ثمة نداءٌ خافت، يأتي من جهةٍ لا تُعرَف، كأنه حنينٌ قديمٌ يتجدد في القلب كلما همّ القلم بالكتابة. ليس صوتًا، بل رعشة، تفتح في الروح بابًا نحو ضوءٍ غامض، يسكن ما بين الحرف والمعنى. هناك، حيث تُولد الكلمات من صمتٍ عميق، وتتشكل الأرواح من نور الحروف، يبدأ الكاتب رحلته في مرايا نفسه، يطارد ظلًّا لا يُرى، ووهجًا لا يُطفأ.
فالكتابة ليست قولًا، بل كشفٌ لما استتر، ومصالحةٌ بين الغياب والحضور، بين الأرض التي تُثقِل الخطى، والسماء التي تُغري بالتحليق. وحين يكتب الكاتب، إنما يعيد خلق نفسه من جديد، فيُبعث من رماد الحرف، كما تُبعث القارات من عمق البحر، لتصير للروح أرضًا وللكلمة وطنًا.
والكتابة ليست فعلاً يُمارَس، بل هي عبورٌ خفيّ بين العدم والوجود، بين ما يُقال وما يُسكَت عنه. هناك، في المسافة التي لا تُقاس بالزمن، يولد المعنى كما تولد الأرواح من رحم الغيب؛ مدهوشةً بما ترى، عطشى لما لم تُدرِك بعد. كلّ كلمةٍ هي قطرة من سرّ، وكلّ نصٍّ هو محاولةٌ للقبض على ما لا يُقبض عليه — ظلّ الحقيقة وهي تتوارى في مرايا النفس.
وحين يكتب الكاتب، لا يكتب بحبره، بل بنوره، بارتجاف روحه وهي تلامس الأبد، في سعيٍ لا ينتهي نحو معنى أصفى من اللغة.
فالكتابة، في جوهرها استسقاءٌ للمعرفة من ينابيع الروح الأولى... حيث تتجلّى الحقيقة لا بوصفها فكرة، بل حضورًا يفيض بالدهشة والسكينة.
وفي كل كتابةٍ، يولد الكاتب من رماد فكرةٍ لم تكتمل، كأنّه طائرٌ يحاول أن يحدّد ملامحه بين الضوء والظلّ. إنّ القلم لا يبدأ رحلته على الورق، بل يبدأها في الأعماق، حيث تتصارع الأصوات الصامتة في داخل الروح، بين ما تريد أن تُقال وما تخشى أن تُفصح عنه. هناك، في ذلك العالم الغامض، لا تكون الكتابة مجرّد حبرٍ على صفحة، بل امتدادًا للوجود نفسه، ووسيلةً لتبرئة النفس من أوجاعها، واعترافًا خفيًّا بأننا نحيا بالكلمة كما نحيا بالأنفاس.
فالأدب، في جوهره، ليس صنعةً تُتقن، بل حالة روحية تُعاش وهو في إفريقيا كما في كل أرضٍ تحمل ذاكرة الألم والجمال، صوتٌ يبحث عن ذاته بين الرماد والنور، ليقول: ما زال في الروح ما يُكتب.
