على مدار الأسبوع الماضي، كانت نيويورك عاصمة العالم، مع مواجهات عالية المخاطر، وتصريحات دراماتيكية ومحاولات متجددة لإحياء حل الدولتين في ظل تصاعد الاعترافات بالدولة الفلسطينية لغلق دائرة الصراع في الشرق الاوسط. بالنسبة لإسرائيل، كانت هذه لحظة مشحونة بشكل فريد من الضغوط العالمية غير المسبوقة - التي يخفف من حدتها فقط الدعم القوي الذي لا تزال تتلقاه من الرئيس الأمريكي، حتى ان الصحف الاسرائيلية اعتبرت ان الاعترافات بمثابة "مكافأة لحماس".
علي ارض الواقع، هناك حاليا رؤيتان للسلام في المنطقة، الاولي يتبناها الرئيس الامريكي دونالد ترامب، مدفوعا برغبة شخصية في تتويج مسيرته السياسية بجائزة نوبل للسلام، وهي رؤية "ريفيرا غزة" التي تخاصم المنطق وتتجاوز الحقوق التاريخية من خلال عمليات التهجير القسري لسكان القطاع التي يشاركه فيها رئيس الوزراء الاسرائيلي، بنيامين نتنياهو.
والثانية، تنطلق من مبادرة السلام السعودية- الفرنسية، وتتبني مبدأ حل الدولتين، باعتباره الوحيد القادر على ضمان السلام والأمن في المنطقة. وهي تتضمن ،تقديم رؤية مشتركة لـ ‘ما بعد الحرب في غزة’. ضمان إعادة إعمار القطاع بما في ذلك الامن والادارة. واخيرا فتح الطريق لحل الدولتين.
وجاء لقاء ترامب مع مسئولين وقادة عرب في نيويورك على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة لتقريب وجهات النظر بين الرؤيتين، وتجاوز الخلافات العالقة والمعرقلة لتنفيذها.. لكن، هذه المرة فان ما يجمع بين الرؤيتين، هو نفسه سيكون السبب في فشلهما.. انهما تجنبا فعليا الخوض في التفاصيل بحجة ان الشيطان يكمن فيها.! وحتى بدون الخوض في التفاصيل فان القضايا المتعلقة بالحدود، الادارة، شكل السلطة، واخيرا علاقة كل ما سبق بما تم الاتفاق عليه في قرارات الامم المتحدة السابقة، جميعها تشكل قنابل موقوتة يمكن ان تعتيد الجميع للمربع رقم واحد.
مظاهرة الاعتراف بالدولة الفلسطينية، الجارية الان يأتي استكمالا لمشهد مشابه في التسعينيات من القرن الماضي، خاصة بعد اتفاقيات أوسلو (1993-1995) بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل، والتي أنشأت السلطة الوطنية الفلسطينية ككيان انتقالي. كانت هذه الاتفاقيات جزءًا من جهود السلام المدعومة أمريكيًا، لكن الاعتراف الدولي جاء تدريجيًا، مدفوعًا بقرارات الأمم المتحدة وتغييرات جيوسياسية في ذلك الوقت، واعترفت أكثر من 90 دولة (معظمها في آسيا وأفريقيا) بدولة فلسطين المعلنة، مدعومة بقرار الجمعية العامة 3236 (1974) الذي أكد حقوق الشعب الفلسطيني.
لكن الفارق بين السابق والجاري، هو ان الدول التي تعلن اعترافها تباعا بالدولة الفلسطينية الان اغلبها ان لم يكن جميعها من الدول الغربية الدائرة في الفلك الامريكي ومن أكثر الداعمين لإسرائيل.. هذا هو الخلاف الرئيسي في المشهدين. وهذا ايضا هو ما يسبب حرجا دبلوماسيا لترامب ونتنياهو.
الاعتراف بالدولة الفلسطينية ككيان سيادي، رغم غياب حدود نهائية معترف بها دولياً، هو موضوع مثير للجدل في القانون الدولي والسياسة. هذا الاعتراف، الذي تبنته الان أكثر من 151 دولة، يُعتبر اعترافاً مشروطاً أو انتقالياً.
معايير الدولة في القانون الدولي: وفقاً لاتفاقية مونتيفيديو (1933)، تتطلب الدولة: شعباً دائماً، حكومة فعالة، علاقات دولية، وقدرة على الدفاع عن نفسها. والحدود المتعارف عليها ضمنيا.
