في القمة العربية بالدوحة..
شعرت بفخر عميق وأنا أستمع إلى كلمة الرئيس عبد الفتاح السيسي في القمة العربية الإسلامية الطارئة بالدوحة، فقد جاءت عباراته حاسمة ومباشرة، تحمل قوة الموقف ووضوح الرؤية، وتنطلق من خبرة قائد عسكري وسياسي يدرك قيمة كل كلمة وما تتركه من أثر سياسي واستراتيجي في الداخل والخارج. لم يكن استخدامه لمصطلح "العدو" في وصف إسرائيل مجرد انفعال عابر أو خروجاً عن قواعد الدبلوماسية، بل كان قراراً واعياً ومدروساً يعكس إدراكه لطبيعة التهديدات التي تحيط بالمنطقة، ويترجم ثوابت مصر في الدفاع عن سيادتها وحماية قضايا أشقائها العرب. من هنا أعتبر خطابه واحداً من أقوى الكلمات منذ كامب ديفيد، لأنه حمل دلالات التحول المصري ورسم لحظة فاصلة في العلاقات المصرية الإسرائيلية، لأنه ببساطة "قال ما ينتظره الشارع العربي منذ عقود".
لم تكن هذه المرة الأولى التي يضع فيها الرئيس السيسي البوصلة العربية في مسارها الصحيح. فكلمته في قمة بغداد السابقة جاءت بدورها قوية، تحمل ملامح خارطة طريق لمستقبل عالمنا العربي، إذ وضعت أسساً واضحة لضرورة لمّ الشمل وتعزيز الوحدة والعمل العربي المشترك في مواجهة التحديات التي تتسارع من كل صوب. ومن يتابع كلمات مصر في مختلف القمم العربية والإسلامية يلحظ بسهولة أنها تنطلق من رؤية ثابتة لا تتغير: الدعوة إلى التضامن، حماية الأمن القومي العربي، وصون المصالح المشتركة باعتبارها الركائز التي لا يمكن التفريط فيها إذا أراد العرب الحفاظ على مكانتهم واستقرارهم.
ما ميّز خطاب الدوحة هو أنه لم يكن مجرد تصريح عابر، بل إعلاناً عن تحول نوعي في الخطاب المصري الرسمي منذ توقيع معاهدة السلام عام 1979. فقد أراد أن يبعث برسالة مزدوجة: إلى الداخل العربي والإسلامي بأن القاهرة تعيد صياغة أولوياتها السياسية وفق معطيات المرحلة الراهنة، وإلى المجتمع الدولي وإسرائيل تحديداً بأن مصر لن تقف موقف المتفرج أمام سياسات توسعية وعدوانية تهدد استقرار المنطقة بأسرها. لقد كان اختيار هذه اللحظة لإعادة إدخال مصطلح "العدو" إلى القاموس السياسي المصري خطوة مقصودة، تعكس رغبة واعية في إعادة ترتيب معادلة الصراع العربي الإسرائيلي على أسس جديدة تتناسب مع حجم المخاطر.
وما منح الخطاب زخماً إضافياً هو صدوره من الدوحة تحديداً. فالعاصمة القطرية كانت خلال السنوات الماضية في قلب جدل سياسي وإعلامي عربي واسع، وحضور الرئيس السيسي هناك ليعلن إسرائيل عدواً شكّل رسالة رمزية بالغة القوة. أراد أن يقول إن الخلافات الجانبية لا مكان لها أمام التحديات المصيرية، وأن وحدة الصف العربي والإسلامي في مواجهة الاعتداءات والتهديدات الكبرى تبقى أولوية لا تعلو فوقها أي حسابات أخرى. القمة التي جمعت العرب والمسلمين في توقيت حساس شكّلت منصة مثالية لإطلاق خطاب يعيد التأكيد على أن أي اعتداء على أرض عربية هو تهديد للأمة بأسرها، وأن مصر ما زالت حجر الزاوية وصمام الأمان في الدفاع عن القضايا المصيرية.