وأحيانا كثيرة حينما نقرأ نصا أدبيا سواء نثرا أو شعرا ونجد له ظلالا فى النفس قوية، لها أصداؤها وتأثيرها الكبير فى الروح.. ونبحث عن السبب فى ذلك، ونتفحص النص،.. فإننا نجد كلمة أو كلمات أو صيغا بلاغية مستقاة، من القرآن المجيد. وما كان للنص أن يترك أثرا، لولا وجود تلك الكلمات، التى تعطى رحابة وبحارا واسعة، يأخذ جمالها بالنفس. وهذا هو السبب الأساسى، فى بلاغة أدباء عظام، أمثال الرافعى والمنفلوطى والعقاد وباكثير وغيرهم. مما تبينه ظاهرة التناص مع القرآن الكريم، والذى يخفى على القارئ، إلا لمن له خلفية وقراءة واسعة. بل وبات الأمر، محل دراسات أكاديمية تكشف هذا الوجه الهام، من جماليات القرآن الكريم بل ومن أسرار إعجازه. وهذا الجانب شدّنى منذ فترة مع شغفى بالقراءة فى مصنفات إعجاز القرآن الكريم. فمن الأمور المحببة للنفس والآخذة بلبّها أن تغوض مع كلمات القرآن وهو الأمر ذاته الذى دفعنى منذ فترة لمحاولة الكتابة فى وجه من وجوه الإعجاز الذى يقف الإنسان أمامه مذهولا وهو الإعجاز الموضوعى للقرآن. فما من أمر أو موضوع أو مسألة إذا أردت أن تبحث عنه فى القرآن كتاب الله رب العالمين إلا ووجدت لها حقيقة موضوعية كاملة ومطلقة ليس بعدها من حقيقة. وأدعو الله تيارك وتعالى أن يوفقنى قى تقديم هذه الجانب وتحديدا فيما يتعلق بالحقائق الكونية والفلكية فى القرآن الكريم بصفة موضوعية.
وأحيانا ينتابنى شعور، أننى فى قضية خاسرة، حينما أبدا عملا وأتاخر فيه شيئا من الوقت، كنت قد نظمت له سلفا. إلا أن الأمر يكون بصورة أخرى، فى كتابة رواية أو قصة.. فالأمر غير محدد بوقت قطعى. بل على العكس تماما قد تجد نفسك تغير الكثير والكثير، وتعيد أكثر ما كتبت. وقد يأخذك هذا إلى ما لم تكن تفكر فيه، من قبل من أمور، لتتملك بنيان عملك. والمشكلة الحقيقية، أنك تكاد ترى بعينى عقلك كل شئ، وتصارع المعانى والكلمات التى تحملها فى العمل.. حتى ترضى بعض الشئ عن نفسك. والمشكلة الأخرى، حينما حتما تعطى لأبطالك سمات نفسية، تحتاج منك للبحث والتدقيق. ولا ريب أن الأمر يصبح مع الوقت والممارسة نوعا آخرا من الصراع لإتقان العمل. ناهيك عن عدم هروب البعدين الأساسيين منك، وهما المكان والزمان.. وكلها دوائر متداخلة، أنت الحكم الوحيد فيها. وفى النهاية، لا يمكنك الحصول على كل شئ، فلا تقترب أبدا من الكمال ولا الرضا عن نفسك. دائما هناك شئ ناقص، أنت وحدك من تشعر بوجوده. وحينما تتقدم بك التجربة، خاصة بعد الأعمال الطويلة، تتفتح لك أبواب تكتشف بعدها أنك لا زلت لم تقدم شيئا بعد.. وأنك فعلا لم تذق مشقة ولا متعة بعد. دائما هناك شئ مفقود وناقص كما قلت. والغريب، أن هذا الشعور، لا يقتصر على الأعمال الإبداعية فى القصة والرواية والشعر.. بل الأمر يتخطّاه إلى أنواع الكتابة الأخرى، مع تنوع الأسلوب وتراوحه. ومثل هذا لا ينبغى أن يقنعك إلا أن تسلم أنك لديك الكثير يجب عليك البحث لإخراجه، والتصدى للأمر مرة بعد أخرى. ليس وصولا إلى دقة، ولكن لحالة إبداعية، ما كنت تتصورها فى نفسك قط. ولا أحسبنى قد نلت من هذا إلا القليل جدا. وأحسب كذلك أن علىّ النيل من سعة الموارد اللغوية أكثر، التى فى ظلها تمتد للقلم جسارة، وللفكرة آفاقا.. وتبرز قيمة المعنى. ولا يكن الوقت إلا فاصلا بيننا وبين الوصول إلى هذا مرحلة بعد أخرى، على نحو منظم وخطوات منطقية، من الفعل والتصميم. وعن نفسى، لا ينحسم الجدل أبدا فى داخلها، عن نوعية هذه الموارد، ومنهجية التعامل معها. وقد إستفدت كثيرا، من كتب السيرة الذاتية لكثيرين، فهى تعطى إشارات وومضات وعلامات على الطريق فى سير أولئك الكتاب والأدباء، لما يؤحذ فى الإعتبار.. وأنت بدورك تنتقى وتتذوق.. وهو رأى ليس مطلق تماما. وفى حقيقة الأمر، فإن دراسة العصور الأدبية مثلا، تكون قاعدة أخرى، فى هذا المضمار. وهى قاعدة مثلى، إذ تعطيك أسماء المؤلفين والكتب فى كل عصر.. وما عليك إلا البحث والصبر، على الدرس والقراءة بل والتمتع..ومن ثم، شيئا فشيئا يتراكم لديك شئ.. ثم تكون أنت.. ولا شئ غيرك....
