رئيس مجلس الإدارة
طارق لطفى
رئيس التحرير
أحمد أيوب

تجاوزت حرب غزة حدود الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي لتصبح اختبارًا لمستقبل المنطقة بأكملها. إسرائيل تمارس سياسة الأرض المحروقة، وتستهدف المدنيين والمستشفيات، وتطرح بشكل مباشر أو غير مباشر سيناريوهات “الترحيل” إلى سيناء أو الأردن. في المقابل، يتحرك الفاعلون الدوليون بين تصريحات غامضة ومواقف متناقضة: واشنطن تكرر خطاب “حق إسرائيل في الدفاع عن النفس”، بينما تطالب بزيادة المساعدات الإنسانية، وأوروبا منقسمة بين ضغوط داخلية وتوازنات خارجية.

وسط هذا المشهد، يبرز الموقف المصري كعامل توازن وحائط صدّ، ليس فقط سياسيًا وإنما استراتيجيًا.

أولاً: رفض التهجير… قضية أمن قومي

تصريحات الرئيس عبد الفتاح السيسي الأخيرة ـ في اتصاله مع رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر ـ لم تكتف بالرفض الأخلاقي لتهجير الفلسطينيين، بل وضعت الأمر في إطاره الأوسع: أي محاولة لتهجير الفلسطينيين تمثل تهديدًا مباشرًا لمنظومة السلام الإقليمي.

هذا الموقف ليس مجرد شعار؛ بل نابع من إدراك أن نقل الأزمة إلى سيناء يعني:

خلق بؤرة توتر دائمة على الحدود المصرية.

تهديد الأمن القومي المصري بتحويل سيناء إلى “وطن بديل”.

تصفية تدريجية للقضية الفلسطينية.

*ثانيًا: إدانة العدوان على قطر… والدفاع عن الشرعية الدولية

إدانة القاهرة للهجوم الإسرائيلي على الدوحة، ونقل وزير الخارجية رسالة تضامن إلى أمير قطر، تعكس أن مصر لا تتعامل مع حرب غزة كأزمة حدودية، بل كمسألة تخص سيادة الدول العربية مجتمعة.

هنا يظهر البعد السياسي: مصر تدافع عن الشرعية الدولية في مواجهة سلوك إسرائيلي منفلت يهدد قواعد العلاقات الدولية.

ثالثًا: الوساطة ووقف إطلاق النار… سياسة الممكن

حين أكد الرئيس السيسي أن مصر تعمل على “وقف إطلاق النار، إدخال المساعدات، والإفراج عن الأسرى”، فهو يحدد أهدافًا عملية قابلة للتنفيذ.

هذه ليست أقصى الطموحات الفلسطينية، لكنها ما يمكن إنجازه على طاولة دبلوماسية تتحكم فيها واشنطن وتل أبيب.

ما يشير إلى أن مصر تتحرك بمنطق إدارة الأزمة، مع إدراك أن الحل النهائي مرتبط بتوازنات أكبر.

الغرب… بين الحسابات والازدواجية

مراجعة مواقف الغرب تكشف ثلاثة مستويات:

الولايات المتحدة: تنحاز استراتيجيًا لإسرائيل، لكن ضغوط الانتخابات والانتقادات الداخلية تدفعها لمطالبة تل أبيب بوقفات إنسانية مؤقتة.

بريطانيا: تبحث عن دور قيادي في أوروبا بعد البريكست، لكنها تفشل في تقديم مبادرة مقنعة.

الاتحاد الأوروبي: منقسم بين تيار داعم بلا شروط لإسرائيل (ألمانيا مثلاً)، وآخر يحاول التوفيق بين حقوق الفلسطينيين وضغوط الرأي العام (إسبانيا وإيرلندا).

من هنا يتضح أن الموقف المصري هو الأكثر اتساقًا لأنه ينطلق من قاعدة ثابتة: لا تهجير، لا تصفية للقضية، وضرورة وقف إطلاق النار.

الإطار القيمي… قراءة قرآنية

القرآن الكريم يحذر من الظلم بوصفه سببًا لانهيار الأمم:
{وَتِلْكَ الْقُرَىٰ أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا} (الكهف:59).

وقال الرسول صلى الله عليه وسلم:
“انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا” قيل: يا رسول الله أنصره مظلومًا، فكيف أنصره ظالمًا؟ قال: “تحجزه أو تمنعه من الظلم” (البخاري).

بهذا المعنى، تتحرك القاهرة ليس فقط تضامنًا، بل التزامًا دينيًا وأخلاقيًا: منع الظلم، وصيانة الحق، وحماية الأرض.

*الخلاصة: دوائر الموقف المصري
*
الموقف المصري اليوم يجمع بين ثلاث دوائر أساسية:

1. الأمن القومي: حماية سيناء ومنع تصدير الأزمة.

2. الشرعية الدولية: رفض انتهاك سيادة الدول العربية.

3. القيم الأخلاقية: الدفاع عن المظلومين ورفض الظلم.

وبينما يتخبط الغرب في ازدواجية معاييره، تبقى القاهرة ثابتة على معادلة واضحة: لا سلام بلا عدالة، ولا أمن بلا دولة فلسطينية مستقلة، ولا استقرار مع استمرار الاحتلال.

سيناريوهات الأزمة المقبلة

1. استمرار الحرب بلا سقف زمني
رفض إسرائيل لوقف إطلاق النار يعني مزيدًا من الدماء، وتفكك جهود الوساطة، ودخول المنطقة في موجة عدم استقرار ممتدة.

2. هدنة مؤقتة بضغط دولي
قد تفرضها واشنطن وأوروبا لتقليل تداعيات الهجرة نحو أوروبا، لكنها ستبقى هدنة إنسانية مؤقتة تؤجل الانفجار ولا تمنع حدوثه.

3. عودة المسار السياسي
السيناريو الذي تدفع نحوه مصر: حل الدولتين وفق حدود 1967.
رسالة الرئيس السيسى للغرب واضحة: “أي تهجير يهدد استقرار أوروبا”، بمعنى أن تجاهل الحل السياسي سيرتد على العواصم الغربية نفسها.

خاتمة

ما يجري اليوم ليس مجرد حرب على غزة، بل معركة على مستقبل المنطقة. إسرائيل تراهن على القوة، والغرب يتخبط بين مصالحه وقيمه، بينما تتحرك القاهرة بحسابات دقيقة تجمع بين السياسة والعقيدة، بين حماية الأمن القومي وحماية القضية الفلسطينية.

ويبقى السؤال المفتوح:
هل يستيقظ العالم قبل أن تتحول غزة إلى جرح مفتوح في جسد الإنسانية؟

تم نسخ الرابط
أعلى الصفحة