استمرار وصول كبار المسؤولين الأمريكيين إلى إسرائيل لا يُشير إلى قرب حلول السلام الدائم الذي وعد به الرئيس دونالد ترامب، ولا إلى تغيير إيجابي في الشرق الأوسط. بل إنه يعكس ذعرًا متزايدًا في واشنطن، حيث تكافح الإدارة لإتمام المرحلة الأولى من خطة الرئيس المكونة من عشرين نقطة بشأن غزة، فيما تفتقر الولايات المتحدة حتى إلى بدايات إطار عمل مقبول من جميع الأطراف، ناهيك عن خارطة طريق عملية أو تمويل لتنفيذ المرحلة الثانية.
المسؤولون الأمريكيون في إسرائيل لردع بنيامين نتنياهو عن استئناف القتال في غزة أو عرقلة المرحلة الثانية؛ كما فعل بعد صفقة الرهائن السابقة، مستغلًا تكتيكات حماس للمماطلة لاستئناف الحرب. تدرك واشنطن جيدًا أن أعضاء "الكابينت"، وربما نتنياهو نفسه، يعتقدون أنه لا يمكن نزع سلاح حماس في غزة إلا من خلال حملة عسكرية شاملة يسحق فيها جيش الاحتلال ما تبقّى من القطاع. هذا ما دعا ترامب إلى استخدام دبلوماسية "بيبي-سيتر" على هيئة تناوب مستمر لكبار المسؤولين الأمريكيين إلى إسرائيل.
ليس هذا فحسب، فقد تم تفعيل بعثة المراقبة العسكرية الدولية بقيادة الولايات المتحدة، ومقرها الآن مدينة كريات غات الإسرائيلية، لنفس الغرض. حيث يتم مراقبة كل قطاع غزة بواسطة مسيّرات أمريكية على مدار الساعة لرصد أي تحركات مبكرة قد يقوم بها الجيش الإسرائيلي أو حماس من شأنها أن تقوّض وقف إطلاق النار. الآن، نتنياهو وحكومته يتقبلان على مضض هذا الوضع الذي تحجم فيه الولايات المتحدة، والذي اعتبرته أصوات عديدة في إسرائيل تدخلًا سافرًا في شأنها الداخلي.
تفيد التقارير الإخبارية أن حماس تسيطر الآن على 43% من أراضي غزة وغالبية سكانها. وقد صنفت واشنطن هذه المنطقة، الواقعة غرب "الخط الأصفر" حيث انسحب الجيش الإسرائيلي، على أنها "المنطقة الحمراء". وبموجب قواعد وضعها مسؤولون أمريكيون بالتنسيق مع كبار القادة الإسرائيليين، يُحظر على جيش الاحتلال شن عمليات هجومية مكثفة في هذه المنطقة. ولا يُسمح للجنود بإطلاق النار إلا دفاعًا عن النفس في حال تعرضهم لهجوم. ويجب الإبلاغ عن أي "عمل هجومي استثنائي" في هذه المنطقة - والموافقة عليه فعليًا - من خلال آلية التنسيق والرقابة الأمريكية-الإسرائيلية المعمول بها.
في المقابل، يسيطر جيش الدفاع الإسرائيلي بشكل كامل على 57% من القطاع، في المناطق الواقعة شرق الخط الأصفر وفي مناطق ضيقة إلى الشمال والجنوب، والتي يطلق عليها الأمريكيون اسم "المنطقة الخضراء". وتُعد هذه المناطق الآن موطنًا لنحو 200 ألف غزّاوي، بما في ذلك معظم العشائر والجماعات المسلحة المعارضة لحماس.
من نقاط الخلاف الرئيسية بين واشنطن وتل أبيب بطء حماس في تسليم رفات الرهائن المتوفين. بعد تلقي إحاطات استخباراتية من رئيس الأركان الإسرائيلي، اقتنع نائب الرئيس الأمريكي، جي دي فانس، وفريقه بأن حماس تماطل عمدًا في العملية. ونتيجة لذلك، منحت واشنطن إسرائيل، خلال عطلة نهاية الأسبوع، الضوء الأخضر لإبطاء بعض عمليات تسليم المساعدات الإنسانية، وإبقاء معبر رفح مغلقًا كوسيلة ضغط.
وفقًا لمصادر إسرائيلية وأجنبية، تعرقل عقبتان رئيسيتان جهود ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر وقائد القيادة المركزية الأمريكية براد كوبر للمضي قدمًا في الخطة. الأولى هي رفض حماس نزع سلاحها وإصرارها على الحفاظ على وجودها المهيمن في غزة، حتى لو كان ذلك خلف الكواليس. والثانية هي رفض إسرائيل القاطع لأي مشاركة للسلطة الفلسطينية في الحكم أو حفظ الأمن بعد الحرب - على الرغم من خطط تدريب قوات الأمن الفلسطينية في الأردن ومصر بدعم أمريكي.
رغم موافقة حماس رسميًا على الخطة المكونة من عشرين نقطة، والتي تتضمن مطلبًا بنزع سلاح غزة، تقترح الحركة الآن بديلًا مبتكرًا: ستسلم فقط أسلحتها الهجومية الثقيلة (الصواريخ، والصواريخ المضادة للدبابات، والطائرات المسيرة)، مع الاحتفاظ بأسلحة "الدفاع عن النفس". ويشمل ذلك بنادق الكلاشينكوف والإم 16، وقذائف آر بي جي، والعبوات الناسفة.
الشرط الثاني للحركة هو أنها لن تنزع سلاحها بالكامل إلا بتسليم أسلحتها إلى دولة فلسطينية مستقبلية - إن وُجدت. يعني نزع سلاح رمزي، مع نقل الأسلحة الثقيلة المتبقية (التي دُمّر معظمها في الحرب) إلى دولة عربية صديقة. وهذا هو السبب في أن العديد من الدول الإسلامية التي تعهدت ذات يوم بالمساهمة بقوات في قوة الاستقرار المتعددة الجنسيات المخطط لها في غزة تتراجع الآن أو تماطل عندما تقترب منها الولايات المتحدة. فهم يخشون أن ينتهي الأمر بجنودهم إلى قتال حماس أو الوقوع في غارات جوية إسرائيلية تستهدف عودة المجموعة.
من القضايا العالقة الأخرى عدم الاتفاق على الأسماء المطروحة لتشكيل "حكومة تكنوقراط فلسطينية" - والتي يُفترض أنها تستبعد حماس والسلطة الفلسطينية، تماشيًا مع المطالب الإسرائيلية. فضلًا عن هذا وذاك، هناك أسئلة ما زالت دون إجابات: من سيموّل وينفّذ أعمال إعادة الإعمار، في حين أن 76% من مباني غزة إما مدمرة أو غير صالحة للسكن؟ أين سيتم إيواء النازحين في هذه الأثناء؟ اقترح جاريد كوشنر بدء إعادة الإعمار في "المنطقة الخضراء" - وهي المناطق التي يسيطر عليها جيش الدفاع الإسرائيلي حاليًا - ولكن ماذا سيحدث إذا تم في النهاية تشكيل القوة متعددة الجنسيات والحكومة التكنوقراطية وانسحبت إسرائيل طبقًا لبنود الاتفاق؟
في الوقت الحالي، لا أحد يملك إجابات ملموسة على هذه الأسئلة المُلحة. في الوقت الحالي، من المتوقع أن يواصل البيت الأبيض الضغط على نتنياهو لعدم استئناف القتال، بينما يواصل المفاوضات - مباشرة أو عبر وسطاء - مع حماس بشأن نزع السلاح وعناصر رئيسية أخرى من المرحلة الثانية.
من الجيد التوصل إلى تسوية بين الولايات المتحدة وحماس والوسطاء حول تنفيذ المرحلة الثانية، ولكن إذا لم يحدث، فمن المرجح أن يتم استئناف القتال، في هذه الحالة سينقلب ترامب على إسرائيل. وهذا يعرّضها ليس فقط لخسارة المساعدات العسكرية الأمريكية، بل أيضًا ما تبقى من شرعيتها الدولية. وإذا كان المشهد الاستراتيجي والجيوسياسي في الشرق الأوسط قد تغيّر كثيرًا بعد تداعيات 7 أكتوبر 2023، إلا أن تل أبيب، وصناع القرار السياسي فيها، يدركون أنهم لم يعد بإمكانهم شن حرب لا نهاية لها في غزة، ولا مواجهة هجمات إيران وتوابعها، أو التدخلات العسكرية من روسيا والصين، أو حتى من تركيا وحدها بدون أمريكا وتحديدًا ترامب. ونتنياهو الذي أعلن أمام جي دي فانس، نائب الرئيس الأمريكي، خلال زيارته لتل أبيب أن إسرائيل ليست محمية أمريكية، يدرك جيدًا أن من يتخذ القرار الآن ليس هو وإنما ترامب.. والأدلة كثيرة فهي ليست محمية وإنما تابع.. وهناك فرق كبير بينهما.