ولا أصبر على معنى ممّا ينبت غريبا تائها. يحاججنى، حتى لا أتولى عنه، إلى ما تهوى نفسى. ومن هنا، أولى وجهى قبل أعماق أفكار، لم أكن لأفكر فيها. أو أطرق مجاهل رؤى ليست بعابرة، تمسّ القلم، ويُبتلى بها، بين بأساء وضّرّاء، فأحرص على ألا تتخبَّط النفس، بين مكامن هذه أو تلك. فلا تزال تقاتلنى المعانى، وأقاتلها. تصارعنى، وأصارعها، حتى تردنى الموارد.. فآتيها وتأتينى، من حيث لا ندرى. أو تصطحبنى لنذهب معا أنّّى نشاء، لا يعجزنا شئ. وهى حرب لا غنى عنها، أعتابا للعقل لها يعدو ويعبر، ومواقيت وثقى، لا تنفصم عُراها، للروح. يقوم معها الفكر قَانتا، يتبصّر طريقه. وتذهب معها الروح مسافرة إلى ملكوت، وهي ظمآنة خمصة. ولا تقضى هذه الحرب بينى وبين المعانى، أو تضع أوزارها، حتى أكون أحرص على حياة، وحذرا من موت. وسرعان ما يُضاء لى كل شئ من حولى. ويباشر العقل رغدا لا يغيض. ويتمّ للروح نور لا يخبو، فتعود بطنة، من حيث قُدر للحقيقة مُستقرّ. وعلى امتداد أبعاد الوعي، أحدّق في عمق عقلي، متسائلا، دوما. أطرح الوساوس بعيدا. أتفرّس، متنقلا بين وهجات مديدة، فوق ما غامّ. أرى الفجر قبل أن يُرى. أعى لغة، ليس ينطق بسواها الفجر. تلك اللغة القريبة، لا تدركها إلا رّوح ذات رؤيا. تحلق عاليا، مبحرة بين هذا وذاك. فتصل أخيرا، بخفقاتها، إلى مقام زكيّ. حيث الحلم لا يخضع لأحد، ولا صمت بلون غسق قاتم..
وأعود مرة أخرى، من جديد، ولا أصبر على معنى غريب تائه.. وتصبح القضية دوما، هل الكلمات أم المعانى.. وكأنى أبرئ القلم من خرس، لأنطقه لأول مرة، ليصدِّق ما بين يَدَيّ الفكر من معان. وهذا هو المعنى على كل حال، وهو الأساس.