في خلفية الخطاب، كانت غزة حاضرة بكل تفاصيلها المأساوية. فالمجازر المتواصلة، والحصار والتجويع، والتهديدات بتهجير أهلها قسرياً إلى شمال سيناء لم تعد مجرد تكهنات، بل تحولت إلى وقائع مدعومة وتصريحات إسرائيلية وأمريكية واضحة. الأخطر أن هذه الطروحات لم تبقَ في خانة الأوراق البحثية أو المقترحات النظرية، بل طُرحت بشكل علني في دوائر صنع القرار وحاولوا تنفيذها لولا رفض مصر القاطع للتهجير وتفريغ القضية الفلسطينية ، ما جعل مصر في قلب التحدي، لأن المساس بسيادة سيناء يمثل خطاً أحمر للأمن القومي المصري لا يمكن تجاوزه. عند هذه النقطة لم يعد ممكناً الاكتفاء برسائل دبلوماسية ناعمة، بل كان لا بد من خطاب يوازي حجم الخطر، وهو ما جسده السيسي بوضوح في وصفه لإسرائيل بالعدو.
منذ اتفاقية كامب ديفيد، التزمت القاهرة بخطاب متوازن، تجنبت فيه استخدام مفردات الصراع التقليدية مثل "العدو" أو "الاحتلال"، حتى عندما بلغت الخلافات مع إسرائيل ذروتها. كان هذا جزءاً من سياسة سلام بارد، يضمن الاستقرار ويحافظ على قنوات الاتصال مفتوحة مهما كانت حدة التوتر. لكن التطورات الأخيرة تجاوزت كل الخطوط الحمراء، فلم يعد الصبر الاستراتيجي المصري قابلاً للاستمرار. لهذا جاءت العودة إلى مصطلح "العدو" بمثابة إعلان مدوٍ بأن إسرائيل بتماديها تضع أسس السلام نفسه على المحك، وأن مصر لن تسمح بتحويل حدودها وأمنها القومي إلى ورقة تفاوض أو ضغط.
بهذا التوصيف، بعث السيسي برسائل متعددة الاتجاهات. أولاً، أن أي اعتداء على دولة عربية ـ كما حدث مع قطر ـ هو تهديد مباشر للجميع ولا يمكن التعامل معه كحادث معزول.
ثانياً، أن ما يحدث في غزة يمثل تجاوزاً غير مسبوق للأعراف والقوانين الدولية، ويستوجب لغة صريحة أكثر صرامة من بيانات الشجب المعتادة.
ثالثاً، أن استمرار السياسات الإسرائيلية قد يطيح بمكتسبات السلام نفسها، ويعيد العلاقات إلى مربع المواجهة.
هذه الرسائل كانت واضحة وقاطعة، فإسرائيل لم تعد تُعامل كشريك في عملية سلام معلّقة، بل كعدو يهدد الأمن القومي العربي والإقليمي.
الخطاب حمل أيضاً بعداً شعبياً لا يقل أهمية. فالجماهير العربية لطالما رأت أن بيانات القمم وخطابات الزعماء لا ترتقي إلى مستوى المأساة الفلسطينية. لكن وصف السيسي لإسرائيل بالعدو كان منسجماً مع المزاج الشعبي وفي الشارع العربي والإسلامي ، الذي يرى في ما يحدث في غزة إبادة جماعية بكل المقاييس. لقد شعر المواطن العربي أن القيادة المصرية تعبر بلغته وتتبنى همومه، ما أعاد جزءاً من الثقة المفقودة بين الشعوب وأنظمتها. بذلك، عززت مصر صورتها كمدافعة عن القضية الفلسطينية وأعادت لنفسها دورها التاريخي كقائدة للعمل العربي المشترك.
على الصعيد الدولي، لم يخلُ الخطاب من رسالة موجهة إلى القوى الكبرى التي تغض الطرف عن الانتهاكات الإسرائيلية أو تبررها. أراد السيسي أن يوضح أن الصبر العربي له حدود، وأن استمرار التواطؤ مع إسرائيل قد يؤدي إلى انفجار إقليمي يصعب احتواؤه. لم يكن استخدام كلمة "العدو" موجهاً فقط إلى الإسرائيليين أو الشعوب العربية، بل أيضاً إلى العواصم الغربية التي ما زالت توفر لإسرائيل غطاءً سياسياً وعسكرياً. إنها رسالة تقول بوضوح: تجاهل المأساة الفلسطينية لم يعد خياراً، وأمن المنطقة لا يمكن أن يُبنى على معادلة مختلة تتجاهل حقوق الشعوب.
