رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب



يُعد الأمن القيمي الإطار الناظم للمعايير الأخلاقية والتصورات الفكرية والضوابط السلوكية التي تنسج وتحدد علاقة الإنسان بذاته، وبالآخرين، وبالمجتمع، وبالمؤسسات التي ينتمي إليها، فهو بمثابة البنية التي تحفظ للهوية الثقافية تماسكها، وللمجتمع توازنه، وللدولة استقرارها، وتضمن استمرار الانسجام بين القيم الفردية والمنظومة الاجتماعية الكبرى، فالقيم هي القوة الخفية التي تحكم سلوك الإنسان وتوجه اختياراته، وتؤثر في مسار التنمية ومستقبل الأجيال، ومع التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم المعاصر في مجالات الإعلام والاقتصاد والتكنولوجيا، أصبح الأمن القيمي أكثر حساسية وأشد ضرورة من أي وقت مضى، حتى أضحي عنصرًا رئيسًا في منظومة الأمن القومي والتنمية المستدامة، وشرطًا لاستمرار المجتمعات في أداء وظائفها الحضارية دون تفكك أو انحراف.
ويتجلى الأمن القيمي في مستويات متداخلة ومتكاملة؛ فعلى المستوى الفردي يظهر في وعي الإنسان بذاته، وضبط سلوكه وفق المبادئ الأخلاقية التي تميز بين الخير والشر؛ وعلى المستوى الأسري يتجسد في بناء بيئة حاضنة للفضيلة، تقوم على الرحمة والتكافل والمسؤولية المشتركة؛ أما على المستوى المجتمعي فيتجلى في الالتزام بالقانون، واحترام النظام العام، وتعزيز روح المواطنة الفاعلة التي تحفظ تماسك النسيج الاجتماعي؛ بينما يتخذ على المستوى الحضاري بعدًا أعمق يتمثل في قدرة الأمة على حفظ تراثها الأخلاقي والثقافي في مواجهة تحديات العالمية والاختراق الثقافي، بما يحافظ على استمرارية شخصيتها التاريخية وهويتها القيمية.
وتواجه المجتمعات المعاصرة موجة عاتية من التحولات الفكرية والثقافية التي تهدد استقرارها القيمي ووجدانها الجمعي، فقد أفرزت العولمة الإعلامية والثورة الرقمية واقعًا جديدًا أعاد تشكيل الإنسان من الداخل، وغير أولوياته وأنماط تفكيره وتفاعله مع العالم، ومن أبرز هذه التحديات هيمنة الثقافة الاستهلاكية التي جعلت من المتعة الفورية والمكاسب المادية معيارًا للحياة والنجاح، فضعفت القيم العليا كالصدق والإيثار والانتماء، وتراجع الوعي الجمعي لصالح النزعة الفردية والنفعية، ونتج عن ذلك خلل في البنية القيمية وفراغ معنوي ينعكس في صور القلق والاغتراب الذي يعاني منه الشباب على نحو خاص وفقدت القيم الاجتماعية قدرتها على الضبط والتوجيه.
وقد جاء انتشار الفضاء الرقمي ليضاعف من تعقيد المشهد القيمي، حيث تحول هذا الفضاء إلى المرجعية الأولى لتشكيل الوعي والسلوك ولا سيما لدى الأجيال الناشئة، متجاوزًا دور الأسرة والمدرسة والوسائط التربوية في التنشئة والتأثير، ومع تدفق الصور والمحتوى والرموز عبر المنصات الرقمية، أصبحت وسائل الإعلام الجديدة وشبكات التواصل الاجتماعي هي المرجعية الأولى للمعرفة والتأثير القيمي وأصبح الفرد محاصرًا بتيارات قيمية متباينة، بعضها يتناقض مع ثوابته الثقافية والدينية، وهذا الفضاء، على ما فيه من فرص معرفية غير مسبوقة، يحمل في طياته أخطارًا خفية تتمثل في إعادة تشكيل الوعي وفق منظومات قيمية بديلة تقدم بوسائل ناعمة ومبهرة.
ويُعد التأثير الناعم للقيم البديلة أحد أخطر مظاهر التحول القيمي في العصر الرقمي، حيث يمثل شكلًا جديدًا من الغزو الثقافي غير المباشر الذي يعتمد على التسلل التدريجي إلى وعي الأفراد عبر الصورة والدراما والإعلانات ومنصات الترفيه، ومن خلال هذا المسار الهادئ والمغلف بالجاذبية البصرية والجمالية، يعاد تشكيل منظومة القيم دون وعي من المتلقي، فيتقبلها بوصفها جزءًا من الحداثة أو حرية الاختيار أو روح التجديد الثقافي، وبهذا يتحول التأثير الناعم إلى قوة ناعمة قادرة على إعادة تعريف المفاهيم الأخلاقية والجمالية والاجتماعية بما يتوافق مع النموذج القيمي الذي تفرضه العولمة الإعلامية، من غير أن يشعر الفرد بفقدان هويته تدريجيًا، حيث تقدم القيم الجديدة في قوالب ترفيهية مبهرة تغري بالتقليد والانبهار، حتى تغدو القيم الأصلية هامشية أو عتيقة في نظر الأجيال الجديدة.