فعندما تحسّ مِنْ هوى نفسك ميلا إلى معنى غير ما يسلمك إليه رّسوخ الفكر، فإنه يظهر لك فى كثير من الأحيان، ضرورة الموازنة بين ما رسخ فى الفكر، أو ما مال إليه العقل، مع ما جنحت إليه النفس لأول وهلة، وذلك عند طروق باب تلك المعانى. والأمر على هذه الشاكلة، أظهر منه فى الشعر عنه فى النثر، مهما تعددت صوره. وهو الأمر ذاته الذى يمكننا من الحكم على جيد ما نقرأه للغير من عدمه. فكثير من الأحايين تجد أن هناك من يكتب ويضع أمامه ألفاظا بعينها، ليكتبها كما هى. وذلك مرّده بالطبع لضعف الحصيلة اللغوية والثروة المعجمية، من مناهلها ومواردها. وهو أيضا ما يسبّب ضعف المضمون والمحتوى.. خلاصة الأمر خور كلا من المعنى والمبنى.. حتى أنه يمكنك أن تُحصى المفردات المعجمية لكل من تقرأ، مّمّا يمكنك فى نهاية الأمر إطلاق الحكم عليه .. فهو لا يتعدى ذلك أبدا قيد بنان، أقول لا شبر..! وبالطبع ونحن نكتب، فإن حاضر المعنى ليس كغائبه. ومن هنا تأتى أهمية الألفاظ والكلمات، حاملة للمعنى الدقيق، ومبينة ومصقلة لمبتغاه. والتى لا بد أن تأتى على هذا الوجه، وتُنادم أصداءه. وما يختلف التأويل لمعنى عن آخر، إلا للصور والمبانى البلاغية، التى تتأطّر فيها تلك الألفاظ، أو ترد من خلالها الكلمات الناهضة بالمعنى الكلّى، صادحة به.. وهو الأسلوب، الذى يميز كاتب عن آخر.. ويفقد غيره ميزة وأمل اللحاق به، أبدا..! وأسلوب الكاتب تاريخه، وصبره، ودرسه،.. وقبل كل هذا موهبته، التى يبنى عليها بنيانا سامقا، راسخ الجذور، ثابت الأصل.. لا هاوٍ أمام ريح، ولا خاوٍ عرشا.. ومن هنا كذلك، تتأتى أهمية ما يُعرف ب"السياق والدلالة "على مختلف مناحيهما. وهى أمور لا يجب أن تغيب عن الكاتب سواء فى كتابته، أو قرائته لنصوص أخرى.. ومن لزم هذه الأمور مبكرا، فهو يعى أن الأمر أعمق بكثير،.. من مجرد إشارة عابرة. يكفى فقط أن نجمل الإشارة إلى علوم البلاغة فى العربية، بفروعها. وهى العلوم التى لا غنى عنها لكل كاتب وأديب وشاعر..
وأذكر فقط ما أورده محمود سامى البارودى فى شهادته للشيخ حسن المرصفى ومصنفه الرائع فى علوم البلاغة والذى إستفاد منه البارودى أيّما إستفادة.. ولا ينكر أحد ما للبارودى من ثروة لغوية، إلا أنه رّدّ الفضل لأهله و أوضح ذلك. وحديثا نجد تلك الأسفار، التى تتحدث عن علوم، مثل السياق والدلالة، وغيرهما من علوم متصلة باللغة، مما يرجع بتنمية وإتقان المهارات اللغوية والبلاغية وصقلها. حبذا لو كان للكاتب إطلاع واسع، يردّه مردا إلى علم فقه اللغة وأصولها. وهنا يظهر أهمية التراث العربي، فى هذا الجانب الذى ذكرته فى مقال سابق، من أهمية مؤلفات ابن فارس وابن سيده والمعرى والجاحظ.. وغيرهم من أرباب اللغة وأصحابها. هنالك حيث أسفار لا يشبع منها، ويرجع إليها مرارا، كل متذوق للغة، قارئا كان أم كاتبا. والجلد الصبور، هو الذى يذهب وراء كل ذلك بشئ من نفسه، ولا يعود إلا بنفس أخرى، لم يعهدها، عمّا ذى قبل، مع الأسلوب..
خاتمة القول.. الكتابة، في جوهرها، ليست صنعة تُتقن بقدر ما هي مكاشفة للروح، وسفرٌ في مجاهل الذات بحثًا عن معنى لا يُستوعَب تمامًا، لكنه يُضيء الطريق. ومن رحم اللغة تتولّد الحقيقة، ومن صراع المعنى والكلمة يولد الأديب من جديد؛ يكتب ليحيا، ويحيا ليكتب، حتى يصير الحبر مرآةً للروح، والكلمة امتدادًا لخلودها.