أما داخل إسرائيل، فقد كان وقع الخطاب شديد الوضوح. الإعلام العبري انقسم بين من رأى في تصريح السيسي استجابة ظرفية للغضب الشعبي العربي، ومن اعتبره تهديداً استراتيجياً يضع مستقبل العلاقات المصرية الإسرائيلية في مهب الريح. لكن ما لم يختلف عليه كثيرون هو أن شيئاً ما قد تغير بالفعل في الخطاب المصري الرسمي، وأن العودة إلى مفردة "العدو" ليست تفصيلاً لغوياً يمكن تجاوزه بسهولة. إنها تعبير عن موقف سياسي يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من العلاقة الثنائية، قد تكون أكثر صعوبة وتعقيداً مما اعتادته إسرائيل طوال العقود الماضية.
إقليمياً، عزز خطاب السيسي من مصداقية مصر كدولة تجمع بين الواقعية السياسية والصلابة في الدفاع عن المبادئ. فهي لم تتخلَّ عن دورها كوسيط يسعى إلى التهدئة وإحياء عملية السلام، لكنها في الوقت ذاته لم تتردد في استخدام لغة حازمة تعبّر عن رفضها للانتهاكات. هذا التوازن بين الوساطة والصلابة جعل القاهرة لاعباً لا غنى عنه في المعادلة الإقليمية. وباستخدام كلمة "العدو"، وجهت مصر رسالة مزدوجة: نحن مع السلام، لكننا لن نصمت أمام العدوان.
أخيرا
يمكن القول إن وصف إسرائيل بالعدو في هذه اللحظة التاريخية لم يكن مجرد توصيف لغوي، بل خطوة سياسية تحمل أربع دلالات رئيسية: أولاً، هو رد مباشر على اعتداء إسرائيلي مس سيادة دولة عربية، ما يفرض تضامناً لا لبس فيه.
ثانياً، هو تعبير صريح عن رفض المجازر وسياسات العقاب الجماعي في غزة، واستجابة واعية للغضب الشعبي العربي والإسلامي.
ثالثاً، هو تحذير استراتيجي بأن استمرار النهج الإسرائيلي قد يطيح بمكتسبات السلام نفسه، ويعيد العلاقات إلى مربع الصراع.
رابعاً، هو إعادة تموضع لمصر كقائدة للعمل العربي والإسلامي، تجمع بين حماية مصالحها الوطنية والدفاع عن قضايا الأمة.
يمكن النظر إلى خطاب السيسي باعتباره نقطة تحول في الخطاب العربي تجاه إسرائيل، إذ أعاد التأكيد على أن القضية الفلسطينية ما زالت جوهر الصراع وأن أي سلام لا يراعي كرامة الشعوب العربية ولا يحفظ سيادتها لن يُكتب له الاستمرار. لقد أظهر الخطاب أن المفردات السياسية، حين تُستخدم بوعي وفي لحظة فارقة، قادرة على إعادة ضبط المعادلة وإرسال رسالة واضحة بأن تجاوزات إسرائيل لن تمر دون رد.
وعلى هذا الأساس، فإن توصيف إسرائيل بالعدو لا يمكن اعتباره مجرد توصيف لغوي أو انفعال مؤقت، بل إعلان استراتيجي يكشف أن المنطقة تدخل مرحلة جديدة ستترك انعكاساتها على شكل العلاقات مع إسرائيل لسنوات مقبلة. خطاب الدوحة لم يكن مجرد حدث بروتوكولي، بل خريطة طريق تعيد ترتيب الأولويات العربية وتؤكد أن مصر استعادت زمام المبادرة، لتقف في طليعة المدافعين عن قضايا الأمة وحامية لتوازناتها الاستراتيجية.
مصطفي البلك
[email protected]