تاريخيا، ترسيم اي حدود يجب ان يمر اولا عبر صراع قوة شريطة ان يكون هدف الترسيم هو الاولوية الطاغية على كل ما دونها من اهداف.. وفي القضية الفلسطينية الاعتراف يعتمد على “الأراضي الفلسطينية” (الضفة الغربية، غزة، القدس الشرقية) كأساس مؤقت، بناءً على قرارات الأمم المتحدة مثل 242 (1967). هذا يجعل الاعتراف "رمزياً"، خاصة ان جميع الصراعات التي خاضها الشعب الفلسطيني ضد الاحتلال طوال مسيرة كفاحه منذ قرار التقسيم الصادر عن الامم المتحدة عام 1947 تم استغلالها لأهداف ثانوية.. وتلك قصة اخرى.
في كل الاحوال ورغم عدم الترسيم، يحمل الاعتراف جدوى عملية ودبلوماسية، حيث يسمح لفلسطين بالانضمام إلى معاهدات ومنظمات، مما يفتح أبواباً للدعاوى القانونية ضد الاحتلال. انه يُجبر إسرائيل والولايات المتحدة على الاعتراف بفلسطين كشريك متساوٍ، كما حدث بعد اعترافات أوروبية في 2024 التي أدت إلى زيادة الضغط في مجلس الأمن. يمنح الاعتراف تسهيلات للحصول على المساعدات الدولية.
في المقابل هناك تحديات وقيود مع غياب الحدود يحد من فاعلية الاعتراف. علي سبيل المثال في ظل عدم وجود حدود معترف بها يبقي شكل الدولة دون ملامح سياسية واقتصادية وامنية. كما ان موازين القوة التي تميل بشكل حاد ناحية اسرائيل ستري في الاعتراف مبررا لغلق باب المفاوضات، وربما سببا لتجاوز اتفاقيات سابقة مثل "اوسلو" و"غزة واريحا"، وستعيد السيطرة على ما تبقي من اراض فلسطينية لصالح بناء مستوطنات عليها كما هو حادث حاليا. اضافة لما سبق فان الخلاف بين السلطة الفلسطينية (في الضفة) وحماس (في غزة) يُضعف القدرة الشعب الفلسطيني وحتى الداعمين له من الاتفاق على تمثيل "دولة الفلسطينية" المنتظرة.
بالفعل هناك نماذج لدول مثل بنغلاديش أو جنوب السودان اعترف بها دوليا قبل ترسيم حدودها، ونجحت في بناء سيادتها تدريجياً. لكن في الحقيقة لم تكن قضية الحدود بالنسبة لهما هي المعضلة الاساسية كما في ازمة فلسطين، ناهيك عن تقارب كبير في موازين القوة مضافا اليها رغبة اقليمية ودولية لإنهاء هذا النزاع.
اذن الاعتراف بدون حدود هو "جسر انتقالي" يبني الشرعية ويُحفز الحلول، لكنه غير كافٍ منفردا؛ ويصبح مجرد " كلام" او وسيلة جيدة لالتقاط الصور التذكارية، لأنه سيحتاج إلى قوة اي كان شكلها لإقناع الطرف الاخر بالتفاوض على الترسيم، حيث ان جوهر التفاوض في ظل موارين قوي متكافئة يؤدي عادة الي نتائج مقبولة وحاسمة، وفي غياب او عدم تكافي تلك الموازين يصبح التفاوض مجرد عملية اخضاع واملاء شروط على الطرف الاضعف..
يجب الاقرار بان الازمة الفلسطينية، تمثل حالة فريدة، لأنه للمرة الأولى، شعبان يتمتع كل منهما بحقوق تاريخية ودينية، يتنازعان على قطعة أرض واحدة." وبطائع الامور والاستبداد ايضا أصبح هناك تداخل معقد بين كليهما على الارض. وكما قال الأمين العام للأمم المتحدة: "هذه هي كأس العالم للدبلوماسية". لكن، لا أحد يعرف حتى الآن أي طرف سيخرج منتصرا.
واخيرا.. إذا استعرنا تعبير الصحف الاسرائيلية "بان الاعترافات بالدولة الفلسطينية يعد جائزة لحماس"، فإن الحكومة الإسرائيلية التي يرأسها نتنياهو هي اللجنة التي منحت الجائزة.. وهذا هو الشيطان الحقيقي في كل التفاصيل.