتفق على أي جداول زمنية أو آليات تنفيذ. حيث مازالت حماس تماطل في نزع سلاحها، بينما تعارض إسرائيل أي تدخل للسلطة الفلسطينية، ولا يزال الغموض يكتنف القوة متعددة الجنسيات. وصاغت الولايات المتحدة قرارًا لمجلس الأمن التابع للأمم المتحدة يمنح السلطة الانتقالية والقوة متعددة الجنسيات تفويضًا لمدة عامين، ومن غير المرجح أن تشارك الدول الأوروبية والعربية تحديدًا إذا تجاوزت المهمة حدود حفظ السلام وتطلبت مواجهة مباشرة مع حماس.
في خضمّ الجمود السياسي، أفادت تقارير بأنّ واشنطن تضغط على إسرائيل للسماح بـ"ممر آمن" لنحو 200 من عناصر حماس المحاصرين في أنفاق تحت رفح الفلسطينية التي تسيطر عليه إسرائيل مما يُسمى الخط الأصفر. بموجب ما تم الاتفاق عليه، يستسلم تلك العناصر ويسلمون أسلحتهم مقابل العفو أو النفي، مع تدمير الأنفاق. ومع ذلك، قال مكتب نتنياهو إنه "لم يلتزم مع الأمريكيين بالإفراج عن مقاتلي رفح".
الواقع الجديد على الأرض بدأ يتشكل بالفعل كما سبق وقلنا، حيث وضعت القوات الإسرائيلية كتلًا خرسانية صفراء كبيرة على طول خط الانسحاب، وتقوم حاليًا ببناء البنية التحتية على الجانب الذي تسيطر عليه. وفي حي الشجاعية بمدينة غزة، عُرضت على الصحفيين مواقع استيطانية إسرائيلية محصنة أُقيمت بعد وقف إطلاق النار. ويصر نتنياهو على أن إسرائيل لا تنوي إعادة احتلال غزة أو حكمها، على الرغم من أن بعض وزراء اليمين المتطرف دعوا إلى اعادة إحياء المستوطنات التي تم تفكيكها في عام 2005. فيما يعارض الإسرائيلي التورط المباشر في حكم القطاع، مفضلاً الحفاظ على منطقة عازلة داخل غزة لمنع الهجمات المستقبلية مثل هجوم السابع من أكتوبر. وفي غياب أي جهد أميركي كبير لكسر الجمود، فإن الخط الأصفر قد يصبح الحدود الفعلية التي تقسم غزة إلى أجل غير مسمى.. وهذا بالنسبة لمصر خط احمر لا يمكن تجاوزه.