وتتعمق أزمة التنشئة التربوية التي فقدت كثيرًا من فعاليتها أمام سطوة الوسائط الحديثة في ظل هذا التسلل الثقافي الهادئ، فمع تراجع التربية القائمة على القدوة والحوار والمشاركة، حلت محلها أنماط تعليمية جامدة تعتمد على التلقين اللفظي، فانفصلت الممارسة القيمية عن الخطاب الأخلاقي، وتحولت المبادئ لأقوال لا تجد ترجمتها في السلوك اليومي، وهكذا ضعفت المرجعية التربوية للأسرة والمؤسسات التربوية، وتراجع دورهم في غرس القيم الأصيلة وبناء الضمير النقدي القادر على التمييز بين الحق والباطل، أو بين الحرية والانفلات، ومن ثم أصبحت الحاجة ماسة إلى مواجهة متكاملة تعيد بناء الوعي القيمي على أسس نقدية وإنسانية، تستلهم الأصالة دون انغلاق، وتنفتح على المعاصرة دون ذوبان، وتربط بين الفكر والممارسة، لتستعيد القيم حضورها الفاعل في الواقع الاجتماعي والإنساني.
وينبغي أن تصمم منظومة تشريعية وأخلاقية تنظم الفضاء الرقمي، تحمي الأفراد من الاستغلال والمعلومات المضللة وخطابات الكراهية، وترسخ الحرية المسؤولة، فالتشريع هنا يكمل التربية بوضع حدود تحفظ النظام القيمي من الفوضى والانفلات، ومن ثم يصبح الأمن القيمي جزءًا لا يتجزأ من الأمن الوطني، لأن المجتمع الذي يفقد قيمه يفقد قدرته على التماسك والمقاومة، وبالتالي فإن استراتيجيات ترسيخ الأمن القيمي يجب أن تقوم على توازن دقيق بين التربية الواعية، والإعلام المسؤول، والأسرة الحاضنة، والخطاب الديني المتجدد، والتشريع المنظم، في إطار رؤية وطنية شاملة تجعل من بناء الإنسان محورًا للتنمية والاستقرار وتحفظ كرامة الإنسان، وتغذي طاقاته الإبداعية، وتحفظ المجتمع وتدعم الاستقرار.
ويتجلى الأمن القيمي بوصفه العمود الفقري لنهضة الأمم، والدرع الذي يصونها من الضعف الداخلي والاختراق الخارجي، فهو معيار البقاء الحضاري والوجود الإنساني، فحين تتهاوى القيم، تتداعى معها أركان المجتمع، مهما بلغت قوته المادية أو تقدمه التقني، فالقيم نظام حياة متكامل يوجه الفكر ويهذب السلوك ويضبط العلاقة بين الفرد والجماعة، بين الحرية والمسؤولية، وبين الطموح والضمير.
ولقد أصبح التحدي الأعظم في ظل التحديات الكثيرة هو تحويل القيم من خطاب نخبوي ومعرفة جامدة إلى ممارسة يومية وسلوك يحتذى ووعي فعال يبنى به الإنسان، ولا سبيل إلى ذلك إلا بتربية نقدية مستنيرة توقظ العقل من سباته، وتغذي الوجدان على محبة الخير والجمال، وتربط الإيمان بالفعل، فالمجتمعات تشيد بالضمائر الحية والعقول الواعية التي تعرف أن القيم جسورًا تمتد بين الإنسان وإنسانيته.
ولذلك فإن الرؤية الوطنية الرشيدة مطالبة بإعادة بناء المنظومة القيمية على أسس راسخة تجمع بين أصالة الجذور ووعي التجدد، بين الموروث الذي يمنح الهوية والثبات، والمعاصرة التي تفتح الأفق وتلهم الإبداع، فالأمم تتقدم بما تحمله من قيم تصون كرامة الإنسان وتوجه مساره نحو الخير والعدل والجمال، فالأمة التي تحفظ قيمها لا تُهزم، وإن ضعفت، ولا تضل، وإن تاهت؛ لأن القيم هي بوصلة النجاة لها في زمن التيه، وروح الحضارة التي تبعث فيها الحياة مهما عصفت بها العواصف، فحيثما تكرم القيم، تكرم الحياة، فهي فعل وجود ومقاومة وصناعة مستقبل.

بقلم
أ.د/ مها محمد عبد القادر
أستاذ أصول التربية
كلية التربية للبنات بالقاهرة - جامعة الأزهر

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة