لا تفهمونا غلط
كارثة إعلامية تطل برأسها على المشهد المصري تحت مسمى بيع الهوى، لكنها في حقيقتها أبعد ما تكون عن الإعلام، بل هي تجارة في العقول والذوق العام. هذه الظاهرة التي تفشت على الشاشات الفضائية أصبحت تتيح لكل من يملك المال أن يشتري مساحة بث على الهواء ليظهر كمذيع أو ضيف، دون أي تأهيل أو خلفية إعلامية، ودون رقابة أو ضوابط مهنية. تحول الهواء إلى سلعة تُباع وتشترى، وصار البث الفضائي سوقًا مفتوحًا لكل من يريد الشهرة أو النفوذ أو مجرد التسلية او تحقيق مكاسب لها أبوابها الخلفية.
المشكلة لم تعد فيمن يشتري الوقت، بل فيمن يبيعه. فالقنوات التي اعتادت فتح شاشاتها لمن يدفع، مهما كان مستواه الفكري أو الثقافي أو الأخلاقي، أصبحت هي الخطر الحقيقي على الإعلام المصري. لم يعد يهمها مضمون ما يُقال ولا أثره على المجتمع، بقدر ما يهمها تحصيل الأموال والعوائد من الإعلانات والسوشيال ميديا. والكارثة أن هذه الفوضى أفرزت نماذج مشوهة، مثل ما نراه اليوم من ظهور من يطلقون على أنفسهم صفات أدبية أو فكرية زائفة، فصرنا أمام ما يمكن وصفه بظاهرة “أديبة الكرنك” و“شاعرة الحرنكش”، رموز مرحلة من التدهور الإعلامي، حيث يُمنح الجهل مساحة البث، ويُرفع العبث إلى مرتبة المادة الإعلامية، وتتحول الرداءة إلى تريند، والسطحية إلى شهرة مصطنعة تهدم الذوق العام وتسيء إلى صورة الإعلام المصري كله.
بيع الهواء بهذه الصورة يهدم الإعلام المصري من أساسه. فهو يفتح الباب أمام فئة منتحلة لصفة الإعلامي والمذيع، تملأ الشاشات ضجيجًا بلا مضمون، وتدمر المعايير المهنية التي قام عليها الإعلام المصري لعقود. كيف يمكن الحديث عن تطوير الإعلام في ظل هذه الفوضى؟ كيف يمكن الارتقاء بالذوق العام بينما يُستباح الهواء لكل من يدفع أكثر؟
نقابة الإعلاميين تخلت تمامًا عن دورها في مواجهة هذه الكارثة، وتركت الحبل على الغارب حتى أصبحت الفوضى سيدة الموقف. أما المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، فهو منذ إنشائه وحتى الآن لم يتعامل مع هذه الظاهرة بالجدية المطلوبة، وكأنه لا يرى أو يسمع. ومع كل اجتماع لجانه الموقرة للحديث عن التطوير، تتسع مساحة الفوضى وتنتشر قنوات بيع الهوى أكثر فأكثر. التطوير الحقيقي لا يبدأ من اللجان والاجتماعات، بل من قرارات حاسمة توقف هذا العبث وتغلق هذه القنوات التي تهين المهنة وتعبث بالذوق العام.
لقد رأينا ما أحدثه البلوجر والإنفلونسر من كوارث اجتماعية وأخلاقية، وكيف ساهمت هذه القنوات في تضخيمهم وتلميعهم، حتى صاروا قدوة مزيفة لجيل كامل. إن هذه القنوات تمارس تجارة أشبه بالدعارة الفكرية، تبيع الهواء لمن يدفع، وتمنح صفة المذيع لكل من يملك المال لا الموهبة.
الإعلانات التي تنشرها بعض القنوات أصبحت مثالًا فاضحًا على هذه السوق السوداء، حيث يعلنون صراحة عن بيع فقرات برامجهم لأي شخص يريد الترويج لنفسه أو نشاطه مقابل مبلغ محدد. يمكن لأي طبيب أو مدرب أو محام أو صاحب مشروع أن يظهر كمقدم برامج أو ضيف في بث مباشر، مقابل بضعة آلاف من الجنيهات، تُنشر بعدها الحلقة على اليوتيوب مع أرقام الهواتف والعناوين للتسويق الشخصي. وصل سعر الفقرة إلى عشرات الآلاف من الجنيهات، والهدف واحد: تجارة في الهواء، وبيع للوهم.
هذه الممارسات ليست فقط إساءة للمهنة، بل هي جريمة في حق المجتمع الذي يتعرض لغزو من الرداءة والابتذال تحت لافتة الإعلام. يجب أن يتدخل المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام ونقابة الإعلاميين فورًا، لا لتشكيل لجان جديدة، بل لإصدار قرارات حاسمة بإغلاق هذه القنوات ومحاسبة القائمين عليها.
إن بيع الهواء لم يعد مجرد ظاهرة هامشية، بل صار سرطانًا ينهش جسد الإعلام المصري، ويهدد بطمس هويته المهنية والأخلاقية. لا يمكن أن يكون هناك تطوير حقيقي للإعلام دون تطهيره من هذه القنوات التي حولت المهنة إلى مزاد علني، وجعلت من الهواء سلعة تُباع لمن يدفع أكثر.
إن الارتقاء بالذوق العام يبدأ من حماية الشاشة، من وضع حد لهذا العبث الذي يفسد العقول قبل أن يملأ الجيوب. نحن أمام لحظة حاسمة تستدعي موقفًا وطنيًا شجاعًا من الجهات المسؤولة، لأن ما يحدث الآن ليس فقط بيعًا للهواء، بل هو بيع للوطنية والعقل والضمير.
وأخيرا
رسالة إلى السيد رئيس مجلس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي،
لقد كنتم وما زلتم الداعم الأول لتطوير الإعلام المصري، وأصدرتم قرارًا بتشكيل لجنة الـ67 لوضع رؤية واضحة لتحديث هذا القطاع الحيوي بما يليق بمكانة مصر وريادتها الإعلامية. ولكن قبل أن تبدأ اللجنة أو اللجان المنبثقة عنها عملها، نرجو من سيادتكم التدخل السريع والعاجل بنفسكم وبشخصكم الكريم لوقف هذه المهازل التي تُعرض يوميًا على شاشات قنوات حصلت على تراخيصها من المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، بينما تمارس أبشع أشكال الإسفاف تحت سمع وبصر الجميع.
لقد تحولت بعض القنوات إلى أسواق مفتوحة لبيع الهواء لمن يدفع، وظهرت على شاشاتها شخصيات لا تمت للإعلام بصلة، تسيء للمهنة وللذوق العام، وتشوه صورة مصر أمام العالم. هذه القنوات التي تتاجر باسم الاعلام ، تبيع الوهم والجهل، وتمنح صفة المذيع والأديب والشاعر لكل من يملك المال، لا الفكر ولا الموهبة.
نثق أن المهندس خالد عبد العزيز، رئيس المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، يدرك تمامًا حجم هذه المأساة ويعرف تفاصيلها، لكننا نطالبه اليوم بقرار واضح وصريح يوقف هذا العبث ويعيد الانضباط إلى المشهد الإعلامي. فالقنوات التي تحمل اسم مصر لا يجوز أن تكون منبرًا للتفاهة أو مرتعًا لمدعي الثقافة والفكر.
إن التطوير الحقيقي الذي تتحدث عنه الدولة لن يتحقق إلا إذا بدأ من تنظيف الساحة الإعلامية من هذه القنوات، ومراجعة تراخيصها ومصادر تمويلها ومحتواها. فكيف نطالب بتطوير الإعلام بينما يعلو صوت الرداءة فوق صوت المهنية؟ وكيف نعيد الثقة في الشاشات المصرية إذا كانت تُستخدم لبيع الوقت والهواء باسم الإعلام؟
إننا نناشدكم، سيادة رئيس الوزراء، أن يكون أول قرار في مسار التطوير هو وقف هذه القنوات ومحاسبة مسؤوليها، لأن ما يُبث الآن ليس إعلامًا، بل إساءة للوطن، ووصمة عار في تاريخ المهنة التي كانت يومًا منارات الوعي في مصر والعالم العربي.
واكرر "أنقذوا الإعلام المصري فقد ابتلعه سوق بيع الهواء التطوير يبدأ من هنا.. أغلقوا قنواته فاعلامنا في انهيار "
مصطفي البلك